في نماذج المعري ولوركا والجواهري وآخرين: عالمية الشعر من تربة الوطن

تقول إيزابيل غارثيا لوركا شقيقة الشاعر المغدور فيديريكو غارثيا لوركا (1899 ـ 1936) وآخر من بقي على قيد الحياة من أسرته الأقربين: «أخي فيديريكو شاعر عالمي، لأنه أندلسي. لقد كان دوماً قريباً من تربة موطنه… شعره ينبع من أرض غرناطة، والشاعر الذي لا يمتلك جذوراً عميقة لا يمكن أن يكون عالمياً». (جريدة «إنترناشنال هيرالد تربيون» عدد يوم 15 ـ 16/11/1980، ص7).
قُبيل إعلان ثورة فرانكو عام 1936، ألقي القبض على الشاعر الغرناطي بتهمة عدم تعاطفه مع «الثوار». وقبل تنفيذ حكم الإعدام عليه رمياً بالرصاص، راح المغدور يلقي بعض قصائده أمام القتلة، فبقي شاعراً حتى النفس الأخير! ما هي جريرة شاعر كان يغني للحب، ولبلاده الأندلسية، وكيف كان يشكل خطراً على «الثورة»؟ هذه بعض أمثلة من ذاك التعلق بتربة موطنه:
أنشودة الفارس: قرطبة/نائية ومنعزلة/بدرٌ متكامل، مُهرٌ أسود/وفي جراب سرجي زيتون/ولو أني أعرف الطريق كلها/لن أصل إلى قرطبة أبداً/عَبر الوادي، عَبر النسيم/قمرٌ أحمر، مُهر أسود/الموت ينظر إليّ/من أبراج قرطبة/آه كم بعيد هو الطريق/آه كم جريء هذا المُهر/آه، الموت ينتظرني/قبل الوصول إلى قرطبة/قرطبة نائية ومنعزلة.
الملحمة الصغيرة للأنهار الثلاثة: نهر الوادي الكبير يجري/بين أشجار البرتقال والزيتون/نهرا غرناطة ينحدران/من الجليد إلى حقول القمح/أواه يا حُبّي/الذي ذهب ولم يَعد/نهر الوادي الكبير/له صدفٌ من العقيق الأحمر الصافي/نهرا غرناطة/أحدهما عويل والآخر دم/أواه يا حُبّي/الذي اختفى في نسيم رقيق/للزوارق الشراعية/طريق في إشبيلية/وعلى مياه غرناطة/لا شيء يستطيع التجديف سوى التنهدات/أواه يا حُبّي/الذي ذهب ولم يَعد/الوادي الكبير صرحٌ عالٍ/ونسائم في بستان البرتقال/نهرا دورو وجنيل/صرحان صغيران/إنتهيا من قبل على البِرَك/أواه يا حُبّي/الذي اختفى في نسيم رقيق/من يقول حقاً، الماء/يحملُ صرخاتٍ تختلج كضياء تائه/أواه يا حبي/الذي ذهبَ ولم يعد/كلا، إنه يحمل أزهار البرتقال/يحمل الزيتون/يا أندلس، إلى نهريكِ كليهما/أواه يا حُبّي/الذي اختفى في نسيم رقيق.
وفي شعرنا العربي المعاصر، كما في شعرنا التراثي، مخايل من العالمية، بسبب عمق جذورها في تربة الوطن. ثمة من يأخذ على هذا الشاعر أو ذاك ارتباطاً سابقاً، أو لاحقاً له بأمير أو ببعض أولي الأمر، سواء بقي على سابق ارتباطه أو ابتعد عنه، فيحكم على شعره من ذلك المنظور الزائل وينسى هذا الشعر الذي يدوم على الأيام، دوام شعر المتنبي على تقلب ارتباطاته بالأمراء.
هل نتنكّر لقصائد الجواهري مثل «أتعلمُ أم أنت لا تعلمُ» لأنه كان في سابق عهده موظفاً كبيراً في البلاط الملكي، ومقرباً من الأمير عبدالاله، الوصي على عرش العراق؟ أم هل نتنكّر لقصيدته في مديح ثورة عبد الكريم قاسم وتمجيده الجيش العراقي في «سَدِّد خُطاي لكي أقولَ فأحسِنا/فلقد أتيتَ بما يجلّ عن الثنا». الشعر نص يجب ان يُنظر اليه من منظور فني وحسب. وإلا ما الذي سنفعل بخمريات أبي نواس وتجاوزات الشاعر الجاهلي الذي دخلَ الخِدرَ، خِدرَ عنيزةٍ، وأمثالها؟ في شعر الجواهري ارتباط شديد بتربة الوطن أيّان طاف في بلاد خارج الوطن. هذا مقطع صغير من قصيدة لا يتوقف محبو الشعر عن التغنّي بها.
حَيّيتُ سفحكِ عن بُعدٍ فحييني يا دجلة الخير يا أم البساتين
حييتُ سفحكِ ظمآناً ألوذ به لوذَ الحمائم بين الماء والطين
يا دجلة الخير، يا نبعاً أفارقه على الكراهة بين الحين والحين
إني وردتُ عيون الماء صافيةً نبعاً فنبعاً فما كانت لترويني
الشاعر من مغتربه يحيي نهر بلاده دجلة، مصدر الخير وبساتين النخل والفواكه الأفنان. وهو ظامئ لماء دجلة، يلوذ به ويرجع إليه مثل الطيور التي لا تفارق الطين/الأرض إلا لتعود إليه بعد تحليقها في الأجواء البعيدة. والشاعر المرتبط بأرض بلاده قد يضطر إلى مفارقتها بين حين وآخر، وهو ما جرى للشاعر بسبب الضغوط السياسية العابرة. وفي المغتربات يردُ الظمآن عيون ماء صافية، لكنه لا يرتوي بها ارتواءه بماء دجلة وهذا ما يذكِّرنا بقول المعرّي.
شربنا ماء دجلةَ خيرَ ماءٍ وزرنا أشرف الشجر النخيلا
فاذا كان هذا شعور المعري البصير، فكيف يكون شعور الجواهري الذي «رأى» رؤية شاعر عراقي في غابر الأيام في ملحمة «كلكامش»؟
هذا الشعور نحو تراب الوطن وأنهاره، مثل شعور لوركا نحو تراب قرطبة وغرناطة وأنهارهما من «الوادي الكبير» الذي تحرّف عن الأسم الأندلسي فصار بالإسبانية «غواذالكيفير» بقلب لفظ الباء العربية إلى لفظ الفاء المعجمة، بثلاث نقاط، وقلب حرف الدال العربية إلى الذال الاسبانية. هذا الشعور نحو الأرض والماء يرتفع عن المحلية الأندلسية والعراقية إلى العالمية في التعبير عن المشاعر.
ومثل هذا ما نجده في شعر عبد الرزاق عبد الواحد (1930 ـ 2015) المغدور في سمعته وبما أشيع عنه بألسنةِ الحسّاد والعذّال. أنا أعرف عبد الرزاق منذ سنتنا الأولى في الكلية عام 1948، وبقيتُ على تواصل معه حتى آخر حديث على الهاتف وهو في المستشفى بباريس حيث وافاه الأجل. لم ينتَم عبد الرزاق إلى أي حزب سياسي أو ديني من أي نوع. وكان فصله مع عشرات من طلبة دار المعلمين العالية عام 1947 ـ 48 بسبب اشتراكه مع مئات من الطلبة في المظاهرات التي عمّت العراق ضد قرار تقسيم فلسطين. لكنه مثل غيره من طليعة شباب تلك الأيام كان ضد الاستعمار وتسلط القوى الأجنبية على بلاد العرب، ومنها العراق. ومثل ملايين العراقيين والعرب كان يرى في الأطماع الفارسية خطراً على العراق والعرب عموماً، لذا كان يدعم حرب العراق على إيران، ويرى، مثل أولئك، في شخصية صدّام صورة القائد المنقذ. وكتب كثيراً في مديح المنقذ، لا في صورته السياسية الحزبية، بل بصورته الشخصية، وهو أمر يصعب قبوله من جانب كثير من الناس. لكن القناعة الدينية أو السياسية مسألة شخصيّة، لا حقّ لأحدٍ أن يعترض عليها، إلاّ إذا كانت تُستَعملُ لفرضها على الآخرين، أو استغلالها لمصالح شخصيّة. كان عبد الرزّاق يكتب في حب العراق والعرب، وفي حب البسطاء من الناس. لم يمدح شخصاً إلا بكونه صورة لفكرة، لا لمذهب حزبي أو ديني. فقد كتب في مديح الحسين بن علي صورة الثورة والفداء، حتى حسبه بعضهم من أبناء النجف الشيعة. لكن شعره في حب العراق والعرب هو الغالب:
«لأنك العراق/لأنك المنشِئ والمبدع والخلاق/لأن دمع الله في الدم الذي يُراق/من جُرحك الشاخب/لأنك الواهب/لأنك الغيور/لأن كل نبضة في قلبكَ الجسور/تدق منذ أقدم العصور/معارج السماء كي تفتح باب النور/أكتبُ لك/حتى يضيء الله في السطور/وتُرفع الأوراق/يا عراق…/».
وحبّ العراق في زمن المحنة يحمل الشاعر في «الزمن العلقم» إلى لغة شبه وثنية، تسير مع التجديف والكفر الذي أصاب المحب، والحب جنون في نظر أفلاطون: «لكَ وحدَكَ أملكُ أن أرخص نفسي/لك وحدكَ أحني رأسي/لجلالك وحدَك/أرفع مخموراً كأسي/مترعةً بدمي/هذا قلمي/ممتلئ بك حدّ الإرهاق/مختومٌ باسمكَ حتى ترُفع هذي الأوراق/يا هذا الساكن في أحداقي/ياذا الملكوت/أنت الحي الباقي/باسمك نبدأ/واسمك آخر ما ننطق حين نموت/… باسم العراق/أكسّر الاختام عن صوتي المدمّى/بي ما أنوء به/وقد سمّيت حتى الغيب/لكن الذي بي لا يُسمى/.
وكان آخر ما كتب وهو في المستشفى بباريس في طريقه إلى ملاقاة القدر: «يا عراق»
خوفاً على قلبك المطعون من ألمي سأطبِق الآن أوراقي على قلمي
نشرتُ فيك حياتي كلها عَلَماً الآن هَبني يداً أطوي بها عَلَمي
ياما حَلِمتُ بموتٍ فيك يحمِلُني به ضجيجُ من الأضواء والظُلَمِ
أهلي وصحبي وأشعاري منثّرةٌ على الجنازةِ أصواتاً بلا كَلمِ
إلا عراق تناديني .. وها أنذا أصحو بأنأى بقاع الأرض من حلُمي
فأبصرُ الناس، لا أهلي ولا لُغتي وأبصرُ الروح فيها ثلمُ مُنثَلِم
أموتُ فيكم ولو مقطوعة رئتي يا لائمي في العراقيين لا تَلُمِ
وأوصى أن تُنقل رُفاته لتدفنَ في العراق… بعد التحرير.
أمام الموت لوركا يقرأ شعراً بحب الوطن، وعبد الرزاق يكتب: «يا عراق».

في نماذج المعري ولوركا والجواهري وآخرين: عالمية الشعر من تربة الوطن

عبد الواحد لؤلؤة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية