تستخدم «الفكة» في العامية المصرية للتعبير عن الأجزاء الصغيرة من العملة المستخدمة وهي الجنيه، أما «الصحيح» فهو إشارة بالمقابل لما هو أكبر، بدون تحديد معين للقيمة المقصودة. فارق الفكة والصحيح يبدو واضحا في السياسة عندما يتم الحديث عن الأجزاء الصغيرة بشكل علني وسط الضحكات، والتعامل مع الموضوعات الكبرى بشكل سري خلف الأبواب المغلقة.
كان التصور أن أركز على الأشكاليات التي يثيرها الحديث عن «الفكة» بالطريقة التي طرح بها، ولكن جاء القرار الجمهوري بمنح العاهل البحريني أحقية تملك أراض في سيناء والمنشور في الجريدة الرسمية في 8 أكتوبر 2016، وبعد أيام قليلة من احتفالات السادس من أكتوبر وفي توقيت إعادة طرح قضية تيران وصنافير أمام القضاء ليعيد قضية «الصحيح» للواجهة، خاصة أن حديث الفكة» كان علنا وقرار سيناء كان سرا. وضعية السرية في القضايا الكبرى تتكرر مرة أخرى مع سيناء، ربما لأن تصور السلطة ومن يؤيدها أن القرارات التي تتم في ظل الظروف الحالية يمكن تمريرها مهما أثارت من جدل مادام هناك من يؤيد ويدافع، وربما وبدرجة لا تقل أهمية، من يهمش القضايا الكبرى ويشغل الرأي العام بقضايا الفكة أو هوامشها، أو يشغله بحدث جديد حتى يتم تمرير حدث قديم.
جاء الحديث عن «الفكة» في افتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسى في 26 سبتمبر 2016 لمشروع «بشاير الخير» بمنطقة غيط العنب في الإسكندرية ضمن خطة تطوير العشوائيات بالمحافظة. وأثار الكثير من الجدل مع مطالبته لرؤساء البنوك بالحصول على «الفكة» من أجل مصر، كما هي عادة تلك المطالب المالية. ورغم ما حملته التعليقات من سخرية واضحة، إلا أن الحديث نفسه حمل الكثير من النقاط المهمة، وعبّر حديث الفكة عن جزء مهم من الأزمة التي نعيشها وهي البناء على استمرارية حالة التفويض المفتوح. فالرئيس يطالب بالحصول على أموال بدون سند قانوني، ويترك تلك الجزئية المهمة لاجتهاد البنوك أو غيرهم، ويتعامل مع الحدث على انه تبرع – قائم على الاختيار نظريا- ويقدمه على أنه إجبار يحتاج لآلية للحصول على الأموال. كما ينطلق الرئيس من افتراض أن «الفكة» ليس لها قيمة لدى المواطنين، وبعد أن اعتبر في حديث سابق عن ارتفاع أسعار الكهرباء أن الزيادة التي يدفعها المواطن مجرد جنيهات قليلة، انتقل للحديث عن الفكة بوصفها أشياء لا تذكر، ولا تعرف تحديدا عن أي مواطن يتحدث الرئيس؟ وإن كان قد وجه اللوم للمواطنين عندما تحدث عن تلك الجنيهات القليلة مقابل ما تدفعه الدولة ويتراكم، كيف لا يرى أن ما يدفعه المواطن يخضع لفكرة التراكم أيضا، وأن الجنيهات مع الفكة تجعل الوضع شديد الصعوبة لعدد غير قليل في المحروسة.
المهم أنه ورغم حديث الفكة العلني وما تبعه من نقاش وكتابات، وصلت للنقاش الاقتصادي الذي قدم بوصفه أقرب ما يكون لدراسة جدوى الفكة في مواجهة المشكلات الاقتصادية وقدرتها على حل الأزمات القائمة من عدمها، جاء خبر تمليك أراض في سيناء للعاهل البحريني صامتا وبدون نقاش، حيث نشر القرار في الجريدة الرسمية في ٨ أكتوبر في حين أنه صدر في ٢٧ سبتمبر. وبعد الجدل الذي أثاره قرار النظام المصري بالتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية بدون إعلان أو نقاش، قد يتصور البعض أن يكون النظام أكثر حرصا في التعامل مع مثل تلك القضايا، ولكن يبدو أن النظام يلجأ لأقصر الطرق التي تسمح له بإصدار قرارات بدون العودة لجهات أخرى وبدون إعطاء مساحة للجماهير حتى تعترض أو تناقش قبل تنفيذ القرار. أما إن خضع القرار للسخرية أو النقد فإن ردود الأفعال تتحول لنوع من تفريغ القدر الذي لا يملك تغيير الحقيقة من وجهه نظر السلطة.
جاء القرار مثيرا ومتجاوزا لما طرح في الحديث عن اقتراح بيع الجنسية المصرية ومتماشيا مع تعديلات القرار الخاص بتنمية شبه جزيرة سيناء. وإن تحرر من مقترح بيع الجنسية إلا أنه لم يتحرر من التساؤلات التي يثيرها، وعلى العكس يضيف لمخاطر الاقتراح المقدم. وإن أضفنا قرار التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير لاقتراح بيع الجنسية للقرار الجمهوري الخاص بمعاملة العاهل البحريني معاملة المصريين والسماح له وفقا لهذا بتملك الأراضي وليس المباني فقط، وطرح الفكرة نفسها في مناطق أخرى من سيناء لبعض الجنسيات العربية يمكن أن نتصور حجم المخاطر التي تمثلها تلك التحركات على الدولة ككل وعلى سيناء بشكل خاص. مخاطر تتجاوز اللحظة وتتجاوز الجيل الحالي للمستقبل ولأجيال سيكون عليها أن تتعايش مع تنازلات اليوم وانعكاساتها المستقبلية. أما القانون الذي يتماشي معه القرار الجمهوري، فهو قانون التنمية المتكاملة في شبه جزيرة سيناء وبشكل أصح التعديلات التي أدخلت عليه. وينص القانون على أن يكون تملك الأراضي والعقارات في سيناء للأشخاص الطبيعيين من حاملي الجنسية المصرية وحدها دون غيرها من الجنسيات، ومن أبوين مصريين. واشترط أن يكون رأس المال المملوك للشخصيات الاعتبارية بالكامل للمصريين. وأجاز لغير المصريين او مزدوجى الجنسية، بعد موافقة وزارتي الدفاع والداخلية والمخابرات العامة، تملك المنشآت المبنية فقط دون الأراضي المقامة عليها أو تقرير حق انتفاع لغير المصريين بوحدات بغرض الإقامة فيها بالمنطقة لمدة 50 سنة، واعتبر أن هدف القانون هو حماية أراضي سيناء مع السماح بتنميتها. ورغم الحديث عن حماية الأراضي فإن التعديلات الصادرة عام 2015 أجازت لرئيس الجمهورية إصدار قرار يسمح بمعاملة «من يتمتع بجنسية إحدى الدول العربية المعاملة المقررة للمصريين» لأسباب يقدرها وبعد موافقة زارتي الدفاع والداخلية والمخابرات العامة ومجلس الوزراء.
بدوره وافق الرئيس على معاملة العاهل البحريني «المعاملة المقررة للمصريين» وفقا للتعديل المشار إليه، وسمح له بتملك كامل أراض ومباني فيلات يملكها في خليج نعمة بشرم الشيخ جنوب سيناء بغرض الإقامة، وحمل القرار الجمهوري موافقة كل الجهات والوزارات المعنية بما فيها موافقة مجلس الوزراء. وللمفارقة يمكن أن نعود إلى فبراير 2016 حين وضعت السلطات المصرية شرط إثبات الجنسية لأبناء سيناء من أجل حصولهم على شقق وأراض بمحافظة جنوب سيناء. وكما هو متوقع أثار الشرط غضبا واسعا بين أهالي المحافظة لما حمله من تشكيك فيهم بما أدى للتراجع عنه بعد أسبوعين من إعلانه. ووفقا له، كان يطلب من الراغب من أهالي سيناء في الحصول على قطعة أرض أو شقق تقديم ما يفيد بأنه مصري الجنسية من مصلحة الجوازات بمديرية أمن جنوب سيناء. والغريب مقارنة مع اللحظة، التصريحات التي نقلت عن مصدر مسؤول بالمحافظة في هذا الوقت، التي دافع فيها عن شرط إثبات الجنسية واعتبر أنه طبيعى ويتوافق مع قانون تنمية سيناء لأنه يحافظ على أراضي سيناء ويمنع بيعها للمتجنسين أو الأجانب، ويؤكد مصرية من يمتلك الوحدات السكنية أو الأراضي، رغم أن شرط إثبات الجنسية لأهالي سيناء صدر بعد التعديلات التي سمحت بتملك غير المصريين.
والسؤال يظل مطروحا كما كان في قضية بيع الجنسية، لماذا يحتاج العاهل البحريني، أو غيره ملكية الأرض والآن تحديدا؟ وما الذي يبرر الاستثناءات التي تم تمريرها في تعديلات 2015 رغم القيود التي فرضت على المصريين أنفسهم بعدها؟ وما هي الأسس التي استند إليها القرار وحدود إصدار غيره من القرارات إن كانت معايير التقييم مسكوت عنها وتتم في الغرف المغلقة؟ وما هي مخاطر بيع الأرض؟ وإن كانت الدولة تضع قيودا على ملكية المصريين أنفسهم في بعض الحالات كيف يتم التجاوز عن هذا في حالة الأجانب؟ وما الذي يعود على المواطن والدولة المصرية مما يحدث في سيناء ولصالح من؟ ومن هو المسؤول عن حماية أراضي سيناء إن كانت الجنسية يمكن أن تباع وإن لم تبع يمكن أن يصدر قرار جمهوري بمعاملة الفرد معاملة المصريين بما يعني توسع ملكية الأراضي في سيناء لغير المصريين عبر أبواب مختلفة؟ وأين الدستور وحماية وحدة الدولة وسيادة الشعب؟ ولماذا يذاع حديث الفكة علنا ويتم التخلي عن أراضي سيناء سرا؟ بعد كل تلك التساؤلات التي تظل بلا رد، وبعد ما نقل عن صحفية إسرائيلية من تعليقات رأت في ما يحدث في سيناء «أوكازيون» و»موسم تصفية» يستحق أن تقدم إسرائيل عرضا ماليا لا يمكن رفضه من أجل الحصول على سيناء نفسها، ومع خلفية ذكرى أكتوبر والحرب والسلام من أجل الأرض يمكن أن نتذكر جلال عامر وهو يقول: «المركب بتغرق يا ريس- بالعكس يا ريس ده في منتهى الاستقرار، أمال بتتطوح ليه؟ فرحانه بالإنجازات».
كاتبة مصرية
عبير ياسين