عندما تكون الصحافة جريمة

حجم الخط
1

لا سلطة تحب الحقيقة التي لا تخدم مصالحها، ولأن الصحافة في الأساس يفترض أن تبحث عن الحقيقه، فلا أحد يحبها بهذا المعنى، أما الصحافة التي تقول ما تريده السلطة فهي محببة ومقربة ولها حضور دائم في أروقة السلطة. ووفقا لهذا يمكن القول بأن هناك الصحافة التي تبحث عن الحقيقة وتعلنها، والتى قد تكون عكس ما ترغب فيه السلطة وتصبح جريمة وفقا لها، وعملا وطنيا وفقا للجماهير.
وهناك الصحافة التي ترى وتقول ما تراه وتريده السلطة، فهي ليست جريمة من وجهة نظر السلطة، ولكنها جريمة من وجهة نظر الوطن، خاصة إن تناقضت مصالح السلطة الحاكمة مع مصالح الوطن. فهناك الصحافة التي تؤكد على حق المواطن في المعرفة ومحاربة الفساد والدفاع عن السيادة، وهناك الصحافة التي ترفع شعار نشر فوبيا الخوف من انهيار الدولة، والتأكيد على غياب البديل، وإن بقاء مصر من بقاء عبد الفتاح السيسي.
في المجمل هناك درجات مختلفة من الصحافة بين الاقتراب من الحقيقة والابتعاد عنها، وبين الاقتراب من السلطة والابتعاد عنها، وبين الدفاع عن مصالح الجماهير أو العمل على تشتيت انتباه الجماهير من أجل تعظيم مصالح السلطة. وفي الخلفية يظل من المهم التركيز على طبيعة النظام السياسي والأسس التي تحكم السلطة، والتي تعبر بدورها عن درجة اقتراب السلطة أو ابتعادها من التعبير عن مصالح الجماهير، وفقا لقدرة الجماهير على اختيار السلطة الحاكمة وتغييرها عبر الانتخابات من عدمه، وفي المجمل حسب درجة ديمقراطية النظام وخضوعه للمحاسبة.
كل تلك العوامل تجعل الصحافة في الممارسة متنوعة، والحكم على ما هو جريمة وما ليس جريمة بالمعنى القيمي المرتبط بعمل الصحافي والصحف، يتوقف على النظام السياسي وعمل الصحافة ذاتها وعلاقتها بالحقيقة، بعيدا عن إطلاق الحق في حرية الصحافة والتعبير. فالصحافة قد لا تكون جريمة بالمعنى المطلق للحق في المعرفة والبحث عن الحقيقة، ولكن تعبير الصحافة عن الحقيقة من عدمه، وتبنيها خطاب المدافع عن مصالح الشعوب من عدمه، أمور أخرى في عمق التفاصيل التي تجعل العلاقة ملتبسة ومتغيرة من لحظة إلى أخرى. وفي هذا السياق نفسه يمكن أن نفهم كيف تتم مصادرة عدد من جريدة مصرية يفترض أن من يملكها مقرب من السلطة، وأنها وفقا لمؤشرات الأوضاع في مصر لا تصنف على أنها جريدة معارضة، بقدر ما تصنف بأنها صحيفة مقربة من السلطة ولما تريده.
وإن كانت مقولة «الصحافة ليست جريمة» قد انتشرت على وسائل التواصل
الاجتماعي، في أعقاب قرار مجلس الوزراء بغلق عدد من المواقع الإلكترونية
في مايو 2017 باعتبار أنها تحرض على الإرهاب، أو تهدد الأمن القومي، فإن حظر صحف مقربة من السلطة ومتحدثة بخطابها، يثير تساؤلات أكثر عمقا في ما يتعلق بالوضع السياسي المصري، والتطورات التي تتجه لها الأوضاع، وعملية تجفيف المساحات العامة، وإغلاق المنابر المعارضة ورفض ما يخالف رؤية السلطة، حتى إن تعلق الأمر باختلاف وحيد أو بفرد من أفراد دائرة السلطة، التي قد تتصور الصحيفة المعنية أنها قادرة على المساس به، قبل أن تواجه بحقيقة الخط الأحمر المرسوم حول تلك الشخصيات، التي تمنع من الاقتراب أو المساس أو الاعتراض عليها بأي صورة من الصور. كما يحمل الحدث رسائل أخرى تخص توزيع الأدوار وكيفية تفريغ القدر، عبر إعطاء بعض أدوار البطولة المحسوبة لشخصيات أو مؤسسات مقربة من وقت لآخر حتى لا تحرق كل الأوراق وتظل قادرة على البقاء في المشهد، بتجدد حياة جديدة أو ارتداء ثوب جديد شبه معارض على جسد مؤيد.
جاء قرار مصادرة عدد الجريدة المعنية لأنه تجاوز خطوطا حمرا مختلفة، وربما لتأكيد نقطة أساسية وهي أن تلك الخطوط الحمر لا يمكن تجاوزها حتى لمن يتصور أنه مقرب، ولا يمكن المساس به أو التشكيك في وطنيته أو أهدافه وفقا لخطاب السلطة ومعايير المقربين منها، التي تشمل الجريدة المعنية ذاتها والمسؤولين عنها. وأن كانت تلك الخطوط الحمر واردة في حالة الصحف المقربة للسلطة، فهي واردة في حالة الصحف المعارضة، التي قد تتعرض إلى ما هو أكثر من مصادرة عدد، كما أن مصادرة أعداد لصحف مقربة يحمل لها رسائل عن سياسات النظام وحدود ما يتسامح معه وما يرفضه. العدد الذي تمت مصادرته تناول هروب وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي، وعدم إلقاء القبض عليه منذ هروبه في مايو 2017 ضمن ملف عن هروب المساجين، وانتقد بدوره أداء وزير الداخلية وعدم قدرته على منع العمليات الإرهابية من جانب، أو تأمين المساجين ومنع فرارهم من جانب آخر. وعندما تم الاعتراض على العدد قامت الصحيفة بإلغاء الملف الخاص بهروب المساجين، ولكن تركت خبرا عن تقدم عضو من أعضاء البرلمان بطلب إحاطة لوزير الداخلية لسؤاله عن هروب العادلي، وهو الأمر الذي أدى إلى مصادرة العدد. وبهذا يبدو الأمر أكثر تجاوزا من إلغاء العدد لوجود الملف، فالملف تعبير عن رؤى قد تختلف معها السلطة، في حين أن الخبر يرتبط بحدث لا يمكن إنكاره، ويفترض أنه نشر في صحف أو وسائل إعلام أخرى، بالإضافة إلى أن التطورات الخاصة بطلب الإحاطة لن يكون من السهل التجاوز عنها ما لم يعمل النظام على مطالبة عضو البرلمان بإلغاء طلب الإحاطة أو غيرها من الأساليب التي تمكن من التجاوز عن الحدث من دون أن تلغي حدوثه.
هنا تبدو الرسائل الأخرى أو الخطوط الحمر واضحة، فوزير الداخلية لا يمس ولا يتم التشكيك فيه، أو الانتقاص من مكانته، حتى يقرر الرئيس هذا، وهو أمر ظهر واضحا في صراع وزير الداخلية مع نقابة الصحافيين، وكيف حرص السيسي على مشاركة وزير الداخلية في مناسباته التالية للأزمة، لتأكيد أنه أعلى من مطالب النقابة، وأن لا أحد يملك الحق في تغيير موقفه حول دائرة السلطة، ما لم يقرر العكس وفقا لمصالحه ورؤيته.
في الوقت نفسه توضح خط أحمر آخر خاص بالعادلي وكل ما يمثله وما ظهر خلال محاكمته، والفرص التي تم منحها له للحديث وربما للهروب أيضا. تأتي كل تلك الوقائع في وقت يفترض فيه أن الرئيس يتحدث عن الشدة ودولة القانون، ولكن على أرض الواقع يظهر التناقض حسب الشخصيات المعنية، وعندما تتنازل السلطة عن الأرض يتم المطالبة بغلق الباب أمام الحديث، وعندما تمنح السلطة الأرض لأجانب بأسعار رمزية أو بالمجان، يتم وضع يافطة الاستثمار، ثم يتم إشغال الجميع بفكرة استعادة أراضي الدولة، وفي العمق السيطرة على أراضي جزيرة الوراق وغيرها من أجل يافطة استثمار أخرى وبيع مسبق في غرف مغلقة.
يتم الحديث عن دولة القانون وعدم التدخل في أحكام القضاء عندما يتعلق
الأمر بالقبض على معارضين بشكل عام، أو للتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، ثم يتم التغاضي عن كيفية هروب العادلي، وكيف تتم التسوية مع رموز نظام الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك واستحضارهم في واجهة الأحداث والمؤسسات والمناسبات المختلفة، من أجل إعادة تدوير تبريرات سابقة وتجميل سلطوية جديدة. ولكن من خبرة الأداء في مصر هناك سبب آخر يضاف لما سبق، ويساعد على فهم جزء من القصة، خاصة إن الجريدة التي تم إيقاف عددها سبق وتعرضت للأمر نفسه من قبل بسبب تغطية تتعلق بوزير الداخلية وانتقاده أيضا. وهنا يأتي إيقاف الجريدة ليضيف لها بعض المصداقية، فإن كانت صحيفة معروفة بأنها مقربة من السلطة، فإن إيقافها من وقت لآخر وتبرير الأمر بأنه معارضة لشخصيات محيطة بالسلطة، يقدمها بصورة أكثر توازنا من أجل البقاء والانتشار الذي يصاحب فكرة المنع، ويزيد الطلب من أجل البحث عن السبب. في الوقت نفسه يثير الاهتمام أن التفسير الذي قدم عبر مصدر أمني لم يعلن عن اسمه في الصحف، التي تناولت الموضوع أعاد إلى الواجهة حديث السيسي الشهير عن أضرار النقد على نفسية المؤسسات، وكيف يتم استغلال تلك المقولة من أجل التجاوز عن محاسبة من يفترض محاسبته واستمرار حالة الفشل، مع إلقاء عبء الكوارث المتكررة على الشعب، ولجنة الأخلاق التي تعبر عن نفسها بصور مختلفة في كل مؤسسة عليا تؤسس بوصفها ضرورة من أجل ضبط الشعب.
وبعد أن أشار المصدر إلى أن التضييق على الصحف «غير مقصود وغير ممنهج» وأنه يتم «بدوافع منطقية» – وفقا له – أكد أن سبب حجب العدد المشار إليه أن التغطية تحبط أجهزة الأمن وتحط من شأنها وتشوه صورتها أمام رجل الشارع، وتتسبب في إضعاف التعاطف الشعبي مع تضحيات رجال الشرطة. ولا يتذكر هؤلاء الحديث عن التعاطف «الشعبي» عندما يتعلق الأمر بمعاملة الشرطة للشعب أو التعذيب في السجون أو غيرها من الممارسات المهينة للكرامة، ناهيك عن حقيقة أن عدم النشر والنقد والمحاسبة في حالة مثل هروب العادلي أمر شديد الخطورة يحتاج إلى أكثر من ملف يتم حجبه عبر من يفترض نقده.
ترى السلطة أن عليها أن تفعل ما يمكن وان تجرم الكلمة، والحقيقة حتى تتحول الرقابة الذاتية إلى مبرر لترك «الورقة بيضاء» على طريقة الشاعر أحمد مطر في «شعر الرقباء». ولكن في المسار الطويل للسلطة من أجل القمع هناك خطوات تترك آثارها على جسد الوطن وفي الذاكرة، ولا يمكن أن يكون تجريم الكلمة أو حجبها كافيا من أجل التجاوز عن الحقيقة التي تظهر واضحة كلما حاولت قمعها.
كاتبة مصرية

عندما تكون الصحافة جريمة

عبير ياسين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية