في فن اختراع الديمقراطية

حجم الخط
2

أعلنت رابطة تجار السجائر في القاهرة والجيزة، في بيان صحافي صادر في فبراير 2015 رفضهم للتخبط الإداري الذي تعاني منه مؤسسات الدولة، مؤكدين على أن «المسؤولين في الحكومة والرئاسة يعملون في جزر منعزلة، وكل منهم يزايد على وطنية الآخر برفع السعر على المواطن المصري». صدر البيان تعليقا على أزمة زيادة الضرائب العامة على المبيعات على السجائر مرتين خلال ثلاثة أيام، من خلال قرار جمهوري وقرار من وزير المالية وقرار من رئيس مجلس الوزراء، بالعودة في القرار الثاني. استمر هذا الجزء من البيان حاضرا في الكثير من القضايا التي مرت بمصر بعده، كما ظل معبرا عن جزء أساسي من مشكلة الواقع عبر العصور في المحروسة، وهي المشكلة التي تبدو أبعادها واضحة في الجدل الدائر حول استقالة أو إقالة الأمين العام لمجلس النواب المصري قبل أيام من اجتماع المجلس.
قبول الاستقالة وصدور قرار بتعيين أمين جديد، رغم الجدل المثار، ورغم إقرار الجميع، بمن في ذلك رئيس الوزراء ووزير الشؤون القانونية ومجلس النواب، على حق أعضاء المجلس في اختيار من يريدون بأغلبية الأعضاء، بعد اجتماع المجلس، يطرح الكثير من التساؤلات حول أسبابه وتوقيته. وهي أسباب تتجاوز ما يتردد عن حدود الدور وتعدي السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية، إلى ما بعد الصورة الظاهرة، حيث التساؤلات عن المكاسب الممكن تحققها من هذا الجدل لمجلس النواب وبعض الأعضاء.
تبدو بعض المعارك أحيانا وكأنها جزء من معارك طواحين الهواء، وشغل الرأي العام وخلق حالة من الجدل الديمقراطي المظهر الذي يخفي في جوهره حقيقية غياب الديمقراطية. ولا يقصد بهذا أن القضايا هامشية، ولكن المقصود أنها تتحول إلى جزء من معركة رسم الصورة وتضخيمها، والتركيز على الإطار بدلا من المحتوى، من أجل صناعة ديمقراطية محلية قابلة للاستهلاك وأحيانا للتسويق. كما أن الإصرار على تناول تلك القضايا تحت مظلة المعركة، يعني أن هناك مهزوما ومنتصرا، وخارجهم قد يكون هناك متفرجون يمكن أن يصيبهم والوطن، بعض أو الكثير من الشرر، أما المنافع فهي رهن بجوهر المعركة وقدرة أطرافها على تشتيت الانتباه مثل، دخول الساحر إلى المسرح وقدرته على صرف انظار المشاهدين عن أصل الخدعة، مع التأكد من تمتعهم بها عندما يسدل الستار في انتظار تكرار الخدعة مرات ومرات، ومحاولة اكتشاف سر الصنعة في كل مرة، مع التأكد من ترسيخ الأدوار وألا يتعلم المشاهد صنعة الساحر أو سرها.
في معركة الصراع على شخص الأمين العام لمجلس النواب، وبدلا من التركيز على صلب الموضوع، وهو دور البرلمان وتشكيله ووجود معارضة أو تنوع في الآراء من عدمه، يتحول جزء أساسي من الاهتمام إلى شخص الأمين العام، وتقدم القضية بوصفها أول تحد ومعركة تكسير عظام بين النواب والحكومة، ولكنها معركة كاشفة عن الكثير من إشكاليات الحكم والإدارة.
بداية هناك فكرة خلق المعركة في هذا التوقيت، وما ارتبط بها من إضفاء هالة من البطولة على بعض الاسماء التي سارعت إلى الحديث عن أخطاء الحكومة، وضرورة توحد أعضاء المجلس، وغيرها من المقولات الكبرى الشبيهة بحديثهم عن السيادة. أما اللائحة المنظمة لعمل مجلس النواب، التي يتم استخدامها لتبرير حالة الاستقالة، فتتحول لوسيلة مزايدة. الحكومة لا تفسر سبب اختيار واستمرار الأمين العام المستقيل في منصبه، رغم عدم انطباق الشروط عليه، ولا تبرر ضرورة أن تكون الاستقالة قبل أيام من انعقاد المجلس، القادر على اختيار شخصية جديدة، ولا توضح سبب قبول الاستقالة وتعيين شخص جديد بدلا من استمرار الأمين المستقيل في إدارة العمل مرحليا. أما الأعضاء فمنهم من تحدث عن التضحية باللائحة للفوز بتحد في مواجهة مجلس الوزراء، أو تقدير لشخص الأمين المستقيل وما قام به.
تطرح اللائحة في إطار الجدل، ولكنها مثل القانون والدستور مجرد مرجعية يمكن التمسك بها إن كانت في مصلحة السلطة، ويمكن التخلي عنها إن لم تحقق تلك المصلحة، أما النواب، من تم انتخابهم من أجل سن القوانين وهو ما يعنى ضمنا احترامها والالتزام بها، فمنهم من يتحدث عن مرجعية الشخص على حساب القانون واللائحة، وهي خطورة واضحة تبرز تعارض الدور المفترض مع الخطاب المستخدم، وتضيف للكثير من التصريحات الصادرة عن أعضاء للبرلمان قبل وبعد انتخابهم ومواقفهم من السلطة التنفيذية والسياسات القائمة.
قد يبدو الموقف للوهلة الأولى بوصفه رغبة من السلطة التنفيذية في تقزيم المجلس وتهميش دوره، أو اختبار حدود العلاقة من خلال إقالة الأمين العام للمجلس أو دفعه للاستقالة أو المسارعة بقبول الاستقالة، أيا كان التوصيف، ولكن هل هذا هو التفسير الوحيد المحتمل في ظل ما يحيط بالموقف من تعقيدات.
ينفي رئيس مجلس الوزراء وجود مشكلة مع البرلمان، ويؤكد أن تعيين أمين عام جديد لا يتجاوز في حق أعضاء البرلمان في اختيار من يريدون فور انعقاده، وهو الأمر الذي تكرر بشكل أو بآخر في تصريحات وزير الشؤون القانونية ومجلس النواب، وهو ما يثير التساؤل إن كان الأمر مؤقتا. والأمين العام الجديد الذي صدر قرار تعيينه لمدة عام يمكن الاستغناء عنه بعد عدة أيام، وإن كان رئيس الوزراء والوزراء كل في مكانه يتحدثون عن ضرورة التزام كل مسؤول بالقانون، فكيف يمكن لهم القيام بتجاوز بهذا الشكل؟ وما هو الهدف منه؟ خاصة أنه يظهر مجلس الوزراء في صورة من لا يحترم دوره ولا يحترم الفصل بين السلطات، من أجل معركة خاسرة بالضرورة، فلماذا يقوم مجلس الوزراء بهذا؟ تقدم الأزمة بوصفها معركة بين السلطات حول حدود الدور/السيادة والاستقلال. ولكن تلك المعركة تسمح بتحقيق عدة فوائد مباشرة تساهم في إكساب مجلس النواب المصداقية في المعركة الحقيقية المطلوب أن تحظى بما يكفى من دعم ومصداقية – شكلية على الأغلب.
مع نهاية المعركة يرجح أن يخرج مجلس النواب ناجحا في مواجهته مع مجلس الوزراء – بصورة أو أخرى- ومؤكدا أنه صاحب استقلالية ومصداقية، ومحاولا نفي ما يرتبط به وبتركيبته من حديث عن غياب المعارضة، وأنه مجلس اللون الواحد المؤيد للسلطة التنفيذية وبالأساس الرئيس. كما تساهم المعركة في خلق أو تأسيس عدة أسماء بوصفها قائدة لعملية المواجهة، وبالتالي تأسيس أو استمرار تقديم تلك الاسماء بوصفها الرموز الوطنية المستقلة التي لا تهادن حتى إن كانت مؤيدة للرئيس، فهي مؤيدة ولكنها معارضة ومدافعة عن استقلال المجلس.
تنتهى تلك المعركة ليدخل المجلس في مجال أكثر أهمية يتداول الحديث عنه من فترة ما قبل الانتخابات البرلمانية، بين تجاهل وتأييد واعتراض محسوب، وهو وضع القوانين التي صدرت في فترة غياب البرلمان، والتي يردد بعض الأعضاء رغبتهم في الموافقة عليها في وقت قصير، باعتبار أن القوانين التي أصدرها الرئيس لا يفترض أن تناقش.
في حين تظل قضية تعديل الدستور من عدمه معركة أخرى مؤجلة ستبرز مع جلسات البرلمان، ولكن يظل الجدل الأساسي يدور حول مطالبة البعض بتعديل الدستور من أجل توسيع سلطات رئيس الجمهورية. في مواجهة بعض الأصوات التي تطالب بتأجيل مثل تلك الخطوة، بدون الاعتراض عليها كليا استنادا إلى مفهوم الرشادة في التوقيت. وهو ما يعنى اختيار النواب من قبل الشعب حتى يمكن لهم التنازل عن دور نواب الشعب لشخص الرئيس.
من شأن معركة أمين مجلس النواب وغيرها من تلك المعارك أن تدشن لمصداقية مطلوبة لصورة المعارضة داخل المجلس، من أجل الإسهام بشكل إيجابي في الموافقة على تعظيم دور السلطة التنفيذية وما أقرته في الماضي وما ستقره في المستقبل، مع إكساب الواقع صورة ديمقراطية مفتقدة. مثل تلك المعارك لا تختلف عن خلق الأزمة على طريقة الفقاعات التي تكبر عبر الأخبار، ولا تعرف حقيقتها من كذبها، فتتحول إلى مشكلة كبرى تنتظر السيد المسؤول كي يعيد الاطمئنان إلى الناس.
أن يكون لديك منزل تشعر بأنه ضيق عليك، أن تحضر إليه كل يوم حيوانا جديدا حتى تشعر بالاختناق، وعندما تعود إلى الوضع الأول تشعر بالاتساع وبغياب المشاكل، وقتها تشكر من قدم لك نصيحة تضخيم المشاكل بوضع الحيوانات في المنزل وإخراجها منه، وكأنه قد ساعد على حل المشكلة، أو قام بتوسيع المنزل أو تقديم بديل، في حين أن كل ما حدث هو خلق مشكلة على المشكلة الرئيسية، ثم العودة للحالة الأولى. تصبح الحالة الأولى غاية المراد ولسان حال البعض يردد نطالب بعودة محمد حسني مبارك، لأن الغد الذي عرفناه أفضل من الحاضر ولأن القادم كل يوم عبارة عن حيوان جديد أو مشكلة جديدة تضاف للمنزل الضيق أصلا أو جبل المشاكل الضخم بالأساس.
وضع لا يختلف عن الحديث المتكرر بين وزير النقل ووسائل الإعلام بصور متناقضة في الكثير من الأحيان عن رفع سعر تذكرة مترو الانفاق من عدمه. فالمهم أن عليك انتظار البلاء وان تم منعه عليك شكر الحاكم أو المسؤول كل صباح ومساء، حتى إن لم تحل الكوارث القائمة يكفيك التهديد بكارثة مقبلة والنجاح في التأكد من استمرار حالة الغياب أو بقاء الوضع كما هو في الغرفة الضيقة المزدحمة بالمشكلات.

٭ كاتبة مصرية

عبير ياسين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية