قبل الشروع في كتابة هذه السطور، وبالتحديد في الساعة العاشرة بتوقيت مكة المكرمة، التاسعة بتوقيت القاهرة، من صباح يوم الجمعة الثاني من ديسمبر/ كانون الأول، كنت قد انتهيت من مشاهدة الفيلم الوثائقي «العساكر»، الذي أثار ضجة كبيرة، انتهت الآن، بعد شعور أهل الحكم في مصر بخيبة أمل؛ ذلك بأن الفيلم لم يلب احتياجاتهم، في إعادة حشد الجماهير، حول عبد الفتاح السيسي من جديد، باعتباره هو الجيش المصري الذي تمت الإساءة إليه في الفيلم!
الفيلم الذي شاهدته صباح أمس الجمعة، عرض على الشاشة مساء الأحد الماضي، ولم أشاهده خلال هذه الفترة، واعترف ابتداء بأن مشاهدتي له، كانت مسكونة برؤية سلبية مسبقة، إذ كنت سياسياً ضد عرض الفيلم، لأنه بدا منذ التنويه عنه، بمثابة جرعة أكسجين لنظام يلتف حبل الغضب الجماهيري حول رقبته، بسبب فشله في البر والبحر، وارتفاع الأسعار على نحو غير مسبوق. ورأي هذا النظام أنه بهذه الجرعة يمكن أن يعود للتنفس الطبيعي، بدعوة الناس للذود عن حياض الأمن القومي المصري، الذي استباحته «الجزيرة» بفيلمها الوثائقي، وهذا ما يفسر كيف أن الإعلام المصري الموالي للانقلاب، اجتمع على نغمة واحدة، وهي أن قطر تنتج فيلما عبر «الجزيرة» يستهدف الجيش المصري في مقتل!
فنياً، فقد خشيت أن يحول النقص في الصورة وفي المشاهد الطبيعية، دون استكمال أركان الفيلم الوثائقي، والبلاغ الذي تقدم به أحد المحامين للنائب العام ضد مدير قناة «الجزيرة» الإعلامي «ياسر أبو هلالة»، ومخرج الفيلم «عماد السيد» يفيد أن المخرج خارج البلاد، فكيف يمكنه استكمال البناء المعماري للفيلم الوثائقي، الذي جرى ابتذاله في السنوات الأخيرة، على نحو كاد يفقده معناه، ليلحق به ما لحق من ابتذال لمفهوم التحقيق الصحافي، الذي انتهى إلى استطلاع رأي يتم بالهاتف مع المستطلعة آراؤهم حول قضية معينة، ليرد إليه الاعتبار ما يسمى بموضة «التحقيق الاستقصائي»، مع أن الأصل في التحقيق الصحافي أنه استقصائي قبل أن يجري ابتذاله في الصحافة العربية.
أفلام المقاولات
شاهدت فيلما وثائقياً عن أحد الدعاة الراحلين، وهالني أنه لم يعتمد على جملة واحدة من مذكراته المكتوبة، أو بعض ذكرياته الواردة في خطبه، أو محيطه العائلي والأسري، ولا توجد لقطة لبيته الريفي في مسقط رأسه، والذي كان دائم السفر إليه في السنوات الأخيرة قبل وفاته، فقد تم الاكتفاء بشخص واحد من معارفه، ثم أربعة أشخاص من المحللين تتنقل بينهم الكاميرا، أحدهم ناقد فني في إحدى المجلات، كما لم تتم الإشارة إلى معاركه الأبرز!
وفيلم الداعية هو عنوان للكثير من الأفلام الوثائقية، التي قام عليها هواة، يتسمون بالخفة، ويتصفون بـ «الكلفتة»، أي الرغبة في الانتهاء من العمل بأي شكل وبأقل كلفة مادية، مما يُذكر بأفلام المقاولات التي عرفتها صناعة السينما في مصر في فترة السبعينات وتوقفت مؤخراً لعدم الإقبال عليها ولتشبع المشاهد من هذه النوعية من الأفلام، وإن كانت لم تنته تماماً فبعض الأعمال إلى الآن تنتمي لجنس سينما المقاولات!
للدقة فقد شاهدت فيلم «العساكر» من منطلق الرفض لعرضه ابتداء، وقبل عرضه قلت في برنامج «النافذة المسائية» على «الجزيرة مباشر» لو كان سيئاً سأعلن معارضتي له، وأنا أراه قد مثل قارب نجاة لعبد الفتاح السيسي، فاستغله لحشد وسائل إعلامه في حرب طواحين الهواء ضد قطر التي تعمل على تفتيت الجيش المصري، كما تم تفتيت الجيش العراقي. ولأول مرة أعلم أن الحكم العسكري في مصر «ممتعض» لتفكيك الجيش العراقي، مع علمي أن القائد الأعلى للقوات المسلحة اللواء طيار محمد حسني مبارك، هو الذي قال للأمريكيين إنه شاهد أسلحة الدمار الشامل في العراق بعينه مما أعطى مبررا لغزوه وحل الجيش العراقي، ولم يقل أحد في المؤسسة العسكرية لمبارك إنه هذا مما يضر بالأمن القومي العربي، هذا فضلا عن أن السيسي يعلن الآن انحيازه للسلطة في العراق، وهي السلطة التي جاء بها الاحتلال للمساهمة في تدمير ما تبقى من قوة الجيش العراقي والقضاء المبرم عليه!
لأن الغريق يتعلق في «قشاية»، فقد وجد عبد الفتاح السيسي وأركان حكمه أن الفيلم فرصة لإعادة الجماهير المنفضة من حوله، على قاعدة هجوم «الجزيرة» على الجيش المصري، لكن المعركة لم تصل للمواطن، وظلت على مستوى قنوات تلفزيونية، فقدت مبرر وجودها، وصارت عبئاً مضاعفاً على نظام هو بدوره يمثل عبئاً بفشله على فكرة الانقلابات العسكرية على مر العصور!
عرض الفيلم جاء في وقت بدأت فيه القوى الرافضة للانقلاب في عملية عزل للسيسي بعيداً عن الجيش، وقال الدكتور محمد محسوب إن ما جرى في مصر ليس انقلابا قام به الجيش، ولكنه انقلاب مخابراتي لصالح عبد الفتاح السيسي. وأعلن القيادي الإخواني الدكتور محمد البلتاجي في مرافعته أمام المحكمة التي تحاكمه بأنه لا يوجد عندهم مشكلة مع الجيش فمشكلتهم مع عبد الفتاح السيسي.
لقد كان عرض الفيلم فرصة لقيام الأذرع الإعلامية للسيسي بلفت انتباه الناس في مصر بعيداً عن أحوالها المعيشية السيئة والتي تزداد سوءاً في كل يوم، حتى تخلص المواطنون من خوفهم وصار اسم السيسي لا يذكر إلا مسبوقاً أو متبوعاً باللعنات وفي كل مكان. لكن ما لم ينبته له الإعلام بهذه الحملة على «فيلم العساكر» أنه قام بدور الدبة التي قتلت صاحبها، فقام بدعاية للفيلم، حتى كادت الشوارع في مصر تخلو من البشر في لحظة عرضه، فكانت الخيبة الثقيلة!
الاختراق
ليس في الفيلم ما أشاعوا من أنه اخترق وحدات الجيش المصري، وفي ظل التجنيد الإجباري فإن ملايين المصريين مروا بمرحلة الخدمة العسكرية، وإذا كان الفيلم أشار إلى قسوة المعاملة بعيداً عن مستوجبات الضرورة العسكرية، فقد اعتبروا ما عرض هو قليل «لا يشفي الغليل». واللافت أن البعض تساءل عن الجديد في الفيلم، الذي رأوا أنه لم يقدم جديداً. وهذا من طبيعة الفيلم الوثائقي الذي يختلف عن العمل الدرامي، فالأول يستمد قيمته من نقله للواقع في قالب فني، أما الأخير فليس نقلاً لهذا الواقع، فهو يقترب منه لكن لا ينقله «نقل مسطرة»!
لو وجد في العمل جديداً عن ما عاينه الناس بأنفسهم، لكان «فبركة» وتحاملاً، وقد شاهد الفيلم من عارضوه قبل عرضه، فخرجوا متمسكين بموقفهم، وشاهدنا بعد العرض نفس النغمة على مواقع التواصل الاجتماعي فالجندية شرف، إلى غير هذه الشعارات التي لم تنف ما جاء في الفيلم عندما تجري الاهانة للجندي بعيداً من الدوافع العسكرية، وما هو الشرف في مهمة «السيكا» أو «عسكري المراسلة» الذي يقوم بتنظيف حذاء الضابط وتلميعه؟!
إنها الوطنية الزائفة، التي دفعت للاحتشاد ضد قناة «الجزيرة» ودولة قطر، عند الإعلان عن عرض الفيلم، ثم وضع الجميع أحذيتهم في أفواههم والـ «سي بي سي» تعيد عرض فيلمها الوثائقي «موت في الخدمة» مستغلة أجواء الدعاية لفيلم «الجزيرة» فلربما التفت الأنظار إليها، وهو يتحدث في الموضوع نفسه تقريباً، وبشكل أكثر جرأة، مما يؤكد أننا أمام وطنية مصطنعة، ولأن «فيلم الجزيرة» بدا أنه لم يذكر أشياء لم تحدث فقد تم الدفع بسؤال حول الدروس المستفادة التي تجعل الجزيرة تذيع هذا الفيلم؟!
الإعلام، ليس درس وعظ، أو خطبة منبرية، ليكون السؤال عن الدوافع والدروس المستفادة من كل خطبة أو درس، وماذا في الفيلم ما يمكن أن يساهم في هدم الجيش المصري؟ التجنيد الإجباري؟ هل هذا كان سراً؟ إذن ليتم استغلال موضوع الفيلم في إلغاء التجنيد الإجباري، لأن الكثيرين يرون في الجندية شرف، ليكون هذا رد على هذا الفيلم المغرض؟ ثم في السؤال عن لماذا الجيش المصري؟ لماذا لم يوجه هذا السؤال لـ «بي بي سي»، وهل بريطانيا العظمي صاحبة القناة المذكورة تعادي القوم في القاهرة بعرضه وإعادة عرضه؟! ولماذا لم يتم النظر إلى أن قيمة مصر، وقيمة جيشها هو الدافع وراء هذا الفيلم؟!
لقد عالجت الدراما المصرية موضوع الفيلم الوثائقي بشكل أكثر جرأة وبتهكم أضحك الناس ولم تحذفه الرقابة على المصنفات الفنية ولم تر فيه جريمة، ومن أول فيلم «إسماعيل ياسين في الطيران»، إلى «البريء»، إلى «عبود على الحدود».
وخذ هذه، في ليلة عرض «فيلم الجزيرة» شاهدت على فضائية «ماسبيرو زمان» مقطعا من فيلم لم أعرف اسمه، حيث كان يقوم بدور قائد الجيش الفنان «حمدي غيث»، وكانت «مشيرة إسماعيل» تقوم بدور زوجة ضابط أصيب في الحرب وينبغي سفره للخارج للعلاج، والقرار بيد القائد الذي دعا الزوجة لمكتبه فإذا بها تجد نفسها في غرفة نومه، حيث راودها عن نفسها، فهي حسب قوله تطلب طلباً استثنائياً، يستلزم ثمناً استثنائياً، وعندما تخبره أن زوجها ضحى من أجل الوطن، فيكون جواب قائد الجيش والمطلوب منها عملاً وطنياً أيضاً لا يقل في الوطنية عن تضحيات زوجها عندما ترفع الروح المعنوية لقائد الجيش!
إن فيلم «العساكر» ومن الناحية الفنية لم يكن كما توقعت، فقد وظف مخرجه الإضاءة والمشاهد التمثيلية لتعويض النقص في المشاهد من داخل الوحدات، فكأنها هي فأنتج مع القصور عملاً وثائقياً جيداً.
من لم يعترض على فيلم الـ «بي بي سي» ليس له أن يعترض على فيلم «الجزيرة».
صحافي من مصر
سليم عزوز