في صلاة العيد: مسجد أم ثكنة عسكرية؟!

حجم الخط
8

نوه التلفزيون المصري، إلى أنه سينتقل إلى إذاعة خارجية لنقل صلاة العيد، من مسجد المشير «محمد حسين طنطاوي»، وأن عبد الفتاح السيسي سيؤدي هناك الصلاة، «بين أبنائه في القوات المسلحة المصرية»، فكان لا بد من أتبوأ مقعدي أمام جهاز التلفزيون، لأمارس هواية قديمة هd قراءة الوجوه!
أثار اسم المسجد في النفس غصة، ليس لأنه يحمل من وثق فيه الطيبون من الثوار، وألفوا القصص عن دوره في حماية الثورة وفي حمل مبارك على التنحي، حتى إذا ما اكتملت الثورة المضادة قال «إن يناير مؤامرة خارجية»، ولا لأن «المشير» خرجت الثورة ضده لتسقطه وتسقط مجلسه العسكري الحاكم بعد أن تبين أنه متآمر مع نظام مبارك وهو ومجلسه جزء من هذا النظام، ولكن لأن هذا المسجد شيد في عهد الرئيس محمد مرسي، كما أطلق اسم «طنطاوي» في عهده على نفق، ليتساوى بالشهيد أحمد حمدي، أحد أبطال حرب أكتوبر المجيدة.
الرئيس مرسي هو صاحب القرار الشجاع بإقالة المشير «طنطاوي» ورئيس الأركان «سامي عنان»، عندما وصلته رسالة مفادها إن القوم يآتمرون عليك، وكانت خطوة ينبغي أن يبنى عليها، لكنه لم يفعل، وترك عبد الفتاح السيسي وقد تآمر على قائده «طنطاوي»، يظهر أمامه مخلصاً وقد نال ما يريد، وهو منصب وزير الدفاع، وسكت مرسي على محاولة إحياء اسم «المشير» وهو ممن تآمروا على الثورة لصالح المخلوع.
كان هذا السكوت، ومسجد ضخم يشيد ليحمل اسم المشير محمد حسين طنطاوي، ونفق يحمل اسمه في ذات الوقت، يبرهن على صحة دعاية رعتها الثورة المضادة، وهي أن المذكور هو من طلب إعفاءه من منصبه، لأنه وجد نفسه أكبر من أن يكون بجانب شخص كمحمد مرسي، ولأني أيدت خطوة الرئيس هذه مع أني من معارضيه، فقد كتبت كثيراً أسيق الدلائل والإشارات على أن قرار إقالته كان فعلاً شجاعاً من الرئيس، لكن كان الرد دائماً، وهل يعقل هذا وقد أطلق اسمه على نفق ومسجد؟!
لا يقول أحد إن صمت الرئيس على ذلك كان راجعا لمحاولته كسب القوات المسلحة، فالشاهد أن يوم الإقالة، كان يوم فرحة عارمة في وحدات الجيش، ومن عجب أن هذه الفرحة لم تصل لأذن الرئيس، فلم تكن لهما شعبية، ولم يكن مبارك بعد مرحلة وزير الدفاع محمد عبد الحليم أبو غزالة، يختار الأشخاص المحبوبين لتولي المواقع العليا في المؤسسة العسكرية، ثم أن من تقاليد الجيش المصري أن من خرج من منصبه لا سمع له ولا طاعة، وقراءة التاريخ مهمة، فعندما وقعت المؤامرة بين الرئيس السادات وأركان حكمه واستقالوا لإحداث فراغ دستوري، قام وزير الدفاع الفريق محمد فوزي بالاتصال بأحد قيادات الجيش ليأمره بتحرك بعض الوحدات في اتجاه معين، فكان رده: بأي صفة تتصل بي لقد استقلت وقبل رئيس الدولة استقالتك؟!

مرسي بلا أخطاء

كلامي لا يعجب البعض، ممن يرون أن الرئيس مرسي بلا أخطاء، ووصل بهم الحال إلى حد التطاول على رمز من رموز المقاومة والممانعة هو الدكتور سيف الدين عبد الفتاح، بعد مقابلته مع قناة «الحوار»، ولهؤلاء أقول لست مقدم البرنامج القديم في الإذاعة البريطانية: «ما يطلبه المستمعون من الأغاني العربية»!
لم يتطوع الدكتور سيف عبد الفتاح بالحديث عن الأخطاء التي جرت في عهد الرئيس محمد مرسي، فقد بدا المذيع يحمله لساحة غير متفق عليها، وبدا لي الحوار كله ارتجالياً، غير معد له الإعداد الجيد على مستوى الأسئلة، فكان أول سؤال عن رأيه في تشكيل الحكومة؟ والسؤال التالي عن أسباب تقديم استقالته ورأيه في مرحلة حكم الرئيس مرسي؟ ثم يعود به إلى التعليق على الأحداث الجارية. وكثير من المذيعين الجدد متأثرين بمذيع قناة «الجزيرة» أحمد منصور، لكن تبقى المشكلة في الخلط بين طبيعة برنامج «بلا حدود» وبرنامج «شاهد على العصر»!
من منطلقات مهنية لا مانع عندي من أن تكون الحلقة عن الفترة التي قضاها الدكتور سيف الدين عبد الفتاح مستشاراً للرئيس محمد مرسي، بل وأن يتم التطرق لأخطاء الرئيس في الحكم، شريطة أن يكون هناك اتفاق معه على ذلك ولا يبدو مفاجأ بالسؤال وهو يلدغ من مأمنه، ومن قناة هي مع الثورة المصرية من أول يوم وضد الإنقلاب منذ وقوعه.
دراويش الرئيس مرسي يرون في استقالة الدكتور سيف الدين عبد الفتاح خيانة للرئيس وتولي يوم الزحف، دون الأخذ في الإعتبار أن مرسي فاجأ مستشاريه بقرارات مصيرية وخطيرة كالإعلان الدستوري، وهل يعقل أن يكون نائب الرئيس المستشار محمود مكي لا يعلم بأمر هذا القرار إلا من خلال شاشات التلفزيون، إذن من كان يحكم مصر في هذه الفترة؟ الرئيس؟! وهل يعقل أن يتخذ قرارات على هذه الدرجة من الخطورة منفردا، وهل يعقل السكوت على حكم الفرد بعد ثورة عظيمة، أطاحت بفرعون وحكمه؟!

أعمال السيادة

الإعلان الدستوري، كان هو القرار الثاني الذي أيدت فيه الرئيس محمد مرسي، في مواجهة حملة خصومه التي كانت تبحث عن ذريعة وقد وجدتها فيه. حتى في ما يختص بتحصين قراراته من الطعن عليها أمام القضاء، فقد دافعت عنها، ذلك لأن هجوم الثورة المضادة، ورجال مبارك في الكنيسة الأرثوذكسية، على القرار، كان كاشفاً عن المؤامرة على الثورة، وكان المستهدف هو تدمير المرحلة بأحكام قضائية، يجري التعامل معها على أنها عنوان الحقيقة، وكان رأيي أن المبادئ القضائية استقرت على أن قرارات رئيس الدولة من أعمال السيادة!
في برنامج تلفزيوني قال أحدهم رداً على ما قلته: هذا كان في الماضي والآن بالتعديلات الدستورية الجديدة، فلم تعد قرارات الرئيس بعيدة عن رقابة القضاء. وكان رجل قانون، وسألته وما هو النص الذي كان موجوداً وجرى تغييره؟! إن «أعمال السيادة» مبدأ استلهمه الفقيه الكبير عبد الرازق السنهوري من مجلس الدولة الفرنسي، وأهداه لعبد الناصر، وكل أحكام القضاء بعد ذلك أخذت به وكرسته!
بيد أني في دفاعي كنت أتعامل مع نص هو الإعلان الدستوري، وكان الدكتور سيف عبد الفتاح يتعامل في ما وراء النص، فلا يجوز أن يكون في موقعه ويكون آخر من يعلم. ولو كنت مكانه فلن يكون قراري هو الاستقالة، ربما لاختلاف الثقافات المشكلة لوعي كلا منا، فأنا من بيئة ترى أنه لا عتاب في الميدان، ولا اختلاف في ساحة الحرب، إنما انصر أخاك وبعد أن تلقي الحرب أوزارها، قم بعد ذلك بتصفية حسابك معه، والحكم على أي الأسلوبين أفضل يخضع لثقافة من يفاضل بينهما، وهي في النهاية وجهات نظر، لا تستدعي تخوين أو تسفيه قامة بحجم الدكتور «سيف الدين عبد الفتاح»، وأن ننسى الفضل بيننا.

صلاة الخوف

لا بأس، فمسجد المشير محمد حسين طنطاوي، لا يقع داخل وحدة عسكرية، فهو في منطقة سكنية، وفي التجمع الخامس، ومع ذلك فقد كان المصلون كلهم من الجيش والشرطة. وقد كان مبارك يصلي الجمعة اليتيمة في مسجد النور في العباسية، أما العيدان فقد كان يصليهما في مسجد الجيش الثاني الميداني. السيسي الذي يحكم البلاد من خندق الخوف، لا يمكنه الصلاة في مسجد مفتوح وإن كان المصلون فيه يخضعون لإجراءات أمنية بالغة التعقيد، ولم يسبق له أن صلى العيد في الجيش الثاني الميداني وقد وجد في مسجد المشير طنطاوي بعد تحويله لثكنة عسكرية ضالته!
ومع هذا، فلم تكن الأوضاع طبيعية داخل المكان، حتى والمذيع يعلن أن الرئيس سيصلي بين أبنائه قادة وأفراد القوات المسلحة، فالعيون خائفة، وبين الحين والآخر تقترب الكاميرات من شخص واقف في دور المراقب في لجان الامتحانات، ولا يمكن للمشاهد أن يخطئ طبيعة عمله، فهو حرس على الحرس، وقد بدت لي أنها صلاة الخوف، وهي غير الصلاة الواردة في كتب الفقه في مبحث حكم صلاة الخوف!
الكاميرا نقلت لنا وفدا بشريا كأنه خشب مسندة، وكانت الحفاوة بالنقل تعني أن عبد الفتاح السيسي قد وصل، لكنه لم يظهر لنا، إلا كلمح بالبصر، فقد كان يسير وسط الحراسة وهناك من يسير أمامه مباشرة، في مشهد لا تخطئ العين دلالته!
لم تتجاوز خطبة العيد العشر دقائق، لتكون أسرع خطبة في تاريخ الخطب الدينية الرسمية، وكأنها «سلق بيض»، فالرجل لا يشعر بالأمان وهو وسط أبنائه من قيادات وأفراد القوات المسلحة كما قال المذيع ولأكثر من مرة. وابتذل الخطيب قدسية المكان والموقع، والمنابر فقهاً ترمز لمنبر الرسول صلي الله عليه وسلم، وقد أسبغ صفة التفخيم على السيسي فأطلق عليه من فوق المنبر لقب «فخامة الرئيس»!
ما أن فرغ الخطيب من الخطبة، حتى انصرف السيسي، فلم يصافح الخطيب كما كان يفعل مبارك، ولم يصافح الحضور كما كان يفعل في هذه المناسبة!
إنه الخوف الذي يحكم مصر الآن.

أرض – جو

أتابع انطلاق مذيع قناة «مكملين» الواعد «طارق قاسم»، وأتمنى ألا ينتهي به المطاف خطيباً، فدور الخطيب مغري في بعض الفضائيات، حتى لمن يمتلكون موهبة المذيع. وهو الدور الذي أنهى كثيراً من المواهب الحقيقية.

صحافي من مصر

سليم عزوز

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية