فصاحة شوبرت الموسيقية

حجم الخط
1

مَن يركب الفرس آخر الليل والريح عاتية؟
إنه الأب، ومعه نجله،
يضمّ الصبيّ إلى صدره بقوة،
ويبقيه في دفء وأمان.

لِمَ تخبّئ وجهك وجلاً، يا بنيّ؟
ألا ترى ملك الجنّ، يا أبتي؟
ملك الجنّ بتاجه وردائه الطويل؟
يا بنيّ، ما هي إلاّ حبال الضباب.

بهذه الأبيات ليوهان فولفجانغ (1749-1832) افتتح فرانتس شوبرت (1797-1828) تلحينه على شكل أغنية فنية في 1815 في فينّا وهو ما يزال في سن الرشد. وهكذا برهن على جدارته في الوقت ذاته على صعيد عالم الموسيقى أجمع بوصفه أحد أمهر من ألّف الأغنية الفنية. ثم راح وجاد بأكثر من ستمئة من مثيلاتها، ناهيك عن سمفونياته وقداديسه ورباعياته الوترية وقطعه للبيانو وغيرها من الآلات، ثم توفي في سن الحادية والثلاثين وما تزال أغانيه تغنى في حفلات ومسابقات ومهرجانات حتى يومنا هذا.
وهذا اللون من الأغاني يكاد يكون مجهولاً تماماً في بلادنا العربية على النقيض من الموسيقى الغربية عموماً، بما فيها من موسيقى سمفونية وموسيقى صالة وحتى الأوبرا في الآونة الأخيرة في بعض المدن العربية. بيد أن الأغنية الفنية تختلف عن نوعي الأغاني الأساس اللذين انتشرا في الأوبرات منذ يوم تقديم باكورة الأوبرات، «أورفيو» لكلاوديو مونتيفيردي (1567-1643) في 1607 في مانتوا الإيطالية حتى عصرنا الحالي. فثمة أغاني السرد في الأوبرا، التي تعنى بسياق الحبكة وقد تشمل عدداً من شخوص الأوبرا في حوار أو حتى في حوارين متقاطعين، وثمة أغاني الانفراد، أو الآريا، حيث توضع الحبكة جانباً كي يتفحّص المؤلف عواطف شخصية رئيسة في الأوبرا.
أما الأغنية الفنية فهي تأليف يتبع أشطار قصيدة لأحد الشعراء الغنائيين الألمان الكبار، من أمثال غوته وهاينرِخ هاينه (1797-1856) وغيرهما، قبل أن تنتشر إلى ثقافات أخرى مثل الفرنسية والروسية. فهي تنير كلمات الأبيات تارة، وتعلّق عليها تارة أخرى، وتضفي جواً من الغموض إذا كانت القصيدة تستدعي ذلك، وهلمّ جرّا. وليس لها شكل تقليدي، مثل أ – ب – أ، إنما تتبع كلمات القصيدة وأجواءها. وتكاد تقتصر الأغنية هذه على مغن، أو مغنية، بمرافقة عازف أو عازفة بيانو، والهدف هنا تقليص الوسائل إلى أقل حد ممكن وصولاً إلى عذوبة التعبير. وقد جرت عادة المؤلفين وتلاميذهم إلى نشر عدة نسخ من كل أغنية فنية لإفساح المجال للأداء أمام كل طبقات الصوت من سوبرانو ومتزو ـ سوبرانو وآلتو لدى النساء يقابلها تينور وباريتون وباصّو لدى الرجال. أما المادة التي تسري في عروق جل الأغاني الفنية، إن لم نقل كلها، فهو الحب، بلا منازع.
ففي أغنية «ملك الجنّ» أعلاه، مثلاً، ثمة الراوي، والأب، والإبن، وملك الجنّ نفسه، ولكل منهم نطاقه من النغمات، فتجد أن المغني يؤدي الأغنية وكأنه قد انفصم إلى شخصيات أربع. فعندما يتكلم الابن، يكون الغناء في أعلى نطاق، يحاكي في ذلك صوت طفل، والعكس عندما يكون الكلام للأب، بينما يحتل الراوي النطاق الأوسط. أضف إلى ذلك مرافقة البيانو التي تقسم كل نبضة إلى ثلاثة أجزاء متساوية وكأنها ضجيج حدوات الحصان اللاهث، ما يجعل المستمع يلهث كمن يركض في الغابة مع شخوص الأغنية. ولا تتوقف هذه المرافقة اللاهثة حتى يتكلم ملك الجن قبل نهاية الأغنية بقليل، فيكون الغناء ذا طعم رابع، إذ لا يشوبه لهاث الآخرين:

أعشقكَ. قوامك الجميل يسحرني.
وإن لم تأتني من طوعك، سأجبرك بالقوة.
يا أبتي، يا أبتي، ها هو يمسك بي الآن!
ملك الجنّ قد آلمني!

يرتعب الأب ويلهب الفرس مسرعاً
وهو يحتضن الطفل المتأوّه بين ذراعيه،
يصل المنزل بشقّ الأنفس
وبين ذراعيه كان الطفل قد مات.

وحظي شوبرت بديوانين لمعاصره فِلهَلم مُوللَر (1797-1827) من الشعراء الغنائيين، هما «رحلة شتاء» (24 قصيدة) و «ابنة الطحّان» (20 قصيدة)، حيث ينشد في مطلع القصيدة الأولى «التجوال» منه:

التجوال شغف الطحّان،
التجوال!
وبئس الطحّان الذي
لم يفطن قط للتجوال!
التجوال!

ويتّحد المغني ومرافقه على البيانو في التهكّم على الطحان الذي لا يفتأ يلازم مطحنته، شأنه في ذلك شأن دابة المطحنة، فاللحن المغنّى يكاد يقفز خارج الصفحة بينما يراوح المرافق مكانه على مفاتيح البيانو. الجدير بالإشارة هنا أن التلميحات هذه بالغة الرقة على الورق لكن المؤلف يعتمد على المغني ومرافقه لإبراز المفارقة عند الأداء، كما يعتمد على المتلقي اللبيب الذي من الإشارة يفهم، ولعل هذا ما حدا بثقافات شتى إلى ترجمة هذه النصوص كي لا تشكّل اللغة حاجزاً للجمهور. وثمة ترجمات مفصّلة على النوتات لأجل الغناء إلى اثنتي عشرة لغة على الإنترنت وحسب، منها الروسية والكورية.
أما في سلسلة أغاني «رحلة شتاء» فمطلع القصيدة الأولى «ليلة طيّبة» يقول:

بلغتُ مقصدي غريباً
وهأنذا أهجره من جديد، غريباً.
لقد لاطفني أيّار،
ومنحني باقات الزهور.
وحدّثتني الفتاة عن الحب،
بل وحدّثتني الأم عن الزواج،
لكن العالم قد أمسى بارداً،
وتغطى الدرب بالثلج.

هنا يعطينا المرافق على البيانو نبضاً يميل إلى البطء في مقام صغير، وينشد المغني لحناً ذا خط يتجه إلى أسفل، وكأنه ينكفئ على نفسه. فإذا لم ترتعد فرائص المتلقي من البرد والوحشة حتى قبل أن يصل المغني إلى الشطرين الأخيرين فقد فشل الإثنان- المغني ومرافقه على البيانو على حد سواء- فشلاً ذريعاً والأجدر بهما أن يعتزلا الأداء!

٭

وحين لم يجد شوبرت دواويناً تشبع رغبته، أخذ يختار قصائد لشعراء شتى يجمعها موضوع ما ويضعها هو في سلسلة من الأغاني من تأليفه، ففي «غناء التمّ» ثمة قصائد لهاينه ولودفيك رَلشتاب (1799-1860) لكن الغالبية من مئات أغانيه هذه نشرها دون أن تكون جزءاً من سلسلة ما.
ولنأخذ مثالين لأغنيتين تذكران كلمة السَّكينة في مطلعي القصيدتين. ففي أغنية «غريتشِن عند المغزل»، وهي مستقاة من المشهد الخامس عشر من الجزء الأول لملحمة «فاوست» لغوته، تنشد المنشدة فتقول:

لقد ولّت سَكينتي،
وثقل قلبي.
لن أعود فأجدها
لن تعود لي سكينتي أبداً.

هناك حيث لا حبيب،
ذاك هو القبر،
فالعالم كله
يكون قد فسد.

يجعل شوبرت عازف البيانو يبدأ بنوتات سريعة متلاحقة في مقام صغير تضطرب نزولاً فصعوداً لكل نبضة، لا تبطئ ولا تتراجع مطلقاً، ثم يجعل المغنية تغني لحناً يحاول الصعود مراراً ويحبط في كل مرة حتى يصل بها إلى:

والسحر الذي
في كلامه،
وفي لمسة يده،
و ـ آه ـ في قبلته.

فيتوقف كل شيء، الغناء والعزف معاً، ولوهلة طويلة، ثم يعود بنا شوبرت إلى البداية.
أما في قصيدة فريدرخ روكَرت (1788-1866) فالأمر مختلف:

أنتِ السَّكينة،
السكينة العذبة،
أنتِ ألم الاشتياق
وما يسكّنه.

أكرّس لكِ،
وكلّي شغف وألم،
للسكنى هنا
عيني وقلبي.

هنا يسمح شوبرت للمرافق على البيانو بتقديم الأغنية، ونحن في مقام كبير، في نبضات تميل إلى البطء وفيها من الجلال الشيء الكثير، ثم يسمح للمغني أن يرتفع باللحن في خط مستديم ودون منغصات، ويؤجل التعبير عن ألم الاشتياق حتى يصل المغني إلى أوج اللحن. وهكذا يبدو المغني وكأنه يهمس حين يبدأ بغناء الشطر التالي بعد وهلة صمت قصيرة.
يكفي شوبرت مجداً أن لولا براعته في التأليف وفصاحته الموسيقية الماثلة في الأمثلة أعلاه لما كان لأشعار معاصريه في اللغة الألمانية هذا الانتشار الهائل في بلدان لم يكن بعضها قد تكوّن بعد في أيامه.

فصاحة شوبرت الموسيقية
كان أحد أمهر ملحني الأغنية الفنية المستمدة من الشعر:
بشّار عبد الواحد لؤلؤة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية