كيف تعلم تَورُو تاكَيمِيتسُو الموسيقى؟

حجم الخط
0

لطالما فضلتُ وصف الموسيقى الكلاسية بالعالمية، لا بالغربية. فهي، ورغم أن منشأها كان في الغرب دون أدنى شك، وفي أوروبا على وجه التحديد، فهي قد اكتسبت صفة العالمية عن جدارة لانتشارها في جميع قارات العالم ونتيجة لطبيعتها، ما جعل منها اللغة المشتركة التي تكثر الإشارة إليها. إن توحيد أصول التدوين الموسيقي، الذي جرى على خط متعرج تارة، ومنقلب على نفسه تارة أخرى على مدى قرون عدة، إحدى أهم سمات الموسيقى هذه، وفي الوقت ذاته، إحدى أهم العناصر التي تمكن المؤلف مهما تكن أصوله من تقديم أعماله في قالب في وسع كل مَن تعلم قواعد التدوين الموسيقي أن يقرأه، في الأقل، أما أن يحلله ويفسره، فذلك أمر آخر يتطلب أن يكون المرء متبحراً في ثقافة المؤلف وفي المهاد الثقافي الذي يتوسده. وسمة إمكانية قراءة الموسيقى هذه هي التي تغلب صفة العالمية على الموسيقى الكلاسية، وتجعل من تسميتها بالغربية ناقصة، بل ومضللة، إلا عند التكلم عن مصدرها.
ولكن، كيف لمَن يرغب بالتأليف أن يصبح مؤلفا؟ وماذا إذا لم تتوفر له مدارس ومعاهد متخصصة، بل واستحالت لديه إمكانية الدراسة الخصوصية لدى مؤلف ما، في بلد منشأه البعيد عن أوروبا؟
وعوضاً عن وصف المسيرة الموسيقية لمؤلف غير غربي، دعونا نستمع إلى إجابات عن هذه التساؤلات وغيرها صدرت على لسان تَورُو تاكَيمِيتسُو (1930-1996) أحد أهم أعلام الموسيقى العالمية في اليابان المعروف بغزارة إنتاجه، في حوار أقامه معه كارستِن فِت، مدير دار الحفلات الموسيقية في فِيَنا، على هامش مهرجان الموسيقى المعاصرة في الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر 1993. ولنتذكر في هذا السياق أن الاطلاع على مسيرة المؤلف بدقة أمر غاية في الندرة، لم نكن نجد له في غابر الأيام أثراً سوى في بعض رسائل المؤلفين إلى المقربين منهم. أقول أثراً لأن الإشارات تلك لم ترقَ إلى حدود الإجابات، بل ظلت من قبيل التلميحات التي أنارت لأجيال الباحثين التي تلتها دروباً سرعان ما أفضت إلى متاهات مظلمة:
○ ما الذي دفع بك إلى دراسة التأليف وأنت في اليابان في عام 1948 وعمرك ثماني عشرة سنة؟ لقد كانت دراسة التأليف حتى في أوروبا في تلك الآونة معقدة للغاية!
• يبدو لي أن قرار المرء أن يكون مؤلفاً ما يزال صعباً للغاية، ولكن في تلك الحقبة بُعيد الحرب، كانت اليابان كلها في هباء. لقد كانت لدي انطباعات عميقة عن الموسيقى أثناء الحرب وكنت شاباً يافعاً للغاية، فقررتُ أن أكون مؤلفاً وحسب. ولو سنحت لي الفرصة للعودة إلى تلك اللحظة، لربما كنت اتخذتُ قرارا مغايرا، لكنني كنت في تلك الحقبة حدثاً يسيره الفضول، متعطشا للاستماع إلى الموسيقى الغربية. لقد كنا أيام التلمذة قد درسنا بضعة أغان يابانية قَرَوَسطية وحسب، أغان يغلب عليها طابع المارش العسكري. لذا كنا نحن الشباب متعطشين أيما تعطش للاستماع إلى الموسيقى الغربية.
من اللافت للنظر مدى الصراحة التي يجيب بها مؤلفنا، يصاحبها تواضع جم بعيد عن التبجح بالحتمية، وذكريات مريرة عن وطن أصابه من الدمار ما لم يصب أي بلد آخر. وقد يتوقع دارسو التاريخ أن تشدد مناهج التعليم اليابانية آنذاك على كل ما هو في صلب الحضارة اليابانية، بما في ذلك موسيقى اليابان التقليدية، لكن الواقع كان غير ذلك، على غير توقع.
وهنا يبدو لي وكأن محاور مؤلفنا قد تجاهل مجمل هذه الأجوبة عن عمد، رغم أنها لا تشبه أجوبة أي مؤلف آخر، إذ ها هو يعيد الكرة:
○ وحينما توجهتَ إلى دراسة التأليف الموسيقي، هل كانت لديك في ذلك المجال خبرة ما؟
• لم تكن لدي خبرة البتة! لقد كنتُ بالتأكيد أعشق الموسيقى، وقد كان والدي ممن يولعون بجمع اسطوانات الجاز. وكنتُ قد نشأتُ في منشوريا، شمال شرقي الصين، بحكم عمل والدي، الذي كان يستمع إلى الجاز كل مساء، الجاز الذي تقادم عليه العهد. لذا فقد كانت معرفتي بالموسيقى لا تتعدى بكثير موسيقى اسطوانات الجاز تلك.
مؤلفنا ينقذ محاوره ويهديه جواباً غير متوقع مطلقاً يتميز به عن باقي المؤلفين. إذ كم من المؤلفين العالميين تتلمذ على اسطوانات الجاز العتيقة ثم صار يكتب بالمصطلح الكلاسي بطلاقة لاحقاً؟ الجواب: لا أحد! لكن المحاور ما يزال حبيس أسئلته التي كان قد أعدها سلفاً:
○ تذكرُ في سيرتك الذاتية أنك علمتَ نفسك بنفسك.
• نعم. لقد درستُ الموسيقى وحدي، ولم ألتحق بأية مدرسة. لكنني استفدتُ من الدراسة الخصوصية لفترة وجيزة لدى السيد ياسُوجِي كييَوسَي (1900-1981). فحملتُ شيئاً من مؤلفاتي إليه بغية تقييمها، بَيد أنه لم يدرسني أية أسس تقنية للموسيقى، بل أخذ يوغل في التحدث عن الآداب والفنون والرسم، لذا تجدني قد تأثرتُ بوضوح بمنحاه في الحياة وبشخصيته. إن موسيقاي متأثرة للغاية بما كانت تعزفه إذاعة الاحتلال الأمريكي لجنودها في اليابان بعد الحرب، إذ كانت تفرد ثلاث ساعات من بعد ظهر كل يوم لموسيقى كلاسية خلابة، برُونَو فالتَر (1876-1962) وآرتورو توسكانيني (1867-1957)، أو بول وايتمَن (1890-1967) من مسرح هوليوود الصيفي. لقد ظللتُ أصغي إلى تلك الإذاعة يومياً، لذا كان المذياع معلمي الأول.
يشير تاكيميتسو هنا إلى أن التمعن والتعمق في دراسة النصوص الموسيقية مقروناً بالاستماع إلى تسجيل أو بث إذاعي لها كفيل بتعليم المرء أسس التدوين الموسيقي، ما يفتح أمامه المجال لاستنباط أسس التناغم (الهارموني) وتضاد النقاط (الكاونتربوينت) وهي قواعد النحو الموسيقي التي يبني عليها المؤلف أسلوبه في التأليف. ويذكر معلمَه كييوسي الذي تجاهل الأسس التقنية كي يجعل تلميذه، تاكيميتسو، مرهف الوعي تجاه كنه الموسيقى، وكيف أن الآداب والفنون، ومنها الموسيقى، تشترك في الجذور نفسها وإن تكن أزهارها شتى.
ثم يعدد إثنين من أهم قادة الأوركسترا، ثم أحد ألمع قادة جوقات الجاز- من غير الزنوج- وكان هؤلاء الثلاثة في قمة شهرتهم في الولايات المتحدة في تلك الحقبة: ففالتَر كان قد سجل شطراً كبيراً من أهم السمفونيات والكونتشيرتوات مع أوركسترا كولومبيا السمفونية، وهو الاسم الذي أطلقته شركة التسجيل المسماة كولومبيا على فرقة يتكون معظم عازفيها من أعضاء أوركسترا نيويورك الفلهارمونية، إذا ما كان التسجيل يتم في ستوديوهات الشركة على الشاطئ الشرقي للولايات المتحدة، ومن أعضاء أوركسترا لوس آنجلس الفلهارمونية إذا ما كان التسجيل يتم في ستوديوهات الشركة على الشاطئ الغربي منها. وشكلت هذه الاسطوانات قوام التسجيلات لشركة «نادي اسطوانة الشهر» التي جاءت على شاكلة «نادي كتاب الشهر» ذائع الصيت وفسحت المجال لمَن يرغب بتجميع التسجيلات باقتنائها. وكانت ثمة فرقة تنافس هذا الجهد الضخم، ألا وهي أوركسترا الـ «أن.بي.سي» السمفونية في نيويورك (1937-1954)، التي أسستها شركة الإذاعة (المسموعة ثم المسموعة-المرئية) تلك خصيصاً كي يقودها ويشرف على نموها توسكانيني، بالإضافة إلى عدد صغير من القادة الآخرين من اختياره. وكانت هذه الأوركسترا تقدم باقة جديدة من القطع السمفونية كل يوم سبت على مدار الموسم السنوي! ثم كان هنالك أيضاً وايتمان الذي اشتهر بجوقته الجازية حيث كان قد ألف له ولفرقته جورج جَيرشوِن (1898-1937) قطعته الجازية الشهيرة «الرابسوديا ذات الزرقة» (1924). وقد سجلت هذه الفرقة اسطوانات جازية لا حصر لها، حتى صار مؤسسها وقائدها يُدعى بلقب «ملك الجاز».
لقد فصلتُ في وصف نشاطات هؤلاء القادة الثلاثة كي أبين كم كان يدين لهم مؤلفنا الياباني من خلال تسجيلاتهم التي كان يصغي إليها يومياً لمدة ثلاث ساعات طوال الاحتلال الأمريكي لليابان (1945-1952). لكن التفصيل هذا لا يقلل من الجهد العملاق الذي بذله مؤلفنا كي ينصت بانتباه إيجابي متناه لهذه التسجيلات بغية التعلم منها، على نقيض مَن يستمع إليها على نحو سلبي، أي وهو يصفف شعره، مثلاً.
وهنا يبدو لي أن المحاور قد نجح أخيراً في الولوج إلى الحوار الذي يُفترض فيه أن يقوم على ردود فعله تجاه فحوى أجوبة المؤلف:
○ لكن التأليف الموسيقي لا يكون بالاستماع وحسب، إذ إن تعلم التأليف يشتمل على أكثر بكثير من تحليل موسيقى الآخرين.
• حينما قررتُ أن أصبح مؤلفاً لم أكن أعرف كيفية قراءة التدوين الموسيقي، ولا كانت لدي أية معرفة موسيقية. كل ما كان لدي هو عشقي للموسيقى. لذا واجهتُ صعوبات جمة في وصف الموسيقى على الورق، كما كنتُ أفتقر إلى الآلات الموسيقية. وكنتُ حينما أتمشى وحدي في شوارع المدينة، إذا ما سمعتُ صوت آلة البيانو وهو يتردد من مكان ما، سارعت إلى زيارة تلك الدار وطلبت من ساكنيها أن يسمحوا لي بلمس البيانو لخمس دقائق. ولم يرفض طلبي هذا أحد! بل كنتُ محظوظاً جداً. وفي أيامنا هذه يأتيني مَن يزورني من الغرباء في القاعات الموسيقية بُعيد حفلة تتخللها موسيقاي ليقول لي: لقد أعرتك بيانوي حينما كنتَ شاباً! وبالفعل، شاءت الأقدار أن ألمس بيانوات شتى!
وحين تزوجتُ كانت لدى زوجتي معرفة موسيقية، فتعلمتُ منها الشيء الكثير. لقد كنتُ فقيراً حد الادقاع، ولم يكن في وسعي أن أقتني آلة موسيقية ما، إذ كنتُ أظن أن كل ما يحتاجه المؤلف هو أقلام الرصاص والأوراق، وليس ثمة ما هو أبسط من ذلك! أنت ذكرتَ الاستماع والتحليل، تحليل الموسيقى أمر هام للمؤلف في حد ذاته، لكنني أرى أن من الأهمية بمكان أن يكون المؤلف مستمعاً أولاً، فالاستماع إلى الموسيقى بالاقتران مع الخيال لهو أهم الأشياء لدى المؤلف.
أتدري أنني، رغم كوني يابانياً حين قررت أن أصبح مؤلفاً موسيقياً، لم أكن أفقه شيئاً في تراثي الموسيقي الوطني! بل كنت أكره كل ما له علاقة باليابان في ذلك الوقت، وكان هذا الشعور إحدى عواقب تجربتي في الحرب. لذا كنتُ أرغب أن أكون مؤلفاً يكتب موسيقى غربية، ولكن، وبعد عشر سنين كرستها لدراسة الموسيقى الغربية، اكتشفت تراثي الموسيقي الياباني بمحض الصدفة، وذلك في إطار مسرح دُمى البونراكو، فأصابتني صدمة! يا لها من موسيقى جبارة وآسرة! أدركتُ حينها أنني ياباني وحري بي أن أدرس تراثي الموسيقي، فأخذت أتعلم العزف على البيوا لدى أستاذ من أمهر عازفيها لمدة سنتين وأصبحت جاداً للغاية حيال تراثنا. لكنني ظللت أحاول دمجه بالموسيقى الغربية في مؤلفاتي.
والبيوا هذه آلة وترية تشبه العود المصغر، تخص بَنتَن، إلهة الموسيقى والفصاحة والشعر والتعليم في طقوس الشِنتَو اليابانية التي ترقى إلى أوائل القرن الثامن للميلاد.
○ هل لك أن تشرح كيف تدمج عناصر يابانية في موسيقاك؟ إن استخدام آلة موسيقية يابانية بحد ذاته لا يشكل موسيقى يابانية، إذ إن ثمة العديد من المؤلفين الأمريكيين والأوروبيين الذين يُدخلون آلات يابانية على بنية الأوركسترا التقليدية.
• موسيقاي تشبه حديقة أعتني بها أنا، ويمكن تشبيه الاستماع إلى موسيقاي بالمشي في حديقة يختبر فيها المرء تغيرات في الضوء والقالب والملمس.
لقد اشتهر تاكيميتسو بغزارة إنتاجه، فإلى جانب عشرات القطع للأوركسترا ولتشكيلات موسيقى الصالة وللبيانو المنفرد، كتب مؤلفنا الموسيقى التصويرية لأكثر من مئة شريط سينمائي جلها لليابانيين من معاصريه المشاهير، أذكر منهم أكيرا كُورَوساوا (1910-1998) في «ران» وماساكي كوباياشي (1916-1996) في «تمرد الساموراي» وشَوهَي إيمامُورا (1926-2006) في «المطر الأسود» والمخرج الأمريكي فيليب كاوفمان (1936-) في «الشــمس المـشــرقة». والمثير للإعجاب في موسيقاه أن كــل قطــعــة مما أدرجتُ للتو تمثل حـديقة يــابــانية ذات شخصية متمــيزة، تجد فيها كــل ورقة في مكانها وكل جذع وقد اتخذ الشكل الذي رسمه له مؤلفنا جراء تقليم وتشذيب حثيثين وعن دراية.
إن المفارقة الصارخة التي تتبدى لمَن يستمع إلى موسيقى تاكيميتسو هي أن لا شيء في موسيقاه يدل على نقص ما في تعليمه الموسيقي. والأشد إذهالاً من هذا كله أن موسيقاه يقوم بعزف معظم أصواتها عازفون على آلات أوروبية، وبفضل نصوص موسيقية تبدو للقارئ للوهلة الأولى وكأنها قد دُونت حسب المصطلح الغربي البحت، ولكن حين يستمع إليها المرء، يجزم أن هذه الموسيقى ليست من قارة أخرى وحسب، بل من كوكب آخر تماماً.

11ADA

كيف تعلم تَورُو تاكَيمِيتسُو الموسيقى؟
«موسيقاي تشبه حديقة أعتني بها»
بشار عبد الواحد لؤلؤة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية