ما بعد السحل

حجم الخط
1

■ لا يتوقف العالم عن إثارة الدهشة، وكلما تصورنا أن لدينا القدرة على إدراك ما يحدث أو محاولة إدراكه فاجأنا الواقع بجديده. وعلى الرغم من أن بعض الدول تعودت على إثاره الدهشة بما لديها من مخترعات وتطورات علمية وتكنولوجية، إلا ان بعضها الآخر تخصص في إثارة الدهشة بأحداث سلبية وتطورات قائمة على الهدم بدلا من البناء، وخطاب قائم على الصوت المرتفع بدلا من المنطق.
وبعد أن شهدت مصر حادث فتاة مجلس الوزراء الشهير خلال حكم المجلس العسكري، بما أثاره من دهشة الواقع وردود الفعل المتجاوزة، يعود الواقع الى إثارة الدهشة مرة أخرى، على هامش أحداث العنف التي حدثت في ميدان التحرير ضد عدد من النساء، أثناء الاحتفالات التي أقيمت من المؤيدين لفوز المشير عبد الفتاح السيسي في الانتخابات الرئاسية. وكما تساءل البعض يوما عن ملابس الفتاة التي تم سحلها في مجلس الوزراء وسبب وجودها في المنطقة، يسعى البعض الآن إلى ربط الحدث بموقع النساء من الجدل السياسي، ويلقي أنصار كل طرف المسؤولية على الطرف الآخر، مع بعض التساؤلات من نوعية لماذا ذهبت إلى التحرير، كما قيل يوما عن فتاة مجلس الوزراء، وكأن بشاعة الجريمة ليست كافية لتوحيد الخطاب والتنديد، بدون البحث عن مكاسب سياسية زائلة في مواجهة الواقع وقسوته.
وبعيدا عن كثير من تفاصيل الحدث الأول، فإن التعامل معه كان صادما كالحدث نفسه أو أكثر. وكتبت خلالها دعوة لاختراع ملابس جديدة للسحل غير قابلة للتمزق، عندما يتم الاعتداء على المواطن – أيا كان نوعه- بتلك الطريقة المهينة، ويتم التعامل مع واقعة سحله بتلك الطريقة شديدة التجاوز والإهانة أيضا. واعتبرت أن ما تعرى ليس الفتاة التي تعرضت للسحل والعنف، ولكن الضمائر التي قبلت الحديث عن ملابسها وإدانتها بأكثر من إدانة السلوك نفسه.
ورغم دهشة الحدث الأول يعود الحدث الثاني بنفس الخطاب غير المنطقي من قبل البعض، وبدلا من إدانة الفعل والاعتراف بوجود أزمة حقيقية عميقة ومتعددة الأسباب وفي حاجة لجهود جماعية للتصدي لها، يبحث البعض عن كيفية إدانة المشير أو الإخوان أو التيار الديني ككل، بدون أن يغفل البعض عن إدانة النساء، كما هي عادة تلك الأحاديث في الشرق، الذي لا يرى في الخطأ إلا أنثى.. حديث خارج سياق القضية ولكنه في أصل المشكلة التي تواجه مصر في عمومها والثورة في خصوصها.
فمنذ الثورة ونحن نواجه بالكثير من الأحداث المهمة التي ما تلبث أن تتفرع في أسلوب «التوك شو» المنتشر إلى نقاط هامشية تنال الوقت والاهتمام فلا تحل القضية ولا تواجه المشكلة، وينتهي الجدل المرتفع الصوت بمجرد ظهور قضية جديدة، فلا تعود حقوق ولا تحل أزمات ونظل نمارس فعل إنتاج الدهشة من أنفسنا بأنفسنا.
الجدل الذي دار على الحدث الأول تمحور حول ارتداء الفتاة لملابس سهلة التمزق، كما قيل، رغم برودة الجو، وعن وجودها في منطقة مجلس الوزراء، فلم ينل النقاش حول الفعل نفسه ما يستحقه، وتم تركيز الانتقاد على هذا الخطاب واستخدامه لإدانة التيار الاسلامي نفسه. وبالمجمل كان التعامل مع الحدث من الطرف الأول متجاوزا بكل المقاييس وسمح، كالعديد من مقولات وأفعال الإعلام المحسوب على التيار الإسلامي، بتوجيه مساحة الجدل ضد التيار نفسه، بما ساهم في ضربه وفي تهميش العديد من القضايا المهمة والتركيز على تناول أخطاء التيار الإسلامي في التعامل مع الأحداث بدلا من الأحداث ذاتها. والآن تعود تلك التفاصيل إلى الواجهه بطريقة تبرز خطورة الوضع القائم، وتطرح تساؤلات مهمة عن قدرة أطراف المشهد على التعامل معه بشكل مسؤول.
فبعض من مؤيدي السيسي يؤكدون على مسؤولية الإخوان في ما حدث أو فى تضخيم الحدث إعلاميا والتركيز عليه، تحت مسمى سرقة الفرحة المرتبطة بنجاح خارطة الطريق كما يتردد. وهي رؤية، بعيدا عن علاقتها باللحظة السياسية، غير سليمة لأن الحدث لا ينفصل عن أحداث أخرى شهدتها مصر كما شهدها ميدان التحرير نفسه منذ ثورة يناير، مع أحداث متنوعة عبر فترات زمنية مختلفة. بما يعنى أن أي حديث عن حدث فردي أو اتهام طرف بالمسؤولية المباشرة عن الحدث أو الاهتمام به لمجرد الاستخدام السياسي، يخرج الموضوع من قيمته ويقوم على تبسيط مخل أو إعادة توجيه للاهتمام بعيدا عن أصل القضية. وهو تبسيط يقع فيه أيضا بعض معارضي السيسي أو معارضي إقالة الرئيس الأسبق محمد مرسي عندما يتحدثون عن الحدث بوصفه نتاجا لمرحلة السيسي أو تعبيرا عن الإطار الفكري للمرحلة كما يقولون، لأن هذا الحديث يفصل اللحظة والحدث من سياقهما.
من جانب آخر يتعامل بعض مؤيدي السيسي مع حدث التحرير بوصفه نقطة إيجابية لصالحه، خاصة مع زيارته لواحدة من ضحايا الاعتداء وتعهده بالتصدي للتحرش الجنسي. ويستخدمون المقولات السلبية المرتبطة بحادث فتاة مجلس الوزراء لإدانة التيار الاسلامي أو بشكل مباشر الإخوان. ورغم أن زيارة السيسي للضحية تظل موقفا محمودا يفترض أن يدشن لتحرك رسمي عال المستوى في تلك القضايا شديدة الأهمية والخطورة، كالتحرش والاعتداء الجنسي والعنف بكل صورة، خاصة في ظل ما يشهده الوضع من زيادة العلنية والجرأة في الفعل بما يؤكد الحاجة لتعامل حازم ومسؤول، ولكن يفترض أيضاً أن يدشن لدور ومسؤولية السلطة بأكثر من الشخص، وأن يتحول لفعل مؤسسي حقيقي وليس محاولة لكسب نقاط في جدل سياسي شهدته مصر كثيرا.
كما ينبغي الإشارة إلى أن المقارنة بحدث شديد السلبية لا يؤدي دوما إلى الأثر الإيجابي الذي يرغب فيه أنصار طرف ما، وقد ينتج آثارا سلبية غير مطلوبة لهم. فمع استخدام بعض مؤيدي السيسي لتلك المقارنة سارع البعض للتذكير بأن حدث فتاة مجلس الوزراء ارتبط بأفراد في الجيش، وأن كشوف العذرية ارتبطت باسم المشير نفسه. وهي مشكلة يقع فيها أنصار الإخوان أيضا، حيث تعبر عن جزء من مشكلة خطابهم الحالي، وهو الإساءة للآخر أو للشعب المصري في عمومه. إلى جانب محاولة تجاوز أخطائهم عندما كانوا في السلطة فيكون حديثهم سببا لنقدهم أيضاً. وفي هذا السياق، نجد من بينهم من يتحدث عما حدث في التحرير بنفس طريقة حدث مجلس الوزراء، فهؤلاء نساء السيسي ومؤيدوه، ووجودهم في المكان للاحتفال تم على دماء شهداء رابعة، وان السيسي اغتصب السلطة والنظام تدهور بعد مرسي.. وغيرها من المقولات السلبية القائمة على التجاوز المرفوض. لأنها من ناحية تقوم على تسفيه وإدانة مؤيدي السيسي أخلاقيا، وإعطاء الانطباع المباشر وغير المباشر بأنهم يقبلون ما حدث من انتهاكات ما دامت تقع لخصومهم، رغم أنه نفس الخطاب الذي يرفضونه عندما يكون الاعتداء عليهم أو على أنصارهم.
ويمكن القول انه على هامش الحدث يبدو أن هناك في كل جانب من يرى أنه الحق المطلق، ومن يرى أن غيره الخطأ المطلق.. من يرى أنه الجدير بالإنسانية والعدالة والحقوق والحريات، ومن يرى أن خصومه هم أعداء لا يستحقون كل ما سبق.. من يرى الآخر بوصفه آخر غير إنساني ممكن الانتقاص من حقوقه لأنها بالأساس غير موجودة وهنا مكمن الخطورة.
ولعل المقولة الوحيدة المهمة خارج الحدث نفسه وضرورة التصدي له بمسؤولية، هي تلك النقطة التي يمكن ان تطرح نقاشا حقيقيا حول اعتذار السيسي أو السلطة للسيدة التي تم الاعتداء عليها، والتي تحسب وفقا لهذه الرؤية ضمن أنصاره، إلى توجيه الاعتذار لكل من يتعرض لإساءة أو اعتداء جنسي أو غيره في مصر داخل وخارج السجون. وأن يكون الوعد بالمواجهة قائما على تأسيس حقيقي للدفاع عن الحقوق والحريات مرتبط بمؤسسات ومكاشفة ومحاسبة بالقانون وليس بشخص الحاكم وموقفه من ميدان يؤيده وآخر يعارضه.. ان نتجاوز خطاب الآخر العدو بمفهوم المواطنة، والانتقام بالمحاسبة ودولة القانون.
كررت دوما رفضي لكل المقولات التي تصف فصيلا ما بصفات من عالم الحيوان، والتي ترى في فصيل آخر عبيد للبيادة واعتبرت أن التعامل الصحي يبدأ بترك ما تكره عندما تتعامل مع غيرك، حتى يتوقف عن استخدام المقولات التي تضرك. وبدون مدخل حقيقي للمواطنة واعتراف بحجم المشاكل القائمة، وتحديد المفاهيم والأدوار بشكل مجرد تبدو الأوضاع الحالية بوصفها صراعا متصاعدا يكرر اخطاء الماضي القريب بكل تفاصيلها وللدهشة بكل مقولاتها أيضاً.

٭كاتبة مصرية

عبير ياسين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية