على هامش 30 يونيو وحديث الإنجازات

حجم الخط
1

اختصر تعليق قد يعد ساخرا على تصريحات كمال الجنزوري مستشار الرئيس عبد الفتاح السيسي، ورئيس الوزراء في عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، عن 30 يونيو، الكثير عن المشهد المصري الحالي وحديث الإنجازات، مقابل الحديث عن صمت الجماهير وتغليف المشهد بفكرة الرضا والقبول الشعبي والتفويض المفتوح الذي يتم تسويقه من قبل النظام ومؤيديه في كل حدث مشابه.
في تصريحاته المنشورة في 29 يونيو 2017، أكد الجنزوري على أن 30 يونيو كانت «انتفاضة شعب على كل ما هو سيئ، لتحقيق ما يصبو إليه من آمال» وأن الشعب «الذي تحمل ومازال يتحمل سيجنى ثمار تحمله قريبا». بدوره تساءل التعليق المشار إليه عن موعد «قريبا» التي جاءت في تصريحات الجنزوري، مؤكدا أنها كانت حاضرة في تصريحاته في فترات سابقة عندما كان رئيسا للوزراء ولكنها لم تصل أبدا. وبشكل آخر يؤكد التعليق على أن واقع المواطن في المحروسة لم يصل أبدا إلى خط نهاية المعاناة، وأن الإنجازات التي يشير إليها كل نظام – وأحيانا عبر الوجوه نفسها وإن اختلفت المناصب- لا تصل للمواطن. وبعيدا عن السخرية الواردة في تعليقات أخرى والتساؤلات المنطقية التي تطرح عما تحقق على يد الجنزوري سابقا، أو حاليا، تتقاطع تلك الصورة مع الكثير من الأحاديث المنتشرة عن الخير المقبل، سواء قدمت مواعيد أو فترات زمنية محددة، أو تركت المجال مفتوحا على طريقة الجنزوري. وإن كانت التحديات ظاهرة على عدة مستويات بعد قرارات رفع أسعار الوقود، التي من شأنها أن تصب في ارتفاع أسعار العديد من السلع والخدمات، على هامش ذكرى 30 يونيو، فإن وعود مثل تحسن الظروف المعيشية خلال عام 2017 التي أشار إليها المتحدث باسم مجلس الوزراء في 29 ديسمبر 2016 مؤكدا على عدم وجود نية لدى الحكومة لرفع أسعار الوقود والمحروقات، أو الأشهر الستة التي طالب السيسي الشعب بالوقوف بجوار مصر حتى تنتهي وتصبح الأمور أفضل، والتي تحدث عنها في 28 ديسمبر 2016، قد انتهت وتجاوزها الواقع بالفعل دون تحقق الانعكاسات الإيجابية المفترضة أو الحفاظ على أسعار الوقود أو السلع الأساسية. 
وعلى العكس من المتوقع بدأت موجة زيادة جديدة في الأسعار مع زيادة أسعار الوقود وضريبة القيمة المضافة، مع نهاية تلك الفترة، إلى جانب أخبار عن رفع أسعار الأدوية وخدمة الانترنت وغيرها من سلع وخدمات مرتبطة بتلك الزيادات. وللاسف في حين أن»قريبا» لا تأتي عندما يتعلق الأمر بالإنجازات وتحسن مستوى المعيشة، فإنها حاضرة عندما يتعلق الأمر بالمزيد من الأعباء التي تفرض على المواطن. بدورها فإن وعود الجنزوري التي قد نجدها في أحاديث المسؤولين في الماضي والحاضر والمستقبل، سواء بالعبارات نفسها أو عبارات مشابهة ليست غريبة على المشهد المصري، بوصفها نتاجا طبيعيا لواقع تغيب فيه المحاسبة والمكاشفة. وإن كانت المكاشفة والمحاسبة غائبة، والذاكرة مغيبة من أجل نسيان الوعود، يصبح الوضع أكثر تعقيدا في نظام يصل للسلطة بدون برنامج يمكن محاسبة الرئيس عليه، بعد أن تم إشغال الرأي العام عبر وسائل الإعلام والشخصيات المقربة من الرئيس – المرشح الرئاسي في هذا الوقت- بالحديث عن وجود لجنة لوضع برنامج، وعن الشخصيات الشهيرة التي تشارك فيها ومخاطر الواقع ورئيس الضرورة والتفويض. وإن كان الحديث عن اللجنة تحول إلى سراب ولم يحاسب أحدا، فمن الطبيعي أن الوعود مجرد كلام مرسل وأحاديث غير ملزمة للرئيس لأنه في النهاية كان حريصا على تأكيد ضرورة الصمت عن المشاريع المخططة من أجل عدم استهداف الإعداء لها – كما قال- ولأنه أكد – في مرحلة تالية- على أن مسؤولياته تجاه الجيش منعته من وضع برنامج.
ولهذا تصبح مطالبة البعض بالتحقق من تنفيذ برنامج الرئيس، قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة عبر تشكيل لجنة ما، وما يفتحه من بوابة لبرامج وحوارات وموضوعات تخصص لتلك النقطة، جزءا من التسويق الإعلامي من أجل الإيحاء بأن هناك برنامجا كان قائما، وهناك مشاريع كانت ضمن هذا البرنامج، والوصول إلى نسب عالية من التنفيذ على طريقة وعد ونفذ، أو على طريقة التعامل مع نسب المشاركة في الانتخابات الرئاسية. بالمقابل فإن المهم قد يتم التجاوز عنه، وهو التحقق من قيمة ما تم على أرض الواقع من مشاريع وما حدث من تغير في مستوى حياة الشعب، ومستوى التنمية الاقتصادية والسياسية التي حدثت من عدمه، وقدرة النظام على حماية الأمن، وقبل كل هذا قيام النظام بدوره في الحفاظ على الوطن ووحدة وسيادة أراضيه.
تأتي كلمة السيسي التي أذيعت بمناسبة ذكرى 30 يونيو مثيرة لتساؤلات على طريقة «قريبا»، التي أشار إليها الجنزوري، وهي تحمل تناقضها ويمكن في أوضاع أخرى أن تهدد أسس بقاء النظام نفسه، وهو يعترف بتقصيره في القيام بما يفترض القيام به. يتحدث السيسي في كلمته مؤكدا أنه «في مثل هذه الأيام المجيدة انتفض المصريون بأعداد غير مسبوقة، رجالا ونساء، شبابا وشيوخا، ليسطروا ملحمة وطنية فريدة، عمادها الحفاظ على الوطن، أرضه وهويته، استقلاله وحريته». وبعيدا عن محاولته تخصيص الأعداء وتحديدهم في الفاشية الدينية بقوله أن أول محاور 30 يونيو كانت التصدى للحكم «الفاشي الديني»، فإن السؤال يظل مطروحا ما بين حديثه والدستور والواقع. فإن كانت انتفاضة الشعب للحفاظ على الوطن وأرضه فكيف يحتفل بذكرى 30 يونيو على هامش التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير بكل ما يحيط بها من وقائع وما تثيره من مخاوف. 
وإن كان الشعب قد انتفض للحفاظ على الوطن وأرضه، كيف يفسر بيع الجنسية وما تسمح به من تملك لأراض لم يكن يسمح بتملكها لأجانب، وكيف يمكن تفهم التعديلات التي سمحت للسلطة التنفيذية بتمليك أراضي سيناء لأجانب، والتي تم من خلالها تمليك أراض لملك البحرين، والسماح لشركات أجنبية دون شراكة مصرية بإنشاء أنفاق تحت قناة السويس وغيرها، ربما الكثير من الأمور التي تخص الأرض ناهيك عن كل ما يثار عبر التسريبات وجس النبض حول سيناء، ودور مصر في صفقة الرئيس الأمريكي لتسوية القضية الفلسطينية. أما إن كان الحديث عن انتفاضة الشعب من أجل استقلاله وحريته فأين تلك الاستقلالية والحرية، وهل تتمثل في القروض وما تفرضه من سياسات؟ أو الإحساس بضعف أسس الشرعية وما فرضته من تنازلات، بما فيها تسويات تتعلق بالحدود والسيادة؟ أما الحرية فربما نجد الاجابة عنها في السجون الجديدة، والتقارير التي تتحدث عن الاختفاء القسري والتعذيب وغيرها من وقائع لا تهتم بالتعذيب، ما دام يمارس بعيدا عن الكاميرات ولا يشوه وجه الوطن أمام الخارج. إلى جانب واقع الصحافة ومحاولات تقييد المساحات القائمة، سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو عبر التحركات في الشارع، التي يمكن أن تمر إن كانت مؤيدة، ولكنها تتحول إلى عمل إرهابي وجزء من تنظيم نشر التشاؤم، إن كانت معارضة، كما حدث مع التحركات التي عارضت رفع أسعار الوقود، والحديث عن ضبط تنظيم أخواني يعمل على استغلال ما أسمته بعض وسائل الإعلام تحريك الأسعار وليس زيادتها، من أجل التأثير على الجماهير، وكأن الواقع لا يفرض ضغوطه على المواطن، وكأن المعارضة لرفع الأسعار ليست إلا جزءا من تشاؤم لا يعرفه المواطن الطبيعي، الذي يفترض بعد كل الوعود عن «قريبا» والأشهر الستة أن يصدق أن الأفضل قريب حقا، دون أن يغضب أو يعبر عن غضبه عندما تتجاوز الضغوط قدرته على الحياة.
ويظل السؤال في ما يتعلق بالإنجاز واضحا ماذا عن الأشهر الستة من الوقوف بجوار مصر؟ هل كان الوقوف بجوار مصر يعني أن تقلص مساحتها وسيادتها ويتنازل نظامها الحاكم عن جزر تيران وصنافير؟ هل كان يعني مزيدا من الإفقار للشعب مقابل تداول صور رموز نظام مبارك، التي تؤكد على أنهم بخير، ولم يخسر أحد من محاولة التغيير إلا الشعب؟ هل كان الوقوف بجوار مصر يعني مزيدا من القمع والمعاناة وانسحاب الدولة لصالح أصحاب المال؟ هل كان الوقوف بجوار مصر يعني أن تحمل ذاكرة اللحظة صورة الرئيس الأسبق أنور السادات وهو يرفع علم مصر على سيناء، وصورة مبارك الذي قامت ثورة 25 يناير ضده، وهو يرفع علم مصر على طابا مقابل صورة السيسي وهو ينزل علم مصر عن جزيرتي تيران وصنافير، معنويا حتى إن لم يقم به ماديا؟ هل يفترض أن يكون إنجاز اللحظة هو تنازل النظام عن تيران وصنافير ومحاولة تغطية الحدث بالمزيد من الأزمات الاقتصادية والأخبار المثيرة والإلهاء المتعمد في مواجهة الحياة، وكل ما أعلن عن مشاريع قومية لم ير المواطن ثمارها واقعا.
الأرض تنفي حديث الانجازات وتتمسك بأمل أن حياة الدول والشعوب ليست فيلما ينتهى بكلمة نهاية، يضعها النظام وكأنه مخرج، الحياة متغيرة والشعوب تكتب الوقائع بطريقتها والنضال من أجل الوطن مستمر ما بقي الشعب.
كاتبة مصرية

على هامش 30 يونيو وحديث الإنجازات

عبير ياسين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية