بيروت ـ «القدس العربي»: لم يلعب عنوان «مأساتي» وتالياً تعريف العرض المسرحي بـ «عرض لدمية واحدة» لصالح المسرحية الذي أخرجها عصام بو خالد ضمن احتفالات عشرينية مسرح المدينة في البدايات. قدِم بعضهم مستطلعاً وراغباً بكشف المستور خلف العرض، ومنجذباً إلى اسم المخرج الموثوق. مع تكرار العروض في أوقات متباعدة، ومع الدعاية الشفوية المتمثلة بروّاد المسرح، ولفتهم إلى جديد لم يكن معهوداً في فرجتهم تحول العرض إلى سيرة وأسئلة استفهام. هو عرض دمية للكبار. دمية تحاورهم. تسألهم. تطلب مشاركتها الغناء كما كبار الفنانين. تنطق بجمل فلسفية «الحياة لعبة بلا جوهر مثلي أنا دمية بلا حشوة». ولا تتوانى عن علم النفس «أنا منفصم… شكلاً ومضموناً… أنا نص… أنا اسفنجة… أنا نص اسفنجة». في كل ما تقوله تتمتع تلك الدمية بخطاب سلس، مضغوط بقليل من الوقت، فيه ملخص اجتماعي، سياسي، فكري، عقائدي، بيئي، تربوي وربما غير ذلك. كل ذلك صيغ بتعاون وتكافل بين سعيد سرحان وعصام بو خالد ففاض سخرية ومرارة. وفي كل عرض يبلغ التفاعل بين الدمية والجمهور أوجه وخاصة الضحك الذي يصدر عفو الخاطر. ففي زمن لا يتجاوز الـ50 دقيقة كرجت إلى أسماعنا ومخيلتنا أفكار ذات أهمية بالغة ومن خلال نص ينهل من أعماق السخرية.
لعصام بو خالد عروض مسرحية كثيرة بدأها منذ تخرجه من معهد الفنون في الجامعة اللبنانية. حضوره الأول كان على مسرح بيروت حين قدم «أرخبيل» سنة 2002 لفت إلى موهبته ولا يزال يتابع بحماس. قدم «مارش» و»بنفسج» وغيرها، وخبر العديد من أساليب العمل المسرحي.
نسأله إن كان حضور الدمية تعويضاً له بعد استهلاكه للعديد من أدوات المسرح؟ بل هي جزء من تجارب دائمة عندي. وحالياً أحضر عرض «كارنيفورو». أعمل على أفكار جديدة دائماً. في الواقع فكرة الدمية تعود إلى زمن معرفتي بمحرك الدمى رشاد زعيتر، وخلال لقاءاتنا حين كنا نعمل في قطر كان يلح على أن ننفذ فكرة معاً وللكبار. عندما طُرحت المشاركة في عشرينية مسرح المدينة وجدتها مناسبة لعرض ماريونيت صغير. وتالياً كان القرار بعرض ماريونيت منفردة. بين العرض الأول والآن طرأ تطور ملحوظ، بدأ بـ30 دقيقة ويتراوح حالياً بين 50 و55 دقيقة. تطور النص والتحريك. عرض الدمية ليس مرتبطاً باستهلاك خيارات مسرحية، بل هو الخيار الذي تمّ التزامه من البداية. للدمية رمزية كبيرة ويمكنها قول أفكار يعجز عن إيصالها ممثل عادي. لهذا الدمية كانت خياراً، وليست مهرباً.
خيار عصام بو خالد هل أخذ في الاعتبار ردة فعل الجمهور على عرض بطلته دمية؟ لم يراودني هذا الهاجس.
يقول عصام: بدأت عملي المسرحي بتحريك الدمى في «الطمبوري لابس حافي» ومن ثمّ «شو صار بكفرمنخار». كثيرون استعملوا الدمى في عروض للكبار، لم أخش عدم الإقبال، بل العكس، فلأننا تسلينا جداً خلال العمل كنت على قناعة بأن الجمهور سيكون له الانطباع نفسه. الهاجس أن يعرف الجمهور أن العرض للكبار. الوقت كان كفيلا بذلك. كان للعروض دورها، والشرح عبر وسائل التواصل الاجتماعي. لكن أن يعتقد الجميع بأننا حيال عرض مأساوي نتيجة العنوان، فهذه اشكالية بحد ذاتها.
«مأساتي» عنوان تراجيدي لماذا حملته لدمية؟ يقول: في رأيي رائع أن تحكي دمية عن مأساتها. في مرحلة كتابة النص أو في اعداده للعرض كنا في غاية المرح والتسلية جميعنا. في أحيان كانت التمارين تتوقف لدخولنا في حالة ضحك لا تقاوم ولا تنتهي.
لم يكن العرض مهموماً رغم حمله عناوين هي هم مقيم أو حتى مأساة وطنية. يعلق بو خالد: قدما الهم بمنأى عن الهم الدرامي. كفريق وكمخرج حملنا همّ عرض يجب أن يكون راقياً ويليق بأسمائنا. لكننا تمتعنا خلال التحضير، ونتمتع في كل مرة نقدمه للجمهور. كمخرج أجد متعة بالتعاون مع الممثلين حتى في أكثر العروض سوداوية كما في «بنفسج». في «مأساتي» ترافقت المتعة مع الضحك.
قبل الدخول في تفاصيل الدمية نسأله: هل هي دمية شقية أم ضحية؟ بل يقول: تشبهنا تماماً. هي ضحية وشقية ومتمردة، لكنها في النهاية دمية. وهي عبرت بأن أحدهم يستغلها ليأتي القرار في مصلحته. تردد كثيراً بأن صوتها غير مسموع. ونحن بدورنا طالما رددنا لا يجب «أن نكون غنماً» ولا يجب أن «نُستغل طائفياً ودينياً ومذهبياً وأثنياً وقومياً». مع الدمية دُفعت الأمور إلى نهاياتها. كان الكاريكاتور سبيلاً لوضع الاصبع على الجرح. حمّلنا هذه الدمية رسائل لها علاقة بالطائفية، والمجتمع، والعنصرية، والمسرح وجمهور المسرح.
كررت الدمية استياءها من التحرش الجنسي بها فهل أردتها رسالة أم لطشة لجمعيات NGOS؟ نعم التحرش مسألة مهمة في حياة الأطفال ورغم ذلك دخل بزار التسويق والتجارة. ليس انتقاداً لجمعيات NGOS بل لأن موضوعات خطرة على الصعيد الاجتماعي توضع في خانة المصالح. ليس التحرش وحسب بل كذلك تشجيع الأمهات على الرضاعة الطبيعية، وهو ما تمّ تناوله في العرض وكأنه جزء من مسرحية «نوي يا قطة نوي» والتي تنتهي بسحب تومبولا. فحوى الموضوع أن الموضوعات المهمة تُسخف وتُسطح. لأن الهدف ليس علاج القضية بل التجارة.
هل يسّرت لك شخصية الدمية أن تحملّها تلطيشاً لعشيرة زعيتر بشأن المخدرات وكذلك تناول مسألة الإرهاب الديني؟ حضور رشاد زعيتر كمحرك للدمية وناطق بصوتها ساعد في وجود تلك الجملة. كافة العائلات خير وبركة. صديقي رشاد يدرك تماماً كيف يُنظر إليه بتمييز عندما يعرف الآخرون أنه من آل زعيتر. رشاد بذاته حمّل الدمية التوصيف العنصري، المسطح والتافه من خلال اسم، دين أو أي شيء آخر يميزه. وبصراحة لولا وجود رشاد وإشارته إلى ما يعانيه من تمييز نتيجة اسمه لما خطر الأمر على بالي.
«مأساتي» عرض خفيف على الروح، عميق وذو دلالات، تماوج بين العامية والفصحى في جمل مفصلية، ونهل من أسلوبي شكسبير وماكبث ولم يثقل على المتلقي. كيف ذلك؟ جواب عصام بو خالد أنه مخرج أتى إلى المسرح من خلفية أكاديمية. يقول: كدارس في الجامعة مررت في اختبارات لا تحصى على صعيد المدارس المسرحية. أسعى في عروضي لتمرير بعضها ليتعرّف إليها الجمهور. الدمية كما أي ممثل لها أحلامها الكبيرة بأن تلعب هاملت، ماكبث والملك لير. كما غنت لوديع الصافي. لم يبحث محرك الدمية عن امكاناتها بل قدّم المستوى الذي يتمتع به كشخص. كل هذا شجع الجمهور.
كيف توصلت مع سعيد سرحان إلى نص مضغوط ومعبر بهذا المستوى؟ يجيب: تعاونت مع سعيد سرحان في ثلاث مسرحيات. كتابة «مأساتي» هي النص الثاني لنا معاً. ابتدعنا طريقة في الكتابة نتسلّى من خلالها. نحن معاً لا نحب الثرثرة ولا الحشو.
هل بلغتك كلمة شكراً لكونك أمتعت الجمهور بعرض دمية فكاهي ساخر؟ فكر قليلا وقال: ألمس أن الجمهور يتسلى ويفرح. وفي الوقت عينه أسمعهم يرددون «واو شو فيها معاني». هذا يسعدني جداً. منذ بدأت العمل والكوميديا السوداء تشدني نحوها. كما أني أرغب بـ»بلف» الجمهور بالمعنى الإيجابي بحيث لا يتوقع ما سيراه في العرض، أو أن يتوقع أمراً ويرى آخر.
حمّل عصام بو خالد ومشاركوه في عرض «مأساتي» للدمية مأساة كبرى بمقاس XXL فهل يا ترى ستكون له مع الدمية حمّالة «الأسية» لقاءات تصل إلى مقاس XXL؟ بظنه أنه بلغ هذا المقاس مع «مأساتي». بتصوري أن ملحقات منتظرة بعد هذه التجربة مع رشاد زعيتر وسعيد سرحان. امكانات التطور مستقبلاً كبيرة للغاية. وأرجح أننا سنتجاوز مقاس XXL.
لماذا محرك الدمية متشح بالسواد؟ يلغي محرك الدمية نفسه لصالحها. ويضيف المخرج: صراحة رغبت بإلغائه إلى حين يظهر نفسه فيكون كما الدمية اسفنجيا وفارغا من الداخل. في رأيي ورغم كون الدمية اسفنجاً فهي تتحلى بإحساس، وجدان وضمير أكثر من بعض من لديهم لحم وعظام، ولا دماغ لهم.
يُحسب لفريق مسرحية «مأساتي» بكليته قدرته المطلقة في جذب الحضور للعرض لحظة بلحظة، رغم اقتصاره على بطولة الدمية. يعيد بو خالد ذلك إلى: عمل مختلف في تحريك الدمية. رشاد زعيتر يحرك الدمى مذ بدأ التمثيل، وهو يردد أنه كان مختلفاً عن سنوات عمله السابقة. اتجهنا نحو أسلوب كان جديداً على رشاد، ممتعاً لي، وأبحرنا في إخراج كل فكرة في العرض. رشاد مبدع وموهوب واستثنائي في تحريك الدمية. وفي هذا العرض كان للدمية أن تعيش.
بعيداً عن العرض المسرحي الناجح والمرشح لأن يدوم لسنوات وأن ينتقل من بيروت إلى غيرها، عصام بو خالد في ورشة كتابة لسيناريو سينمائي فماذا عنه؟ يجيب: سفري للعمل في الدوحة أخّر الإنجاز الذي كان مفترضاً من ثلاث سنوات. التأجيل لم يعد وارداً والاحتمال كبير بأن يكون التصوير في الخريف المقبل. أتشارك في «تقفيل» السيناريو مع سعيد سرحان، وفي بالي أسماء لمن لهم حرفية تصويب مسار السيناريو، فلست سينمائياً.
من رشح عصام بو خالد للتمثيل؟ من المؤكد سعيد سرحان، وبرناديت حديب، واحتمال أن أمثل شخصياً. وأرغب بالتعاون مع سرمد لويس في الاخراج كوني لست مخرجاً سينمائياً.