بيروت ـ «القدس العربي»: ثابر المخرج اللبناني كريم دكروب في التزامه تقديم العروض المسرحية للأطفال حتى بات من الطقوس. قبل عقدين ونصف كانت خطوته الأولى في مسرحية «شو صار بكفر منخار» حينها أبهج الكبار كما الصغار في معالجته لموضوع النفايات، وفي تقديمه للشخصيات ممثلة في الحيوانات، وكذلك في الموسيقى الجميلة. اليوم وفي الألفية الثالثة كان للذئب أن يصبح بطلاً في مسرحية «يا قمر ضوي ع الناس» وأن يجيب على أسئلة متراكمة بدأ الأطفال بطرحها منذ صارت وحشية الإنسان صورة تغزو الإعلام. فهل دائماً يقدم المسرح إجابات عن تساؤلات الأطفال الغزيرة؟ شهر في الصين وعروض في سبع مدن. إثر عودة فرقة مسرح الدمى اللبناني من جولة عروض في سبع مدن في الصين كان هذا الحوار مع المخرج والكاتب كريم دكروب:
○ مواسم عروض مسرح الدمى اللبناني وجمعية خيال تستعيد العديد من المسرحيات لذلك تختلط الأمور علينا أي منها الجديد؟
• رداً على اختلاط القديم بالجديد، فمنذ تخرجت في دراسة المسرح في روسيا قبل 26 سنة، عدت بحلم حققت الجزء الكبير منه. يتمثل في إيجاد «ريبرتوار» مسرحي. درسنا في الجامعة عن العديد من المسرحيات وكيفية إخراجها قبل مئة سنة وحضرناها. عظيم أن يشاهد الطالب مسرحية يدرسها بإخراج يعود لقرن، وفي مسرح موازٍ تُعرض المسرحية عينها بإخراج جديد، ويشاهد العرضين. هذا ما يؤسس لتقاليد المسرح. في لبنان نفتقد التقاليد المسرحية، فأوليت لنفسي مهمة إرسائها، أي المساهمة بجهدي المتواضع بذلك وعبر مسرح الأطفال. من أسس تقاليد المسرح أن يكون دائماً وعبر موعد ثابت، ويتضمن مجموعة من المسرحيات. إذ لا يجب أن تتوقف مسرحية حققت نجاحاً لسبب ما. وتالياً مأسسة المسرح. المسرحية في حد ذاتها تتحول إلى مؤسسة. يترك ممثل ويأتي بديلاً عنه، يتواصل التدريب وتستمر المسرحية. ففي روسيا كل مسرحية هي مؤسسة، لها فريقها واستمراريتها بغض النظر عن الخارج منها والداخل. ففي أحيان يصبح المخرج خارج المسرحية لأن آخراً يتولى مهمة الحفاظ على إخراجها. ففي فرقة مسرح الدمى اللبناني من يتولى مهمة الحفاظ على إيقاع المسرحية وإخراجها. حققت حلمي ولو بنسبة متواضعة فمسرحية «شو صار بكفرمنخار» وهي الأولى لي مستمرة وقد بلغت الـ25 من العمر. ورداً على السؤال فـ»يا قمر ضوي ع الناس» هي الأحدث.
○ أسست مسرح الدمى اللبناني في عمر مبكر بين الأمس واليوم ما هي أهم المفاصل المؤثرة سلباً وإيجاباً على هذا الفن؟
• الأهم في مسرحنا أنه لا يشبه مسرحاً آخر في العالم. الأسبوع الماضي عرضنا في بولندا «يا قمر ضوي عالناس» فأخبروني أن العناصر الجمالية لمسرحنا مختلفة كلياً عن المعروف لديهم. أي اننا لا نحاول التشابه مع الغرب وهذا الأهم، رغم أن هذا الغرب هو الذي علّمني وكذلك أخي وليد الذي يتولى مهمة السينوغرافيا في مسرح الدمى. نحن مسرح يتمسك باللغة العربية وفي لبنان حيث يحاول كثيرون بجهود واعية إهمالها ونسيانها. سياسة إقصاء اللغة تمارس على الذات وعلى الأطفال، عبر اللجوء لمصطلحات من لغات أخرى والخروج من الهوية اللبنانية ـ العربية. إنها الكارثة التي ألمسها مع طلابي في الجامعة اللبنانية، فهم يعانون من تهشيم وتكسير في تكوين لغتهم الأم. هكذا نحن في مواجهة شباب لا يمتلكون لغة يفكرون بها، ويفتقدون التفكير المنطقي.
○ كيف تراقب التطورات التي تطرأ على وعي الطفل تبعاً للأجيال والأحداث؟ ما هي الوسائل التي تساعدك في ذلك؟
• مراقبة هذا التطور تتم عبر مستويين. الأول مراقبة المفاهيم التي يستوعبها الطفل. والثاني مراقبة التطور التكنولوجي. في الثاني نحن مستمرون في استخدام المزيد من التكنولوجيا في مسرحنا. والتطور على صعيد المفاهيم كبير جداً بالنسبة لنا بين المسرحية الأولى والأخيرة. الأخيرة «يا قمر ضوي ع الناس» تتناول أزمة الإنسانية والعنف. والبدء مع صورة الإنسان الأول يقتل إنساناً أول آخر. يشهق الأهل لدى رؤية المشهد الأول، ويقولون «ليست للأطفال». إنما الأطفال يتابعون، فالأهل ينكرون أن أبنائهم يرون ويسمعون كل ما يدور في هذا العالم عبر التلفزيون والهاتف الذكي. ويرى الأطفال الأهل يتحدثون عن القتل والذبح والاغتصاب، وتتكون لديهم الأسئلة. بين أول مسرحية «كفر منخار..» التي تطرح مسألة البيئة والنفايات، وبين «يا قمر..» التي تطرح أزمة الإنسانية، الفرق شاسع في المفاهيم. نحن حيال تطور فعلي. وفي الوقت عينه نحن حيال قضية موجودة في الكتب الدينية جميعها وهي «قصة يوسف». عالجنا المسرحية من خلال معايشة الذئب للحكاية. في هذه المسرحية أخبرنا الذئب عن مدى توحش الإنسان. قضية لم تكن واردة قبل 25 سنة، بل حين أصبح القتل من يومياتنا بدءاً من الأزمة السورية.
○ هذا يعني أنك تهدف لتقديم إجابات عن أسئلة الأطفال؟
• إنها محاولة إجابة. نحاول طرح تمرين فكري مشترك مع المتفرجين على الإجابة.
○ هل هدّأت مسرحية «يا قمر ضوي ع الناس» قلق الأطفال ومخاوفهم؟ وكيف تلمس انعكاس المسرح عليهم؟
• لا أدعي ذلك، أقله نبّهت الأهل لضرورة فتح هذا النوع من الحوار مع أطفالهم. لهذا تركيزنا على العروض العائلية.
○ وبماذا يستفيد الأهل الذين يرافقون أطفالهم إلى العروض؟
• كل عرض مسرحية يطرح قضية خاصة بالأطفال. «فراس العطاس» تطرح قضية الطفل الذي ضجر من اسقاطات موضوع الإنشاء الذي تلزمه به المدرسة. رغب أن يكتب تجربته كما يراها في موضوع الإنشاء. حكينا عن الطفل المنعزل الرافض للعب، والراغب في تخريب غرفته. ويطلب ان يفتخر والداه في انجازاته واختراعاته، لكنه لا يجد تجاوباً. موضوع يحمل توعية للأهل. وفي «أزرق يا زهر» التي خلقت نقاشاً كبيراً، وفي نهايتها يعتذر الأب من ابنته «لأننا نسيناك مع ولادة أخيك».
○ هل تأثير المسرح على الطفل طويل الأمد؟ وكم يدخل في بنيانه النفسي والمعرفي؟
• بنسبة مئة في المئة. تكونت شخصيتي من خلال حضوري لمسرحية «فراس والدولاب الفصيح» لفرقة السنابل. وطبعاً غيرها لفرقة السنابل. شاهدت المسرحية في عرض في قصر الأونيسكو جلست على الدرج لإمتلاء المقاعد. أتذكرها صورة صورة، وانطباعاتي معها. وأتذكر تحديداً الأسئلة التي تولدت عندي حول الهوية منذ تلك اللحظة وكنت بعمر تسع سنوات.
○ هل يعبر الأطفال خلال العرض؟
• يحدث ذلك. ويحدث أن يتكلموا مع الشخصيات ويصمتوا. وقد يصعد بعضهم إلى المسرح مع انتهاء العرض. تعبير الأطفال مباشر وصريح بخلاف الكبار.
○ أن تكون مخرجاً واستاذاً جامعياً ومعالجاً نفسياً فهل من تواصل بين الاهتمامات الثلاثة؟ وهل من فائدة متبادلة؟
• بعد دخولي في صلب العمل النفسي تغيرت طبيعة عملي في المسرح. صار لمسرحياتي بعداً مضافاً هو النفسي، مما انعكس على مسرحيات «فراس العطّاس، يا قمر ضوي، Le bal de reve» والأخيرة قدمتها في فرنسا. وكوني مسرحيا فهذا يجعلني مميزاً جداً في الجانب النفساني، فأنا أملك أدوات ليست لدى زملائي وهي أساسية في العمل النفساني. والأهم في التعليم أن أتعلم من الطلاب. أشعر بالجحيم مع الصف الذي لا يعلمني وتكون السنة الجامعية طويلة. الصف المتفاعل يخلق تحديا لمزيد من العطاء. تضاعف تعلُمي مع افتتاح الماستر في معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية. تسجل في الماسترز كبار من خريجي المعهد، من ضمن من علمته وتعلمت منه الفنان رضوان حمزة رحمه الله. توفي بعد أشهر من تخرجه. وفي الماسترز مخضرمون في المهنة وهم طلابي، ومنهم تعلمت الكثير.
○ جمعية تعاونية هي «خيال للتربية والفنون» مرادفة لمسرح الدمى اللبناني وتعملون وفق هذا العنوان. هل تتلقون دعماً من وزارة الشؤون الاجتماعية؟
• يضحك ملياً ويقول: طرفة أرددها في أي مكان أحل فيه. أسأل من أمامي: هل تحزرون أين سجلت الجمعية التعاونية للتربية والفنون؟ كصحافية أجبت: في وزارة التربية أو وزارة الثقافة. لكن فاجأني كريم دكروب بالقول: في وزارة الزراعة!! وتابع شارحاً وضاحكاً من فنون الجنون في لبنان: عندي غرام في العمل المؤسساتي والقانوني، وأن أكون مواطناً كاملاً يقوم بواجبه ويدفع ضرائبه. من البدء بحثت عن صيغة لقوننة عمل فرقة الدمى. لا بند في وزارة الثقافة يسمح بتسجيل فرقة مسرحية. وشرط وزارة الداخلية جمعية لا تبغي الربح وان لا يتقاضى الأعضاء مالاً. هذا لا يناسبنا وعندها نتحايل على القانون. أن نكون شركة فهذا غير مناسب، فنحن قد نتلقى تمويلاً أجنبياً أو محلياً. بعد البحث والتدقيق كانت الجمعية التعاونية وهدفها تحسين وضع أعضائها في مهنتهم، ولهم حق تقاضي بدل أتعاب. وتسجلنا في وزارة الزراعة!
○ مرّ على مسرح الدمى كبار الفنانين كممثلين. هل تجد صعوبة في دعوة أحدهم للمشاركة في عمل مسرحي حالياً؟
• مطلقاً. بدءاً من أحمد قعبور الذي أتعاون معه حتى اللحظة في الموسيقى. ومن الممثلين في مسرح الدمى من بات نجماً كما باسم مغنية، ودارين حمزة، وبديع أبو شقرا، وفؤاد يمين. وحتى الآن يصر باسم مغنية على المشاركة في العروض في مسرحية «شتي يا دنيي صيصان» كذلك رشاد زعتير، أما فؤاد يمين فلم ينقطع قط عن المسرحيات التي سبق وشارك فيها. يحب مسرح الدمى لأنه يتيح له الحضور الدائم.
○ وماذا عن الموسيقى وهي من أرقى ما يكون مع أحمد قعبور؟
• جهد نواظب عليه. نحترم كافة عناصر العرض. ونختار التعاون مع فنانين على مستوى المسؤولية. في معظم الأوقات أحب التعاون مع أحمد قعبور، وهو يبادلني الشعور نفسه.
○ عدد المسرحيات حتى الآن؟
• بحدود 25. وفي الريبرتوار الدائم تسع مسرحيات.