فى احتفالية يوم الشباب المصري الذي أقيم في 9 يناير 2016، قال الرئيس عبد الفتاح السيسي موجها كلامه للشباب، «تمسكوا بوطنكم وآمنوا به ضد من يدفعكم دفعا للكفر به.. تمسكوا بالأخلاق وصحيح الدين ضد من يستخدمونه وسيلة لتحقيق مكاسب ضيقة».
الكلمة التي حرص الرئيس في نهايتها على تأكيد رقته في التعامل مع الشعب بسبب معاناته، والحديث عن تطلعاته ووعوده للشباب بوصفها صادقة، لأنها نابعة من حديث الأب، تعبر عن جزء من إشكاليات الواقع المحيط بنا، الذي يبدو مثل الجزء الظاهر من قمة جبل الثلج الذي يبرز تدريجيا كاشفا المزيد من العيوب والأمراض منذ ثورة 25 يناير. جاء حديث الرئيس واضحا في تأكيد أن جماعة الإخوان هم أصل الشر، هذا الشر المسكوت عنه والمعروف ضمنا على طريقة فولدرمورت الساحر الشرير «الذي لا يذكر اسمه» في روايات هاري بوتر الشهيرة. فهناك طرف ثالث يثير الغضب لدى الشباب، المجموع المستهدف بالحديث في تلك المناسبة والشعب في عمومه، وهو الطرف الذي يضر جهود التنمية والتقدم ويهدد الدولة.
تزامن الخطاب مع مجموعة من المقالات التي نشرها الشاعر عمر حاذق، الذي سجن في يناير 2014 بتهمة التظاهر بدون ترخيص، وأفرج عنه في سبتمبر 2015 بعفو رئاسي، عن حالة السجون. ورغم أن الموضوع نشر تحت عنوان لماذا يموت السجناء في مصر، وجدت عند قراءته أن السؤال المنطقي هو كيف لا يموت الناس في عالمنا، كيف لا يموت الناس في واقع الظلم، وكيف يستطيع من يظل على قيد الحياة الصمود، وربما ومن ثنايا الكلمات يظل التحدي الأساسي الذي لا ينتهى بالخروج من عتمة السجن وقيد السجان المادي هو كيف يمكن أن تظل إنسانا وأن تحرر نفسك من كل الظلم العالق بالجسد والذاكرة. كيف يمكن أن تسمو على جلادك وأن تترك الظلمة خلفك وأنت تغادر بوابة السجن وتقابل العالم، رغم القسوة والظلم بالمزيد من الأمل والحب. لا تبدو القضية سهلة وأنت تتعامل مع نظام يؤكد على أن المشكلات نتاج غيره، والغضب والمعاناة بفعل سواه. نبدو في حالة إنكار للواقع وما فيه من معاناة مركبة بحكم الواقع الاقتصادي الطاحن والظلم الاجتماعي الممتد والقهر السياسي والأمني الذي يتكرر حضوره في المشهد لعقود بصور ودرجات مختلفة. الحديث عن علاقة الحاكم بالشعب من مدخل الأب والأبناء أو فكرة العائلة التي سيطرت على الخطاب السياسي المصري لعقود طويلة تمثل جزءا من المشكلة وليس الحل. الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك قدم بوصفه الأب وحرص على مقابلة الفلاح المعلب – المعد سلفا قبل اللقاءات ـ وكل حاكم خارج سياق المحاسبة والقانون وإعلاء الديمقراطية يجد في حديث الأبوة الحل الأمثل لإثارة مشاعر الجماهير. ولكن الحقيقة تظل قائمة وهى أن مبارك وبحكم محكمة سرق أموال الشعب، وسكن القصور وشيدها وهناك ملايين لا تجد مسكنا أو لا تجد مسكنا كريما، وأنه لم يشعر بمعاناة الجوع وغيره ملايين من الأبناء لا يجد قوت يومه أو لا يجد ما يكفيه منه، بدون أن نتحدث عن القبور الفارهة مقارنة مع من مات في عبارة غارقة وقطار محترق وقوارب موت. تظل التشبيهات العاطفية منفصلة عن عالم الواقع، أما الحديث عن مسؤولية طرف واحد عن كل ما شهدناه ونشهده من كوارث وأزمات ومعاناة فتجاوز عن عالم الظلم القابع في السجون وفي أهدار الكرامة وفي الفقر وإهدار الحياة الإنسانية وبالمجمل في السجون المادية والمعنوية التي تحاصر المواطن حتى وهو يستمع لحديث الأبوة والعائلة والوطن الواحد. جاءت كلمة الرئيس في مناسبة أعيدت هيكلة موعدها فأقيم الاحتفال بيوم الشباب في 9 يناير بدلا من موعده المحدد منذ عام 2008 وهو 9 فبراير الموافق لذكرى استشهاد طلاب الجامعة عام 1946. التغيير لا يرتبط بسبب رسمي معلن، ولكنه مثل فرصة لتوصيل رسائل ترتبط بالشباب والغضب وعلاقتهم بالوطن قبل ذكرى ثورة 25 يناير، التي لا يرغب النظام في الاحتفاء بها كما يجب، ولا يستطيع أن يتجاوز عنها كما يرغب، لأنها جزء من أسس الشرعية القائم عليها، التي جعلت 30 يونيو – وفقا للخطاب الرسمي- امتدادا وتصحيحا لمسار 25 يناير. ولكن ارتباط يناير بفكرة الثورة والإطاحة برئيس – وليس بنظام- تجعلها مصدرا مستمرا للقلق، لأنها أثبتت – كما أثبتت الكثير من الأحداث بعدها- صعوبة التنبوء بتحرك الشعب وحدود استخدام القوة في مواجهة البشر عندما ترتفع مطالبهم عن قدرة السجان على فرض القيد. قدم الخطاب بعض المميزات، وكرر الحديث عن بعض المخاوف على طريقة العصا والجزرة، فهناك وحدات سكنية مقبلة وقروض للمشروعات الصغيرة تجعل مشكلة الشباب الوحيدة هي العمل، لأن تلك المكاسب، وفقا للرئيس، تعني أن الشباب «ليس لهم حجة»، أما الانسياق وراء الغضب فهو المهدد الوحيد – كما تؤكد أحاديث الرئيس- للدولة التي قاربت على السقوط لولا تدخله وقبوله التفويض. أحاديث تعبر عن جزء من الحقيقة، ولكنها تعيد توظيفها بطريقة تجعل الرسالة ناقصة وغير حقيقية، حيث يتم التجاوز عن محاسبة اللحظة وعن أخطاء النظام السياسية والأمنية والاجتماعية، مثل الحديث عن أخطاء الشرطة بأنها مجرد أعمال فردية، والتجاوز عن واقع ممارسات ظالمة على الأرض وفي السجون وواقع غياب العدالة الاجتماعية والفروق الطبقية التي تجعل الظلم حقيقة والشعور به واقعا لا يمكن تجاوزه.
يقول الرئيس إن الدولة لديها الكثير من المشاكل ومعاناة الشعب تفرض عليه استخدام الرقة، بدون أن تعني غياب القوة، وكأنه يؤكد على أن العصا والجزرة جزء من قبضة حديدية في قفاز مخملي يجب أن يخشاها الجميع، ولكن ما يتجاوز عنه هو أن مطالب 25 يناير التي يستند إليها لم تتحقق، وأن ما يحدث يبدو في جو الاحتقان والغضب جزءا من الالتفاف على الثورة وذكراها، بدون أن يدشن تغييرات حقيقة. معنى يمكن أن نجده في التعليقات التي تساءلت عن مكان الشباب الذي يحتفل بهم النظام ويدشن عام 2016 بوصفه عامهم، في حين أن البعض معتقل والبعض خائف والبعض مقيد في مجال حركته أو عمله وحياته أو مغادر للوطن خوفا.
تأتي السجون لتمثل جزءا من مخططات البناء، في الوقت نفسه الذي يتحدث فيه النظام عن المساكن، وفي المنتصف وفي المساحة التي يقدم فيها الخطاب بوصفه حماية الدولة، تظهر أيضا الضريبة التي يجب أن تدفع من الكرامة والحقوق والحريات والانسانية. يتحدث الخطاب عن وسائل من أجل عمل كريم وتأسيس أسرة للشباب، ولكن الخطاب وحده لا يعني حل المشكلات، وعدد المشاريع التي أعلن عنها خلال فترة قصيرة تجعله جزءا من مسلسل إنتاج للمشاريع القومية أو الكبرى، التي لم تظهر نتائجها على الأرض بعد. كما يقدم جزءا واحدا من المشكلة، وهو المتعلق بالبعد الاقتصادي، أو بعد الحاجة بدون أن يمس واقع الخوف وضرورة التحرر منه. فالخطاب يحمل طرفا آخر مسؤولية الغضب، أو ما سماه الكفر بالوطن، ولكنه لا يحاسب الواقع القريب على توليد الغضب والخوف والمهانة وما يمكن أن يترتب عليها. قد تكون الشهادات الموثقة والتقارير الحقوقية عن واقع السجون والمعاناة في القرى والمدن، التي دفعت قرية لإعلان استقلالها عن الدولة قبل نهاية عام 2015 ضرورة في كتابة الخطابات المقبلة، وهي ترسم الأمل وتؤكد أن الربط بينه وبين الشباب – كما قال الرئيس- ليس مجرد شعارات، لأن هناك الكثير من التطورات الضرورية ليشعر المواطن بأنه جزء من الحاضر والمستقبل، وأهمها أن يشعر بأن قيمته الانسانية تنال ما تستحقه من تقدير واحترام.
بدوره جاء الخطاب قبل الجلسة الأولى لمجلس النواب، التي عقدت في 10 يناير، وشهدت تجسيدا آخر للعلاقة العدائية القائمة بين البعض ويناير، رغم كل ما حققته، ورغم أن البعض وصل لمناصبه ومساحته عبرها. وجد عضو منتخب في نفسه القدرة على رفض حلف قسم عضوية المجلس، كما هو، لرفضه الاعتراف بيناير والقبول بما جاء في ديباجة الدستور من تقدير لها. موقف متناقض وعرض مسرحي هزلي في كوميديا برلمانية لا تبعث على الضحك، ولكنه نتاج طبيعي للحالة العامة التي لا يعرف فيها البعض إن كان عليه أن يقتل يناير بنفسه أو يردمها في حفرة عميقة أو يحتفي بها من باب المجاملة وتمرير اللحظة، أو يستغلها لشيطنة خصمه أو للحصول على مكاسب لحظية.
أن يجد العضو في نفسه القدرة على رفض الالتزام باحترام الدستور – رغم أن التخلي عن الديباجة لن يحقق هدفه المعلن- ويشارك في الانتخابات ويأتي للبرلمان ويعلن موقفه بتلك الطريقة، ويستمر في عضويته وتسلط عليه الأضواء، وسط تدخلات ووساطة حتى يرضى على يناير عدة ثوان ويحلف القسم، مؤكدا أن قلبه وعقله مع القسم الأول، كلها جزء من حالة العبث وغياب تعريف الأدوار والمحاسبة. في خلفية كل تلك الأحداث نقف أمام خبر وفاة الممثل المصري حمدي أحمد الذي تذكره الجميع بدوره العبقري «محفوظ عبد الدايم» في فيلم «القاهرة 30» إنتاج 1966. مثل عبد الدايم بعباراته ورمزيته حالة نموذجية لمن يتجاوز عن الأخلاق والقيم والشرف من أجل الصعود، مؤكدا أن قاعدة الحياة هي «أدفع يدفع لك العالم»، وفي وسط معاناة البدايات وهو يرى حال غيره ممن ارتبط بالسلطة وصعد قال مخاطبا بلدته في الفيلم «اختشي ووزعي الحظ على ولادك بالعدل». مات حمدي أحمد وظل عبد الدايم رجل كل العصور. أما المطالبة بتوزيع الحظ فتقابلها المطالبة بتوزيع العدالة والمساواة والالتزام بالقانون والحقوق والحريات على الجميع وللجميع، إن أردنا أن نتحدث عن وطن يشعر فيه الناس بأنهم شركاء في الحاضر والمستقبل، وأن عبد الدايم يمكن أن يموت، علينا أن نبدأ من محاسبة اللحظة حتى لا نسقط أكثر في رمال الظلم المتحركة التي لا تحرر ولا تبني وطنا حقيقيا.
٭ كاتبة مصرية
عبير ياسين