ماذا تبقى من أهداف ثورة 25 يناير بعد براءة مبارك؟

حجم الخط
3

يقول الكاتب الساخر محمود السعدني «لا تبحث عن محام يعرف القانون، بل أبحث عن محام يعرف القاضي»، مقولة تعبر عن وجود معايير أخرى في عملية التقاضي غير القانون وما يفترض أن يقود إلى الأحكام النهائية من أدلة وشهود. تلك المعايير الأخرى التي تعبر عن حالة الفساد التي يمكن أن تتواجد داخل عملية التقاضي لا يقصد بها التعميم بالضرورة ولكن تأكيد وجوده وضرورة التعامل معه. ففي واقع يزداد فيه الفساد والإفساد، وتغيب الديمقراطية بكل ما يرتبط بها من محاسبة ومكاشفة يتحول الفساد إلى جزء من الحياة «العادية» ويتواجد بنسب مختلفة في مؤسسات الدولة، ويصبح من الطبيعي ان نميز بين المؤسسات بناء على نسب الفساد فيها مقارنة بالوضع العام. حالة تتعمق في الواقع المصري في ظل حديث عن قدسية القضاء وأحكامه، لأنها تحول الأداة إلى غاية وتخلط بين العدالة المستهدفة والأحكام التي قد تحيد عن العدالة أو تنتهك العدالة نفسها وتأتي بما يتناقض معها.
هنا يتشابك القضاء مع ثورة 25 كانون الثاني/يناير وأهدافها. فإن كانت الثورة قد رفعت في شعاراتها الرئيسية من قيمة «العيش والحرية والعدالة الاجتماعية» فقد تطورت بحكم رد فعل السلطة إلى مطالب تتعلق بتغيير النظام والسير نحو تأسيس دولة ديمقراطية عندما طالبت بإسقاط الرئيس، وحل مجلسي الشعب والشورى، وإنهاء حالة الطوارئ، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، ومحاكمات فورية للمسؤولين عن قتل شهداء الثورة، ومحاكمات عاجلة للفاسدين كما وضع على واجهة مبنى في ميدان التحرير أثناء الثورة. تلك المطالب التي تجاوزت مطالب الإصلاح إلى التغيير وإسقاط الرئيس والنظام الحاكم، ارتبطت في العمق بتحقيق الحرية والعدالة والمحاسبة، مطالب ترتبط بدورها بحماية الحقوق والكرامة الإنسانية. وفي هذا السياق كان يفترض أن يكون القضاء أداة من أدوات حماية ثورة يناير وتطبيق أهدافها بما فيها محاسبة النظام على سياساته أثناء الثورة أو خلال عقود من حكم مصر. ولكن القضاء ظل محكوما، مثله مثل مؤسسات الدولة الأخرى، بعقلية وقوانين تنتمي في معظمها للنظام الذي أريد إسقاطه، وبدلا من ان يحمي القضاء أهداف الثورة ساهم في إضعاف الثورة وأهدافها.

من أجل سلطات أكبر

وفي اللحظة الحالية تم تقزيم يناير في الواقع عبر خطاب رسمي يؤكد أن الثورة حققت أهدافها بعد ان تركت المساحة لمن يندد بها ويؤكد أنها مؤامرة على الوطن، لتتحول إلى خريطة طريق ومنها إلى برلمان وانتخابات ودستور يرغب من دافع عنه في تغييره من أجل سلطات أكبر وفترة أطول للحاكم دون أن يقف أمام العيش والحرية والعدالة الاجتماعية الغائبة مثلها مثل المحاسبة والديمقراطية بشكل عام. بالقدر نفسه تم تفريغ قضايا الثورة ومحاكماتها في البداية حتى وأن أطلق عليها محاكمة القرن لقضايا جزئية انتهت في أحيان كثيرة بالبراءة لتصل الرسالة إلى المواطن بأن التغيير سيء والثورة فعل مرفوض وأن من يدفع الثــمن ليس من جلس على الــكـــرسي لعقود ولكن المواطن الذي طالب بالتغيير أو آمن بإمكانية تحققه.
في هذا السياق جاء حكم تبرئة محمد حسني مبارك بعد ستة أعوام من الثورة بشكل نهائي من تهمة الاشتراك في قتل المتظاهرين في 2 اذار/مارس الماضي ليثير مرة أخرى الجدل حول ما تبقى من أهداف ثورة يناير. وقد يكون من المهم التأكيد على أن الأحكام التي تستند على ما يقدم من أوراق ومستندات لا تعبر عن العدالة بالضرورة، والبراءة القانونية لا تعبر عن البراءة الفعلية بالضرورة. وإذا كان مبارك ووزير داخليته حبيب العادلي وغيرهما قد تم تبرئتهما من تهم القتل أثناء أحداث الثورة، فإن السؤال المنطقي من الذي استخدم العنف في مواجهة المتظاهرين؟ وإن كان طرف ثالث حقا كما حاول البعض الترويج له أثناء أحداث الثورة ويحاول البعض ربطه بجماعة الإخوان المسلمين حاليا مطالبا بمحاكمات جديدة، فإن السؤال يظل مطروحا عن مسؤولية النظام الحاكم في حماية الشعب وأين كان من الأحداث الدائرة في شوارع مصر، ولماذا لم يمــنع ممــارسة العـــنف ضد المتظاهرين وحاول عبر قنواته الإعلامية المختلفة إنكار حالة الثورة إن لم يكن طرفا فيها؟
أما السؤال الآخر المهم في كل الجدل الذي يحيط بأحكام القضاء في مصر فيتعلق بالسبب الذي يدفع لإثارة مثل هذا السؤال والذي يؤشر لغياب المصداقية والثقة، فهل تطرح الأسئلة نفسها في الدول الديمقراطية؟ وهل هناك علاقة بين ديمقراطية الدولة وما يصدر من قرارات تخص مؤسساتها بما فيها القضاء؟ هنا ستكون الإجابة محددة لجزء أساسي من الإشكالية التي تربط بين القضاء وأهداف الثورة. فالقضاء لم يحقق أهداف الثورة، وعدم تحقق أهداف الثورة أعاق إصلاح مؤسسات الدولة وترك الباب مفتوحا للتساؤل حول تسييس العدالة. عدم تحقق أهداف الثورة يعني أيضا غياب الديمقراطية وغياب استقلالية المؤسسات وانتقائية التعامل وفقا لظروف كل قضية والقضاة المنوط بهم التعامل معها وغيرها من الاعتبارات المتغيرة. في حين أن تحقق أهداف يناير من شأنه أن يحمي القضاء ويحقق تلك المكانة التي يحاول البعض ان يدافع عنها بسلاح القضاء نفسه عبر الاتهامات بإهانة القضاء بدلا من التعامل مع تراجع مصداقية القضاء بسبب العديد من الأحكام التي أثارت الجدال بين العدالة والتسييس.

تفعيل المكاشفة والمحاسبة

أهداف يناير يقصد منها الوصول إلى حالة الثقة المفتقدة في آليات عمل الدولة ومؤسساتها عبر تفعيل المكاشفة والمحاسبة، والتأكد من توافر الشفافية والمساواة، ومن شأن توفر تلك البيئة أن تأتي الأحكام في إطار الثقة التي يفترض أن تتوافر في جهاز الشرطة أو وزارة الداخلية بالقدر نفسه الذي تتوافر فيه في جهاز العدالة والقضاء وفي تحقق أبسط قواعد التعامل مع المتهمين دون تمييز بين من ظل يعامل كرئيس أو ابن رئيس أو وزير داخلية تفتح له الأبواب وتقدم له التحية الرسمية ويسمح له بمقابلات وفرص لم تتوفر لغيره مع آلة إعلامية تعمل على غسيل السمعة ومسح ما يمكن من سلبيات البعض عبر سلسلة من أحاديث التعاطف والأبوية النفعية في عالم السياسة، مقابل من يعامل من اللحظة الأولى بوصفه عدوا ومدانا لا يستحق لمحاكمات عادلة.
أهداف ثورة يناير هي أهداف الوطن لتحقق المعنى المفترض له، ولكن في غياب أهداف يناير وفي غياب الثقة والمحاسبة والمصداقية، وغياب العدالة والحقوق والحريات، وغياب المساواة في عالم يحكمه صاحب الكرسي أيا كان يظل من الصعب أن تتراجع تساؤلات التسييس سواء في ما يخص أحكام القضاء وعمل الشرطة أو غيرها من مؤسسات الدولة بما فيها الإعلام الذي يصبح إصلاحه جزءا أساسيا لتحقيق التوازن بين السلطات. وعندما تتحقق أهداف يناير سندرك أن الحكم النهائي تم الوصول إليه بعد أن توافرت كل الأدلة اللازمة دون ان يتم التلاعب بها، ودون أن يتم التمييز في التعامل مع المتهمين، أو في صياغة الاتهامات التي تحول اسئلة بحجم ثورة يناير وما حدث لمصر إلى بعض القضايا المهمشة التي تنتهي بالبراءة ليصل منها رسالة أن العدالة غائبة حتى وأن توافرت الحقائق والشهود والفيديوهات التي توثق أحيانا عملية القتل أو استهداف الثوار أو غيرها من القضايا.
وفي النهاية إذا كانت أحكام البراءة مثل حكم براءة مبارك تمثل لحظة تسجيل فشل في تحقق أهداف الثورة، فإن أهداف يناير تتجاوز 25 يناير 2011، فهي لا تسقط ولا تتقادم. وإن كانت ثورة يناير قد أفشلت وانتهت وفقا للبعض، فان ثورة يناير ليست هي المستهدف ولكن الوطن الذي يحمل سمات أهداف ثورة يناير. أهداف 25 يناير هي الأساس المستهدف من فعل الثورة سواء تحققت في ثورة حدثت في 2011 أو تحققت عبر كفاح ممتد من أجل الحقوق والحريات والعدالة المفتقدة في المحروسة. أهداف يناير هي مصر الديمقراطية التي نفتقد وليست أهدافا في لحظة زمنية ماضية. 

ماذا تبقى من أهداف ثورة 25 يناير بعد براءة مبارك؟

عبير ياسين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية