ليلى صنصور: وثيقة تاريخية وأرشيف لذاكرة وحلم كبير

حجم الخط
0

بيروت-«القدس العربي»: زهرة مرعي: عندما غادرت ليلى صنصور بيت لحم في الثامنة عشرة من عمرها لتكون هي، وبحثاً عن مدن كبيرة، وطموح أكبر، لم يخطر في بالها أنها ستعود لتصوير فيلم، وأن تعمل بجهد لتبقى مدينتها على قيد الحياة كإرث إنساني. جدار الفصل العنصري الذي أنشأته دولة الاحتلال حرضها على الفيلم. طال زمن التصوير، ومعه وجدت نفسها تزداد ارتباطاً بوطنها الذي أحبه والدها الدكتور انطون صنصور «مؤسس جامعة بيت لحم». شعرت بواجب العمل لتكون بيت لحم مدينة مفتوحة للعالم. وسنة 2015 أنجز فيلم «لنفتح بيت لحم» من 90 دقيقة، وجواز السفر الرمزي الذي يهدى لمحبي المدينة والعاملين لأجلها ليصبحوا مواطني شرف فيها.
في بيروت عُرِض فيلم «لنفتح بيت لحم» ومع مخرجته ليلى صنصور هذا الحوار:
■ غادرت بيت لحم لتكوني أنت، وعدت لتكوني جزءاً من انطون صنصور. ما هي المعارك التي خضتها في المدن الكبرى حتى أعادتك إلى قاعدة الأب حتى بعد رحيله؟
■ تتكون عائلتنا من فتاتين وشاب، وأنا أكبرهم. استثمر أبي كافة طموحاته بي، ربما وجدني الوريث لكل أفكاره. عندما تركت بيت لحم انكسر فيه شيء ما. شعر بأني لن أعود. حينها قلت رأيي له: «تتبنى قضية فلسطين لأنك تنتمي للمكان، ليس لي تبنيها فلست أنتمي مثلك». رغم هذا الرأي كنت أدرك تماماً العدالة المفقودة في قضية فلسطين. تعاطفي مع والدي كان كبيراً لأنه كرّس كل حياته لوطنه. جاءت وفاته فجائية سنة 1996 ومبكرة وفي عز عطائه، وحاجتي للعلاقة معه كبيرة. أردت استمرار هذه الصلة معه والحاجة إليه، فجمعتنا بيت لحم. عودتي إلى بيت لحم حفزها إنجاز شيء ما لأجله. ولأني في بحث عن تجربة كبيرة في الحياة اكتشفت أن أكبر تجاربي كانت في بيت لحم.
■ في نهاية الفيلم تعطلت سيارة العائلة ونفد التمويل. هل هو الاستسلام؟
■ نُحبط لزمن، ولا نقبل الهزيمة. في لحظة شعرت وكأني في قاع البحر، إنما لا خيار لنا غير الأمل، نحن «محكومون بالأمل» كما قال سعدالله ونوس.
■ مع بدء خطواتك لتصوير الفيلم لمن أردت التوجه؟
■ أردته للغرب. استندت إلى فهمي للغرب وللوضع القائم في فلسطين المحتلة. وأدرك تماماً الأثر الاستراتيجي لبيت لحم في الفكر الغربي، ويمكن أن تشكل مدخلاً مهماً إلى القضية الفلسطينية. كان واضحاً ما أقوم به. رغبت أن يشعر من أعرفهم في بيت لحم أن الفيلم يصورهم وينتمي لهم. وبصراحة أجمل عروض الفيلم كانت في بيت لحم، رغم توجسي المسبق، إذ يُعرف التلاحمة بنقدهم الدقيق. العرض نسف توجسي. شعر الناس أن قضاياهم وثِّقت، وأن إحدى مراحلهم الصعبة والتي أدى إليها بناء الجدار قد حُفظت. قالوا بالحرف «خلقت لنا وثيقة تاريخية». شكّل الفيلم بالنسبة لهم ذاكرة وفخراً. انطباعاتهم كانت نوعاً من التعويض عن تعب عشته طويلاً حتى أنجزت الفيلم.
■ وما هو انطباعك عن العروض خارج فلسطين؟
■ الفيلم عرض كثيراً في الإمارات والأردن، ورد الفعل أكثر من جيد. في ظني العرب يرغبون بذاكرة خاصة بمدنهم وتاريخهم. شعرت أن الفيلم حقق هدفاً لم أكن أقصده. فهؤلاء الناس انتبهوا لقواعد تاريخية راسخة لهم وتشكل سنداً وفخراً.
■ أين موقع «لنفتح بيت لحم» في مسيرتك المهنية؟
■ هو الفيلم الطويل الثاني. صورت الأول في بيت لحم خلال انتفاضة 2002 وحين كانت إسرائيل تجتاح المدن الفلسطينية. شكل الفيلم بالنسبة لي بداية للدخول في حوار مع الماضي الخاص بي. صورته حين اجتاح الصهاينة المدينة وحاصروا كنيستها التاريخية التي لجأ إليها المقاومون. وبما أني كنت أدرك الحصار الذي تفرضه محطات التلفزيون في العالم على القضية الفلسطينية، خطر لي دعوة أحد مشاهير شاشة التلفزيون. أقنعت الكوميدي البريطاني جيرمي هاردي بمرافقتي إلى بيت لحم، فهو محبوب من الجمهور جداً. مع وصوله إلى المدينة شعر أن ما جاء لأجله أكبر منه، ارتبك وارتعب من الاجتياح، وأمضى أياماً دون كلام. وكان أن استدعت السفارات كافة رعاياها لإجلائهم ومن بينهم جيرمي هاردي، عندها شعرت بفقدان الأمل في تصوير الفيلم. استمر الاجتياح طويلاً، وبعد شهرين من اجلائه اتصل بي هاردي وذلك إثر لقاءات له مع الناس الذين قصدوا فلسطين في حملات تضامن وقال: «الفيلم لم يتوقف، أنا بصدد الانتماء لحملة تضامن وتطوع مع فلسطين». تحول هاردي من إنسان غير عارف بما يحدث على أرضنا المحتلة إلى آخر استثمر نفسه متطوعاً لأجل شعب محتل وفي وضع عسكري متوتر، وهذا يُحسب له.
■ كيف نظر الغرب لفيلم «لنفتح بيت لحم»؟
■ تختلف في النظر باختلاف الجمهور. ففي الولايات المتحدة غالباً تتميز ردة الفعل بالانفعال. هم لا يعرفون قضية فلسطين، وتصدمهم التفاصيل، فجأة يجدون أنفسهم أمام موقف لا يفهمونه. يعرفون الصراع في فلسطين أنه بين مسلمين ويهود، وليس بين صهاينة استعمروا وطناً وأرضاً وشعباً.
■ لتشجيع السياحة في بيت لحم كان اصرارك على القدّاس المسائي في كنيسة المهد. هل تحقق؟
■ للأسف لم تتوفر لنا الإمكانات المطلوبة، ومرض أبونا يعقوب لسنة متواصلة ومن ثم توفى. آلمني رحيله جداً، فهو معْلم ووثيقة حية في الكنيسة وبيت لحم. انه انسكلوبيديا متحركة عن تاريخ المنطقة والسريان، نفتقد قدرة توثيق تراثنا. مخيف أن يُدفن تاريخ عمره آلاف السنوات مع الأب يعقوب.
■ وماذا تقولين عن الرجل الذي قطع زيتونه بفعل الجدار؟
■ عندما زرته شعرت وكأنه في جنازة متواصلة. فقدت قدرت التصرف حياله، فالوضع كان ثقيلاً بما لا يوصف. قُطع استثمار حياته في لحظة، وكأن حياته صارت هباء. خليل صاحب الدكان الذي ابتلعه الجدار مات قهراً، وبدوري عشت القهر. من أجل خليل ووالدي وأمثالهما وكل الأجيال وصلت لحصيلة أن قضيتنا طويلة الأمد، وأننا نحتاج لأن نربط الأحزمة ونثبت على مواقفنا دفاعاً عن وطننا.
■ وهل أدى هذا إلى تولد أفكار جديدة لديك إلى جانب جواز السفر الرمزي؟
■ في تقديري كل مرحلة تمدنا بأفكار جديدة للعمل. وأنا أنجز «لنفتح بيت لحم» جمعت أرشيفاً كبيراً للمدينة يتضمن معلومات وصورا ونشرات أخبار، وكذلك أفلاماً قديمة ومذكرات رحّالة. الهدف أن تكون بيت لحم مدينة «أون لاين» وكما أحلم بها، وترك الفرصة للناس كي يكتشفوها وينضموا للحلم معنا. إذاً نحن مقبلون على مشروع كبير.
■ كم عدد الذين يحملون جواز بيت لحم؟
■ يقترب العدد من الثلاثة آلاف شخص، بينهم الكثير من المشاهير حول العالم كما جيمي كارتر، وملالا يوسف زاي الشابة الباكستانية التي حازت لقب سفيرة السلام، ومعظم رؤساء الكنائس الذين تواصلنا معهم طلبوا الجواز. والجواز متاح لمن يرغب عبر موقعنا الإلكتروني وهو: www.openbethlehem.org كما ونقدمه لكل من يساعدنا في عرض الفيلم على مجموعة كبيرة من الناس كي تصل رسالتنا. وبالمناسبة سنكون في جولة لمدة ثلاثة أشهر في الولايات المتحدة لعرض الفيلم في عدد كبير من الجامعات والكنائس، وفي بعض صالات السينما. فغايتنا بناء شبكة من السفراء لبيت لحم في الولايات المتحدة من خلال مواطنة رمزية يتيحها الجواز، والحلم أن يبلغ عدد أفراد الشبكة 10 آلاف شخص في الولايات المتحدة، ومن يحمل الجواز عليه أن يتذكر دائماً بذل كل جهد ممكن لأن بيت لحم تحتاجه. وأن إرث هذه المدينة يخصه كونه إرث الإنسانية جمعاء.
■ قالت لك والدتك الراحلة «ماذا تفعلين وحيدة في بيت لحم؟» فماذا عن صلتها بالمدينة كروسية؟
■ رددت هذا السؤال كثيراً. كروسية يُحسب لها صمودها إلى جانب والدي خلال الانتفاضة الثانية في حين تركت كامل عائلتنا المدينة. بقيت لتعاطفها مع قضيتنا ومع والدي.
■ لماذا أردت نهاية الفيلم بوقوفك أمام نجمة بيت لحم في الكنيسة؟
■ صراحة، التجربة الأكبر في حياتي عشتها في بيت لحم. اكتشفت الكثير من خلال العمل من أجل حياة أفضل للناس، ومن أجل احقاق حقوق الإنسان. «وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرّة» رسالة حملتها هذه النجمة وأطلقتها من بيت لحم، لكن بيت لحم ومنذ احتلال الصهاينة لفلسطين تحتاج السلام والمسرّة. في نهاية الفيلم شعرت بشعاع يصلني من هذه النجمة وهي التي أعادتني إلى بيتي.
■ وماذا عن المشروع السينمائي المقبل؟
■ أغلب الظن أن عملي الجديد سيكون مرتبطاً بالمتحف، ستكون أفلاماً قصيرة تتناول بيت لحم من جوانب مختلفة من أجل بنائها مدينة «أون لاين».
■ هل تتابعين الجديد في السينما الفلسطينية؟
■ بل منقطعة نسبياً نظراً لانشغالي خارج فلسطين. رغبتي كبيرة بمشاهدة عدد من الأفلام لكن الظروف تعاكسني.
■ هل توافقين أن الأمل والقوة يميزان الأفلام الفلسطينية الجديدة؟
■ وهذا ما أقرأه كنقد عن بعض الأفلام دون التمكن من مشاهدتها.
■ وماذا عن مشروع الطريق إلى بيت لحم؟
■ الهدف منه جذب حجاج حتى نتحاور معهم ويتعرفوا على واقع المدينة وتحدياتها وبالتالي يكون لهم تأثير على مستقبلها. ومن هذا المنطلق تمكنا من جذب الكثير من الزوار، أما سياحة الحجاج فترتبط بما تفرضه دولة الاحتلال.

ليلى صنصور: وثيقة تاريخية وأرشيف لذاكرة وحلم كبير
«بيت لحم» فيلم وجواز سفر يمنح لمؤمنين بمدينة تفتقد السلام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية