عملية اختطاف عبد الفتاح السيسي..»ذهنياً»!

حجم الخط
12

في «سفر الحب»، الفصل الثاني، ص 196، وردت الحكمة القائلة: «القلب وما يريد»، وأرجو من القارئ العزيز ألا يشغل نفسه عن هذه الزاوية، بالبحث عن نسخة من السفر المذكور، فلا توجد سوى نسخة واحدة، فكر صاحبها في إلقائها في البحر المتوسط، لكنه تذكر مقولة الجنرال محافظ السويس إن البحر «حُنين» ولهذا كان من نصيب المصريين، فألقاها في المحيط الأطلنطي، لأن المحيط يفتقد لصفة «الحنية»، ولهذا كان من «قُرعة» غير المصريين، لأنهم ليسوا محظوظين كما سكان المحروسة، بحسب «سيادة اللواء المحافظ»، الذي تخرجت على يديه عشر دفعات من الضباط الإحتياط!
ولأن «القلب وما يريد»، كما ورد في «سفر الحب»، فإن عبد الفتاح السيسي اختص «عمرو أديب» بأول مداخلة تلفزيونية، مع أن المذكور لم يضح من أجل النظام بقفاه كما «أحمد موسى»، وكما «يوسف الحسيني»، فضلاً عن أن قناته «مشفرة»، ولا يشاهد برنامجه غير المشتركين فيها، فليست قناة مفتوحة مثل «صدى البلد»، أو «أون تي في»، أو «سي بي سي»، وهذا أكبر دليل على ما ورد في «سفر الحب»، في الفصل الثاني أيضاً، وفي الصفحة نفسها: «الحب بهدلة»، فالحسيني وموسى كانا بتضحياتهما الجمة، خير مثال على قول القائل: جننا بليلى.. وليلى مجنونة بغيرنا!

مخزن جرحى الثورة

وقد يكون الأمر لا يعني أن السيسي ليس ممتناً للحسيني وموسى، لكن الإمتنان لا يمنع أنه عند الاختيار لأول مداخلة فكر وقدر، فرسى العطاء على «عمرو أديب»، الذي وإن كان منحازاً بالحق والباطل لمرحلة السيسي، فإنه لم يهبط بالأداء إلى مستوى «عسكري المراسلة»، وفي التسريبات لم يذكره سكرتير السيسي «عباس كامل» بألقاب تحط من القدر، مثل قوله «الواد الحسيني»، و»البنت عزة»، يقصد «عزة مصطفى»، مقدمة برنامج «صالة التحرير» على «صدى البلد»، ورئيسة التلفزيون المصري في مرحلة ما قبل ثورة يناير. و»صدي البلد» تحولت إلى مخزن لجرحى الثورة، فـ «رشا مجدي» التي تم إيقافها عن العمل، لأنها دعت عبر شاشة التلفزيون المصري المسلمين إلى التصدي للمتظاهرين المسيحيين في يوم «مذبحة ماسبيرو»، انتقلت للعمل في القناة المذكورة، لأنها كانت في بيانها مسيرة لا مخيرة، ومن دفعها لهذا هو من وفر لها الانتقال الآمن لقناة تلفزيونية خاصة، فإذا غضب الرأي العام المسيحي كان الرد أن «صدى البلد» مستقلة في إدارتها ولا تتبع الحكومة.
«صدى البلد» مملوكة لرجل الأعمال المقرب من نظام مبارك، وأحد المتهمين في «موقعة الجمل»، وعضو مجلس الشعب عن الحزب الوطني «المنحل» محمد أبو العينين!
وللموضوعية فهي قناة حصلت على الترخيص في ظل حكم الإخوان، وحصل صاحبها على وعد بألا يسجن من رجال الأعمال الإخوان، وكما كان مرافقاً لمبارك في رحلاته الخارجية، فقد رافق الرئيس الإخواني محمد مرسي في زيارته للصين. ومع هذا ففي «صدى البلد» لا ينطق اسم مرسي إلا متبوعاً أو مسبوقاً بلقب الجاسوس.. «طيبون للغاية معشر الإخوان المسلمين.»!
«صدى البلد» تقوم بدور الظهير للتلفزيون الرسمي، وهو دور قناة «الحياة» لصاحبها «السيد البدوي شحاتة»، في عهد مبارك، وعندما أصبح وجود «رولا خرسا» عبئاً على بعلها رئيس قطاع الأخبار في التلفزيون المصري «عبد اللطيف المناوي» استقبلتها «الحياة» على الرحب والسعة، وتجل دورها كفرع من أصل في أدائها ضد ثورة يناير في البداية!
ومع أهمية الدور الذي تقوم به «صدى البلد» في هذه المرحلة الدقيقة من عمر الانقلاب العسكري، فإن السيسي لم يختصها بأول مداخلة هاتفية وإنما كانت من حظ ونصيب «المشفرة أوربيت» حيث برنامج «عمرو أديب»، فكان هذا مبرراً للهجوم على تنازل الرئيس إلى درجة قيامه بمداخلة هاتفية في برنامج تلفزيوني، وكما لو أن المداخلة تمت عبر «سكايب» لتغيرت النظرة!

موضوع المداخلة

لغير المتابعين، فقد كانت المداخلة للتعليق على مظاهرات «ألتراس النادي الأهلي» بمناسبة ذكرى مذبحة بورسعيد التي راح ضحيتها 74 قتيلاً ، ثم تطرق الحوار لسجن الرسام «إسلام جاويش»، وتحدث عن مشاكل البلد المتراكمة ليس منذ 30 سنة ولكن منذ 50 سنة، وقد ورثها هو بقايا دولة، أو أشلاء دولة، بحسب وصفه!
وكان يحتاج وهو يتحدث بهذا الشكل إلى عبارة «لميس الحديدي» للرئيس محمد مرسي: «ثقيلة عليك الشيلة متشلهاش»!
من سوء حظ السيسي أن تحويل مصر إلى بقايا دولة، أو أشلاء دولة ومنذ 50 سنة، تم في ظل الحكم العسكري للبلاد، والذي يعد حكمه هو النسخة الأسوأ لكل الأنظمة العسكرية التي حكمت مصر منذ حركة ضباط الجيش في سنة 1952!
ومن حسن الطالع أنه أسقط بيده الاتهام الذي يوجه لخصومه بأنهم يهدمون الدولة، فقد تبين أن مصر ليست فيها دولة لتهدم، أو يخطط لهدمها ولكنها بقايا دولة أو أشلاء دولة!
في مداخلته بدا السيسي مهزوزاً، رغم أن ذكرى ثورة يناير مرت عليه بسلام، وتبين أن الحراك الثوري في أضعف حالاته، لكن تبين أن خوفه لم يكن من الحراك الإخواني ولكن من شيء ما، وكان هذا الحضور للألتراس في النادي الأهلي وهتافاتهم ضد حكم العسكر مما أخافه أكثر مما أخافته الفعاليات في ذكرى الثورة، التي بات يعرف أنها مظاهرات لها وقت محدد!
بدا السيسي لطيفاً للغاية وهو يتحدث عن مشكلة حكمه مع الشباب الذي فشل في التواصل معه وقال «عندي أولاد وصدري لا يضيق على أولاد مصر»، وكأن آلاف المعتقلين من الشباب والأطفال في سجونه هم من «الجنجاويد» وليسوا من مصر!
عندما طلب السيسي من شباب «الألتراس» تشكيل لجنة من عشرة أشخاص للإطلاع على التحقيقات الخاصة بمذبحة بورسعيد وتزويده بما لديهم من معلومات عن المذبحة، قلت: «يا لعبك»، ذلك لأنني استشعرت أنه يريد أن يمارس معهم ما مارسه من قبل مع «غلمان الثورة»، الذين لم يكن يعنيهم سوى «الوجاهة الإجتماعية»، وقد تحققت باجتماعه بهم عندما كان مديرا للمخابرات الحربية، وغاية المنى أن تلتقط لهم صور في حضرته، فباعوا من أجل هذا الثورة ومطالبها، ونسوا حقوق الشهداء والمصابين فلم يطالبوا بها!
لقد إستغل السيسي ذلك فمشى بين الثوار بالنميمة، وجعل بأسهم بينهم شديداً على قاعدة فرق تسد، ثم سرعان ما لفظ الغلمان الذين استخدمهم أداة لتمزيق الصف الثوري، وهو ما فعله من الوقيعة بين شباب حركة تمرد، فلم يبق له من بينهم سوى «محمود بدر» ويعجب المرء عندما يعلم أن من صدر ضده القرار غير المسبوق بالمنع من دخول وطنه هو من الأعضاء المؤسسين لتمرد.

الطرف الثالث

شباب «الألتراس» فوتوا على السيسي الفرصة في الوقيعة بينهم، والتي كانت ستبدأ منذ اللحظة الأولى للاختيار، لقد رفضوا دعوته لأنهم يعلمون أنه جزء من المشكلة ولا يمكن أن يكون جزءاً من الحل، فالطرف الثالث الذي قام بالكثير من عمليات القتل لإثارة الفوضى وتشويه الثورة بات معروفاً للكافة، والأصل أن التحقيقات التي سيطلعهم عليها أمام القضاء ومعروفة للجميع وتبدو أنها ليست مقنعة لأحد لاعتقاد شباب «الألتراس» أن الجاني خارج السجن!
لقد تسببت هذه المداخلة في أزمة مع الأذرع الإعلامية للسيسي التي رأت أنه جرى «اختطافه» من قبل «عمرو أديب»، وهناك تنافس قديم على اختطافه من أكثر من طرف، فكان الناصريون وجماعات اليسار يريدون اختطافه ليقوموا بدور الظهير السياسي له، وأرهقوا أنفسهم في الطلب منه أن يحدد إنحيازاته ويختار فريقه وقد أفدتهم أكثر من مرة بأن انحيازاته محددة مبكراً، وهي لدولة لمبارك التي كان ركنا ركيناً فيها، لكنهم لم يستوعبوا الرسالة إلا بعد تشكيل البرلمان!
وفي المقابل كانت الدولة العميقة تريد اختطافه حتى لا يفوز به من شاركوا في ثورة يناير وكانوا معهم في الانقلاب عليها. وفي الإعلام تواري من شجعوا يناير، وخرج الكثير منهم من «المولد»، في الوقت الذي تمدد فيه خصوم هذه الثورة، وفي اللحظة التي ظنوا فيها أن السيسي شأن خاص بهم بدا كما لو كان «عمرو أديب» خطفه وهو ليس من «الشلة»، فذهب البعض يهاجم أفكار المداخلة، مثل «تامر أمين» على «الحياة» الذي رفض الحوار مع «الألتراس»، وتطاول حد إعلانه أن هذا معناه أن السيسي «يجي بالعين الحمراء» ومعناه كذلك «إنه بيخاف وبيتلوي ذراعه»!
وقال «أحمد موسى» إن الدعوة للحوار تعني أن السيسي ضعيف. وعلى «أم بي سي مصر» قال الخبير العسكري اللواء حمدي بخيبت «السيسي نزل بمستوى رئاسة الجمهورية إلى جماهير الأندية». أما قناة «العاصمة» فقد استدعت القيادي بالحزب الوطني المنحل «علي الدين هلال» من مرقده ليقول إنه غير موافق وغير متحمس لقيام رئيس الدولة بمداخلات تلفزيونية لأن رئيس الدولة عال جداً».
هذا علماً بأن مبارك قام بمداخلات تلفزيونية ولم ير أي من هؤلاء أنها تحط من القدر، أو تنال من الكرامة، كما أنهم لم يقولوا هذا الكلام عندما قام السيسي بالمصالحة «التاريخية» بين المعلق الرياضي «أحمد شوبير»، ورئيس نادي الزمالك «مرتضى منصور.»!
فالرفض ليس من باب الحفاظ على المقام الرفيع للسيسي وباعتباره «الرئيس البيه»، ولكن لأن «عمرو أديب» اختطفه بإرادته فعز عليهم هذا!
إنه أسبوع الرئيس المخطوف.. ذهنياً

صحافي من مصر

سليم عزوز

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية