في الساعات الحميمة لا تعزف الملائكة إلا موسيقاه: نبوغ موتسارت السمفوني

حجم الخط
1

دعونا نتخيّل هذا المشهد الموثّق: فردريك شوبان (1810-1849) أحد أمهر من عزف البيانو ومن ألّف له قطعاً تعبق بشاعرية مرهفة، يحتضر جرّاء السلّ، كما يبدو، الذي راح يفتك به منذ سنين، ويقول وهو على فراش الموت في باريس: اعزفوا موسيقى موتسارت عند مماتي، وسأسمعكم.
قد ينبذ القارئ هذه المقولة نظراً للظرف الذي قيلت فيه، لكن لم يعرف عن شوبان إلقاؤه للأسماء جزافاً. فلماذا لم يقل، مثلاً، موسيقى باخ، أو بيتهوفن؟
ولنأخذ مقولة لعالم الكهنوت السويسري كارل بارت (1886-1968): «لست متيقناً إذا ما كانت الملائكة تعزف باخ ولا أحد سواه عندما تسبّح بحمد الخالق، ولكن، لدي يقين أنها، عندما تختلي في الساعات الحميمة، لا تعزف سوى موتسارت».
وفي مقولة للمؤلف الأمريكي من أصل ألماني لوكاس فوس (1922-2009) الذي التقيته ذات مرة في محاضرة قيّمة ألقاها: «إن موتسارت شكسبيرنا، نحن الموسيقيين. فقد كتب الموسيقى الأشد درامية وتحييراً من الناحية النفسانية. لقد جمع أفكاراً ما كان يخطر على بال أحد سواه أن يجمعها».
ترى ما السر في تشابه هذه المقولات، على اختلاف مصادرها، وتركيزها على تفرّد موتسارت (1756-1791) وحيازته هذه المكانة الاستثنائية التي لا يجاريه فيها غيره من المؤلفين؟
قد يكون مفتاح الإجابة لدى المصمم الصناعي الأمريكي أيرفنك هاربر (1916-2015) حين قال: «ثمة خيارات لا حصر لها عند استعمال الكمبيوتر، أما أنا فلطالما كنت أحبذ العمل داخل حدود معينة، فانظر إلى موتسارت الذي كان لديه إطار كلاسي صارم: سريع ـ بطيء ـ طُرفة (والأصح هنا: رقصة المنيويت ثم الطرفة لاحقاً) – ختام، وسترى أنه توصل إلى نتائج لم يكن ليدركها لو تسنت له كل الخيارات في العالم».
والإشارة هنا إلى الإطار الذي ابتكره هايدن للسمفونية، بحركاته الأربع، وإلى حقيقة أن هذا الإطار لم يكن حكراً على هايدن وموتسارت دون غيرهما من المؤلفين. وننوه إلى أن موتسارت كتب أول كونشيرتو للبيانو والأوركسترا في سن الرابعة وأولى سمفونياته في سن الثامنة، ثم تبعها بأربعين سمفونية غيرها لا تشبه إحداها الأخرى سوى في الهيكل المذكور. فثمة الابتكار الفريد للمواد، أو الألحان، وثمة معالجة هذه المواد، من تقليص وتمديد وتسريع وإبطاء، وثمة جعل المواد تعزف في الوقت ذاته، الواحدة ضد الأخرى، ثم جعل المادة الثانية تطارد الأولى، كما في المطاردة الباخية، وثمة التوقف عن العزف فجأة ثم معاودة العزف خارج تسلسل نغمات اللحن، وثمة تكليف آلة ما بتقديم اللحن (أ) وتكليف آلة ثانية بتقديم اللحن (ب) ثم عكس الآية عند الإعادة، فلا يعود المستمع يتوقع لآلة ما أن تقدم اللحن في المرة المقبلة، وغير ذلك الكثير.
وهناك البعض ممن يفاضلون بين هايدن (1732-1809) وموتسارت في مجال تأليف السمفونيات، ففريق يقول إن هايدن كان الأصل، وموتسارت الفرع، وفريق آخر يقول إن موتسارت تفوق على هايدن، رغم أنه ولد بعده ومات قبله. ولا أرى في جدال كهذا فائدة لأحد، ويكفي أن أذكر أن حتى المختصين، حين يستمعون إلى سمفونية غير شهيرة لأحد هذين المؤلفين، غير قادرين على التيقن من كاتبها! ويدل ذلك على شدة تلاحم هذين المؤلفين مع عصرهما وتشرّبهما بتفاصيله، لا بسرقة أحدهما لأسلوب تأليف الآخر، وهما اللذان كان يكنّ كل منهما للآخر الاحترام والإعجاب العميقين.
المجال البارز الذي يسمح بالمقارنة بين هذين المؤلفين هو ظروف حياتهما المهنية، فقد كان موتسارت، رغم عبقريته، غير قادر على تأمين لقمة العيش بانتظام، فراح يعتاش من تأليف القطعة تلو الأخرى بتكليف نبيل من النبلاء أو مطران كنيسة ما، أو من عزف إحدى كونشيرتواته للبيانو والأوركسترا وهو يقود الأوركسترا من مقعده عند البيانو. أما هايدن فقد حالفه الحظ بتعيينه في بلاط الأمير المجري باول أنطون أسترهازي (وخلفائه) من (1761-1802) أي جل مساره المهني، حتى أقعده المرض. وقد كانت ثمة فرقة من العازفين في قصر أسترهازي، كان دورها بمثابة المختبر الصوتي لهايدن، يجرب في كل سمفونية من سمفونياته نواحي جديدة ثم يعود فيعدل فيها، وهكذا. أما موتسارت، فلم ينعم بذرة من هذا العز، ومات معدماً، بل واضطرت أرملته إلى استجداء بلدية فينّا لتتكفل بتكاليف دفنه جماعياً في منطقة دفن الفقراء من المقبرة المركزية. ولا يدري أحد إلى اليوم موقع دفن موتسارت، ذي الخمسة والثلاثين ربيعاً، بدقة.
ولنأخذ سمفونية موتسارت الأخيرة، الحادية والأربعين (1788) التي لقبت باسم جوبيتر، كبير الآلهة الرومان لعظمة بنائها (لكن المؤلف لم يكن مصدر ذلك اللقب، ويعتقد أن أحد المروجين لموسيقاه ممن تبعوه هو الذي اختار هذه التسمية). فموتسارت يختار مقام دو الكبير لهذه السمفونية، وكأنه يتحدى في ذلك سابقيه ولاحقيه قائلاً: انظروا ما في وسعي أن ابتكر في هذا المقام البسيط! ويفتتح الحركة الأولى بالوتريات وهي تعلن وتصر على قرار المقام ثلاث مرات متتالية، يلي ذلك جواب رقيق يتسامى. ثم ينتقل رويداً رويداً إلى مجموعة المادة الثانية القائمة على الدرجة الخامسة من المقام، تماماً كما هو متوقع في إطار سمفونيات هايدن، لكنه يعود إلى شبابه فيفاجئ المستمع بالاستشهاد بلحن من أغنية فنية له بعنوان «قبلة على اليد» حين يصل إلى القسم النهائي في استعراض المواد، أو الذيل، أي أنه يستعير من مؤلفاته السابقة بكل فخر! ويبني موتسارت من هذه البذور التي تكاد تبدو تافهة على الورق حركة سمفونية تموج بالأفكار وتحظى ببناء شامخ ضمن إطار السوناتا الذي خطّه هايدن.
ولعل البناء أشد ما يكون مستعصياً على الفهم للمستمعين من غير المختصين، فالمؤلف يطلب من المستمع أن يتتبع بناءه الشامخ هذا علماً أن عناصر هذا البناء أحداث صوتية تقع في زمن يشترك في الشعور به المستمعون. فهو إذاً يطلب من المستمع تركيزاً كبيراً للغاية وعلى فترة طويلة، إذ تزيد مدة أداء هذه السمفونية عن نصف الساعة ببضعة دقائق. وقد يحلو للمستمع أن يجعل من مجموعة المادة الأولى جداراً طولياً، مثلاً، يتبعه جدار عرضي كناية عن مجموعة المادة الثانية، يتوجهما مادة القسم النهائي، أو الذيل. ولدى التكرار الدارج في استعراض السمفونيات، يتم بناء الحائطين الطولي والعرضي الآخرين، كي تكتمل الصورة في ذهن المستمع. أما قسم التطوير فيماثله إبراز التفاصيل في البناء، من ألوان وزوايا وأبواب وشبابيك، ثم يعود الاستعراض وقد اكتمل البناء في كل تفاصيله.
أما الحركة الثانية فهي الأخرى في إطار السوناتا لكنها تستند كذلك إلى رقصة البلاط الساراباند، كما نجدها مراراً في متتاليات باخ لسابقات البيانو من الآلات، مثل الهاربسيكورد. وفي الحركة الثالثة يترك موتسارت تقليد رقصة المنيويت البلاطية من الأب هايدن ويكتب رقصة ريفية من صلب تقاليد النمسا المسمى باللندلر يستشرف قبيل نهايتها مادة الحركة الرابعة والأخيرة، وهو تجديد آخر. ثم تبدأ الحركة الأخيرة، وهي بدورها في إطار السوناتا، بلحن كنسي قديم سرعان ما يطارده مثيله على درجة أعلى ثم آخر على درجة أوطأ وتبلغ هذه المعالجة أوجها في نهاية الحركة، وهي نهاية السمفونية، في مطاردة من خمسة أصوات تساهم فيها الأوركسترا برمتها.
يترك موتسارت للمستمع تفسير الحركات المتتابعة ومغزى الحركة الأخيرة، ترى هل هي صرح هائل يختبئ خلف الدار التي تمثلها الحركة الأولى؟ أم أن الحركة الأولى شيء والأخيرة شيء آخر؟ وما مغزى الرقصتين بينهما: الأولى رقصة بلاط فرنسي، والثانية رقصة فلاحين نمساويين؟

في الساعات الحميمة لا تعزف الملائكة إلا موسيقاه: نبوغ موتسارت السمفوني

بشّار عبد الواحد لؤلؤة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية