جاءت موافقة مجلس الأمن على قرار يطالب إسرائيل بالوقف الفوري لبناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية والقدس الشرقية في 23 كانون الأول/ديسمبر بمثابة انتصار للجهود الساعية للتحقق من إمكانية تنفيذ التسوية القائمة على تأسيس دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية إلى جانب دولة إسرائيل. وعلى الرغم من أن البعض حاول تقليل قيمة القرار بالنظر لغيره من القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة، إلا ان أدراك أهميته يحتاج إلى التمييز بين صدوره وتنفيذه وانعكاساته المحتملة. فالقرار صدر بأغلبية 14 صوتا من إجمالي عدد الأعضاء البالغ 15 عضوا، في ظل امتناع الولايات المتحدة عن التصويت وهو ما يعد حدثا بارزا حيث جرت العادة على استخدام أمريكا لحق النقض (الفيتو) للوقوف ضد القرارات التي تدين إسرائيل وسياساتها. عدم الوقوف في وجه القرار والسماح بصدوره، وأن جاء في وضع يخص اعتبارات السياسة الداخلية الأمريكية وحساباتها، وعلاقة الرئيس المنتهية ولايته، باراك أوباما، برئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يظل مهما لأنه يدشن لحظة من شأنها أن تدعم الدول التي تتخذ مواقف واضحة من الاستيطان وتقاطع منتجات المستوطنات مثلا باعتبارها عقبة أساسية في سبيل التسوية السياسية. ولكن بدلا من الاحتفاء العربي بقرار مجلس الأمن، والفرحة نهاية حكم رئيس أمريكي وما يمكن أن تحمله من بعض الأخبار السارة لمنطقة تنتظر من يحدد الكثير من سياساتها من خارجها، تحولت اللحظة لساحة تنديد وأدانة علنية أو مستترة لمصر العضو غير الدائم في المجلس.
من لم يتابع تطورات الحدث يحق له ان يطرح السؤال عن سبب العتاب ما دامت مصر ضمن الأصوات التي دعمت القرار، وقد يزداد تعجبه أن توقفت متابعته عند حقيقة أقدم قليلا كانت فيها مصر هي الطرف الذي تقدم بمشروع القرار وحدد موعدا لمناقشته وطرحه للتصويت. فحتى تلك اللحظة كانت مصر التي أعرفها ويعرفها كل من يتحدث عن ثوابتها تجاه القضية الفلسطينية. فالطبيعي أن تعبر مصر عن مواقفها التاريخية من القضية الفلسطينية، وأن تعبر أيضا عن قضايا المنطقة بالشكل الذي يتصوره الموقف العربي الجمعي خاصة في قضايا نتصور أن عليها حالة من شبه الإجماع الذي يسمح بالحفاظ على ماء وجه ما يسمى السياسة العربية. ومما يساعد على هذا أن قضية الاستيطان تحديدا لا تتعارض مع المواقف المؤيدة للتسوية خاصة وأن الأطراف التي تدعمها تتعامل مع الاستيطان بوصفه عقبة في سبيل حل الدولتين، مع وجود اختلافات في السياسة الأمريكية تجاه تلك القضية وغيرها من قضايا الحل النهائي مثل حق العودة والقدس.
ما حدث وأثار الجدل هو سحب مصر لمشروع القرار من التداول قبل طرحه للتصويت. وإعلانها أنها اضطرت لتأييده بعد قيام السنغال وماليزيا وفنزويلا ونيوزيلندا بإعادة طرحه في اليوم التالي حتى لا يزايد عليها أحد.
بدوره لم يكن التغير في الموقف المصري ناتجا عن رؤية فلسطينية أو عربية بقدر ما جاء بوصفه محاولة لانقاذ إسرائيل من صدور القرار والرغبة في تهدئة الأوضاع حتى يتولى الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب مهام منصبه في كانون الثاني/يناير الجاري ويلتزم بما أعلنه من سياسات تبدو أكثر دعما لإسرائيل من أوباما. فبعد تسريبات أو معلومات نقلت للجانب الإسرائيلي تؤكد أن الإدارة الأمريكية لن تستخدم «الفيتو» عند التصويت، ومع عدم قدرة إسرائيل على تغيير هذا السلوك تمثل المخرج في ترامب ومصر. والمؤكد -مع تعدد الحكايات- أن الرئيس عبد الفتاح السيسي تلقى مكالمة من ترامب تم بعدها سحب المشروع. ولكن مع اصرار الدول الأربع على تقديم مشروع القرار، لم يكن أمام مصر إلا تأييده ليخرج الحدث ككل في أسوا شكل ممكن.
أما التبريرات التي أعلنت فتؤكد على افتقاد فضيلة التوقف عن الحفر عند السقوط في حفرة. فمن ناحية تم الحديث عن سحب المشروع للتأكد من عدم استخدام «الفيتو» وهو موقف غريب، لأن تقديم مشروع القرار هو تسجيل موقف وتعبير عن رأي فلسطيني-عربي واثارة لقضية مهمة وخطيرة في ما يتعلق بالتسوية، أما ربطه باستخدام «الفيتو» من عدمه فأمر مثير للتساؤل خاصة وأن استخدام «الفيتو» يحدث في العديد من الحالات ولا يسبب إحراجا لمن قدم مشروع القرار بقدر ما يكشف عن مواقف الأطراف الدولية، ولا يمنع استخدامه من تقديم مشروعات لقرارات ترى الدول الأعضاء أهمية طرحها حتى وأن لم تحظ بالإجماع خلال مرحلة المفاوضات المسبقة. من جانب آخر جاء الحديث عن إعطاء فرصة للأطراف الدولية محاولة فاشلة في أن يكون غامضا لأن الطرف المقصود هو ترامب الذي أعلن العديد من الخطوات التي تضر التسوية الهادفة لإعلان دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية. وان كان ترامب معنيا بإعطاء فرصة للتسوية سيكون عليه إلغاء فكرة نقل السفارة الأمريكية للقدس واختيار سفير مؤيد لهذه الخطوة وللاستيطان. فان تدعم الاستيطان في القدس الشرقية وفي أراض يفترض أن تكون ضمن حدود الدولة الفلسطينية يعني عدم وجود فرصة للتسوية لغياب ما يمكن أن تتفاوض عليه.
أما أخطر المبررات فهي حديث المتحدث الرسمي باسم الخارجية على أن مصر بوصفها «شريكا رئيسيا في رعاية أي مفاوضات مستقبلية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية الجديدة، كان من المهم ان تحافظ على التوازن المطلوب في موقفها… لضمان حرية حركتها وقدرتها على التأثير على الأطراف في أي مفاوضات مستقبلية». الحديث يؤسس لفكرة أن ورقة مصر هي وضعية الوسيط الذي يستند على علاقته بالإدارة الأمريكية الجديدة وإسرائيل متجاوزا عن الكثير من الأوراق التي كانت قائمة بوصفها جزءا من كروت الدور المصري الذي ظل لفترة غير بعيدة قادرا على البقاء على علاقة مع السلطة والفصائل – بما فيها حماس- وإسرائيل. تلك العلاقات المتشابكة ساهمت في أن تكون مصر طرفا أساسيا في حوارات الفصائل وأن تكون طرفا استراتيجيا مهما لدى إسرائيل والولايات المتحدة دون ان تخسر مواقفها العربية والأخلاقية. أما هذا التقزيم الذي يحدث للأوراق المصرية والخلط بين أسس المكانة التي كانت وبين أهمية السيسي ونظامه فهي مجرد امتداد للسياسة الداخلية التي لا ترى إلا الحاكم وتتصور أن كل صمت هو قبول وفرصة لمزيد من القرارات الصعبة، السياسة نفسها التي يقدم بها السيسي نفسه الآن لأمريكا وغيرها بوصفه القادر على تقديم ما لم يقدمه غيره كما أشار من قبل عندما تحدث عن دوره كوسيط في عملية التسوية.
بالإضافة لهذا ساهم الاحتفاء الذي تم به تناول خبر الاتصال بين السيسي وترامب وسحب مشروع القرار من أجل «إعطاء فرصة للإدارة الجديدة للمشاركة في التسوية» مع تضخيم قيمة دعوة السيسي للقاء ترامب في أمريكا، في تقديم الحدث بوصفه ثمن دفعته مصر من أجل تأكيد الشراكة مع ترامب والاقتراب من سياساته أو الدخول في تحالفاته دون مراعاة لحدود ما يمكن أن يباع وضآلة الثمن الذي يمكن أن يقدم عندما يتم إعلاء الفرد على الدولة، واللحظة على القيمة التاريخية والمستقبلية، والمصلحة الضيقة على الثوابت التي تمثل قيمة ومكانة ودورا استراتيجيا وسياسيا مهما.
في كلمته أمام قمة الدول العربية وأمريكا الجنوبية في تشرين الثاني/نوفمبر 2015 والتي أكد السيسي فيها على أن القضية الفلسطينية «لا تزال جوهر الصراع في الشرق الأوسط» أشار إلى «أهمية وثقل دول أمريكا الجنوبية» مضيفا: «إذ نقدر لكم مواقفكم الداعمة لقضايانا العربية وخاصة القضية الفلسطينية نثق تماما أنكم ستواصلون دعمكم هذا الذي يتفق مع ما عهدناه منكم دوما من انحياز للحق وانتصار للمبادئ الإنسانية والأخلاقية». وان كانت فنزويلا قد اتسقت مع تلك المقولة التي أكدت على أهمية «الحق والمبادئ الإنسانية والأخلاقية» فإن السؤال يظل مطروحا عن موقف مصر من تلك المبادئ وهي تتنازل عن مزيد من الأوراق المهمة من أجل اللحظة والثمن السريع.
وأن كان النظام يرى في اللحظة التي يتولى فيها ترامب السلطة فرصة لدور يقترب من روسيا وامريكا دون أن يتعارض مع أيا منهما، بحكم التقارب بين ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فإن الواقع يتغير مثل الحلفاء، فالتغير في المواقف من سمات السياسة. وكما تغير حلفاء النظام من بعض الدول العربية بعد 30 حزيران/ يونيو إلى روسيا، ومن مواقف تدعم حلفاء المرحلة الأولى لمواقف تدعم حلفاء المرحلة الثانية، فإنه يستعد لمرحلة ثالثة يدمج فيها بين روسيا والولايات المتحدة. مرحلة تقوم على إعلاء القوة والسلطة مقابل الحقوق والحريات، إعلاء التسلح مقابل السلام.
مصر اللحظة تتحالف في الخارج مع القوة وتقف ضد السلام مثل ما تقف في الداخل ضد الديمقراطية والحريات، وترى في تحالفاتها في المرحلة المقبلة فرصة لتمرير المزيد من السياسات الصعبة بأثمان أقل من ناحية توجيه النقد للنظام ورئيسه ولكنها وللأسف قد تكون أغلى بكثير من ناحية الوطن والمواطن الذي غاب روحا عن مجلس الأمن حتى وأن حضر جسدا من يمثله ويتحدث باسمه.
عبير ياسين