ما هو سائدٌ في التفكير، الذي يكتسي صبغة منطقية، أن كل حضارة تنشأ لا بد لها من أن تقوم على مشروع فكري له هيئة برنامج مُستقبلي. وهذا ما يكاد يُشكل ديْدن المُؤرخين والمُفكرين في محاولتهم توصيفَ الحضارات، ومن ضمنها الحضارةُ الإسلامية العربية.
لكن لا يوجد ما يمنع من حدوث الاستثناء، كأن تعلن حضارةٌ ما عن مشروعها الفكري الأساس في لحظة أفولها. وهذا ما أشرنا إليه في نهاية المقال السابق. قد يُقال إن الحضارة الإسلامية العربية كانت تمتلك مشروعها الذي أتاح لها إمكان اكتساح العالم؛ وهذا أمر لا يخلو من الصحة، لكن هذا المشروع ديني بالأساس، وليس مشروعا فكريا. ولهذا كان الاعتماد على الحضارات الأخرى في التنظيم الإداري والسياسي ضرورةً لا غنى عنها، وكان الجهد منصبا على تكييف المشروع الديني مع مُعطيات الواقع الثقافي للحضارات الأخرى، ومع البناء السياسي للدولة الإسلامية العربية. ويأتي في هذا السياق الانفتاحُ على الفكر اليوناني، ومُحاولة نقله عن طريق ترجمته.
لم يكن بيت الحكمة إلا تنبهًا إلى الخصاصة في مجال الفكر، وإلى كون الدولة لم تكن تمتلك مشروعًا فكريا. وربما يُعَد هذا- إلى جانب نمطها الاقتصادي- سببًا في زوال قوتها السريع وهيمنتها. إن ما كان يغلب على الفكر توجهان رئيسان: الإعدادُ لرحلة غير دنيوية (الدين)، والبحث في القوى التي تكمن خلف ظاهر العالم المادي وتُنظمه (الفلسفة). وينبغي ربط هذه الخصاصة الفكرية – التي بإمكانها أن تُميز الدولة – بنظام اقتصادي قوامه الاعتماد على الأرض؛ حيث كان الإلجاء المُنظمَ للحياة الاقتصادية بوصفه نظامًا إقطاعيا، لم يكن الإقطاع الأوروبي إلا صورةً مشوهة منه. ولم يكن هذا النظام الاقتصادي يحتاج إلى قوة الفكر لكي يستمر، فقد كان يضع في صلب بنية استمراره القوة العسكرية التي تعتمد على العدد وقوة الأبدان قبل قوة العقل التي تستند إلى علم الحيل في تفكر إمكان قوة أخرى أكثرَ اقتصادًا وفتكًا. وربما كان هذا سببًا ثانيًا من أسباب انهيار الحضارة الإسلامية العربية بفعل انخراط هذه القوة (الجيش) في الاستفادة من نظام الإلجاء الاقتصادي، ما أدى إلى انشغال القيادات بتطوير تراكم الأموال، والحصول على الإقطاعيات، بدلًا من التفكير في تطوير الجيش القوة الضاربة للدولة. بيد أن كل نظام اقتصادي لا بد له من أن يُفرز داخله ضده، ولهذا ظهرت إلى جانب النظام الإقطاعي فئاتٌ اجتماعية مُهمة تتمثل في التجار والحرفين، والتي بدأت تتطور من دون أن تستطيع فرض قوتها بفعل تبعية أنشطتها لسلطة الجيش وقوته، وتقديم الولاءات للحكام. لكن هذه الفئات كانت قد بدأت تفرض نزوعها الثقافي بمُوجب أفقها المُنفتِح على زاويتين: ا- الحياة اليومية التي تتصل بثقافة التبادل والأعمال. ب- الغير الذي يتمثل في الأقوام التي تقام معها التجارة. وتبعًا لهذا كان من المفروض أن تظهر بوادرُ مشروع فكري جنيني يخدم مصالح هذه الفئات؛ أي تجارتها التي تقوم على ركيزتين: صناعة البضائع اليدوية المرتبطة بالحاجات اليومية للناس، والتجارة التي تستورد البضائع من الشرق. لكن لم يكن لهذا المشروع الجنيني أن يظهر إلى الوجود لولا الضعف الذي بدأ يدب في جسد النظام الاقتصادي المُهيمِن بفعل وصول فاعليه (الجيش) إلى الوهن في ضمان استمرار قوته. فما هي ملامح هذا المشروع الجنيني؟ لم يظهر هذا المشروع الجنيني في حضن المَجاليْن: الفلسفي والديني؛ لأن هذين كانا يدوران في فلك القوة الاقتصادية المُهيمِنة، ومُحاولة نهج فكر الاختلاف من داخل مُتاح رؤيتها إلى العالم، وإنما ظهر في مجاليْن آخريْن، هما: التخييل والعلم، وهما مجالان يبدو أنهما لا يتماهيان- في الظاهر- مع بعضهما، أو يتقاطعان. ويُمْكِن افتراضُ أسبقية الأول على الثاني، والتمهيد له، مع استمراره في مصاحبته واستكمال فرز خاصياته المُميزة. ونُقسم هذا التخييل المُمهد للعلم إلى قسميْن: قسمٌ تخييلي جنيني كان يُحضر نفسه في مرحلة الذروة الحضارية التي كانت تتضمن داخلها أيضًا بذور انهيارها. وأقصد- هنا- نصيْن أساسيْن، هما: «البخلاء» للجاحظ و»ألف ليلة وليلة». فالنص الأول كان يُعلن عن دخول ثقافة اليومي والملموس إلى التخييل النثري، وكان النص الثاني يُركز على أبعاد ثلاثة مُهمة: الانفتاح على الحياة الجارية والتجارة والسفر. ولا تُعَد هذه الأبعاد موضوعاتٍ بقدر ما تُعبر عن توجه للفكر نحو ما ظل ملغيا؛ أي الدنيوي. وهذا الأخير سوف يُشكل التوجه العام فيما بَعْدُ للتخييل النثري والعلم مع بداية الانهيار الحضاري وخلاله. ويتمثل القسم الثاني التخييلي في الظهور المُتزامِن لنموذجيْن مهميْن مُتعارضيْن: نموذج «رسالة الغفران» (أبو العلاء المعري 973- 1057)، ونموذج المقامات أثناء القرنيْن الميلادييْن: العاشر (بديع الزمان الهمذاني : 969- 1007) والحادي عشر (الحريري 1054-1112). ويختزل هذان النموذجان مفصلة تاريخية مُهمة تجمع بين الموت والولادة، بين موتٍ له طبيعةُ احتضار مُستشعر ومخاضِ ميلادٍ لا أحدَ كان يعرف ما سيسفر عنه مُستقبلًا؛ ففي النموذج الأول «رسالة الغفران» يظهر توجه فني تخييلي يُعبر عن استبدال عالم ما بعد الحياة بالدنيوي الذي بدأ ينهار، أو يدب فيه الضعف، بما يعنيه هذا من عياءٍ لنظام اقتصادي قائم على الإلجاء، ومن ضعف لقواه. لقد ظل التخييل يبحث – على الرغم من هذا الموت المُعبر عنه مجازًا- عن كل ما يضمن انسجامه، ومُتشبثًا بتماسك في الأسلوب ووحدته. بينما يُعبر النموذج الثاني (المقامات) عن ميلاد توجه فني تخييلي آخرَ يحتفي بالحياة في جريانها العادي، وفتح التعبير على التفكك، والهجانة الإجناسية، وتعدد الأساليب والصنعة الزخرفية والسخرية. وتتصل هذه الخاصيات الفنية بطبيعة فئات الحرفيين (الزخرفة)، وبثقافة السوق (السخرية). وفي هذا الإطار وحده يُمْكِن فهمُ لماذا ظهرت هذه النصوص الاستثنائية، وسنفهم لماذا لم تتراكم وتتطور لتصل إلى مرحلة تأسيس نوع تخييلي مكتمل البنية.
ولم يتخلف الحقل العلمي عن الإعلان عن هذا المشروع الجنيني عما حدث في التخييل؛ فقد عرف القرنان الأخيران من الحضارة الإسلامية العربية (الحادي عشر والثاني عشر) ازدهارًا للعلوم التي نحت بدورها صوب التجريب، والملموس، مثل الصيدلة (ابو الريحان البيروني)، وعلم النبات (ابن البيطار)، وعلم الحيل والأعمال الحرفية (الجزري)، والطب والفيزيولوجيا (ابن النفيس)، وعلم الجغرافيا (الإدريسي). لقد نبه بعض مُفكرينا المُعاصرين إلى مسألة الفكر التجريبي العربي، وما يقوم عليه من بُعْدٍ استقرائي، لكنهم لم يضعوه في صلب حركة التاريخ؛ أي في علاقته بالمفصلة التي أشرنا إليها: احتضار طبقة، ونشوء أخرى لم تصل إلى مرحلة التكون النهائي لتستولي على حركة التاريخ بوساطة الاستيلاء على الدولة. لقد كان يعلن – إذن- عن هذا الفكر الجنيني في لحظة كانت تحتضر فيها الدولة الإسلامية العربية. ومن الطبيعي ألا ينشأ نمطٌ اقتصادي جديد في المكان ذاته الذي ينهار فيه النظام القديم، ولا بد له من أن يظهر في منطقة أخرى تُعَد هامشًا له. ولهذا لم يكن من المُمْكِن أن تتطور فئات الحرفيين في المنطقة العربية، فيتشكل معها فكرُها في نسق واضح المعالم. ولهذا كان الهامش هو المُؤهل لاستئناف المشروع الجنيني الذي ظهر في المركز (المنطقة العربية)، ولم يكن هذا الهامش سوى ذاك الذي كان في اتصال مُستمِر مع المركز، أي أوروبا. ونقف هنا عند استخلاص نتيجتين مُهمتين نصوغهما في هيئة سؤالين: ما طبيعة التخييل العربي الذي لم يكتمل، وهل مات بموت الحضارة العربية الإسلامية؟ وما الذي أخذه الغرب واستأنفه، وأدى إلى تقدمه؟
لا بد من أن نُشير- قبل أن نُجيب عن السؤال الأول- إلى أن عدم اكتمال التخييل الذي بدأ في التشكل على مُستوى النثر ناجمٌ عن انهيار الفئات التي تُمثله، أو عن انحسار تطورها؛ والمقصود بهذا ضعف قوة فئات الحرفيين والتجار بفعل ضعف الدولة، وعدم قدرتها على أن تكون البديل الاقتصادي والاجتماعي للسبب الذي أوضحناه من قَبْلُ في صدد نشوء الأنظمة الاقتصادية. وهكذا عملت الفئات الجديدة في أوروبا المُنشِئة لنظام اقتصادي جنيني جديد (البورجوازية) على استئناف ما بدأ عند العرب على مُستوى التخييل، خاصة مع بداية النهضة الأوروبية. وسيتمثل هذا الاستئناف في ما سيُسمى في بداية القرن التاسع عشر بالأدب، الذي جاء ليحل محل الأقوال الجميلة، وسيُقام هذا التخييل المُستأنِف على أربعة ركائز رئيسة، وهي: الحياة الجارية، والفردانية، والمُغايرة، واختلاق الموضوع. وهذه الخاصيات نجدها على نحو جنيني في «ألف ليلة وليلة»، و»البخلاء»، والمقامات.
أما في ما يخص السؤال الثاني، فينبغي الكف عن عد ابن رشد والعقلانية حجري الزاوية في ما أخده الغرب من العرب، واستأنفه فأدى إلى تقدمه. ربما كان لهذا الظن أهميته، لكن هذه الأهمية لا تصل إلى مُستوى الأهمية التي يُشكلها أخذُهم عن الحضارة الإسلامية العربية مشروعها الفكري الجنيني الذي ظهر مع احتضارها، والذي استمر لأزيد من قرنين، قبل أن يحكم عليها التتار بالموت القاسي (سقوط بغداد على يد هولاكو 1258). وما هذا المشروع غير ما أشرنا إليه ألا وهو الفكر التجريبي الذي ينصرف إلى فحص الملموس، ومُحاولة فهم طبيعته المادية، خاصة على مُستوى: التحليل إلى مُكونات، والوصف الدقيق لتكوين الأشياء، والجانب الفيزيولوجي للجسد، أما الرياضيات والهندسة، وإن كانا من العلوم الأسس، فهما ليسا بالجديدين على الفكر الغربي؛ فالتراث اليوناني زاخرٌ بما هو مُفيد منهما، لكن هذا لم يمنع من استئناف ما طوره العرب في مجال الرياضيات بالخصوص. بيد أن ما يُهِم هو هذا التلازم الغريب بين التوجه نحو الملموس في الأدب، والملموس في العلم؛ الشيء الذي يدفعنا إلى إعادة النظر في كثير من المُسلمات التي ما زالت مُؤثرة حتى في عصرنا هذا.
لا أريد أن أُنهي هذا المقال من دون الإشارة إلى تلازم غريب آخر، ألا وهو التلازم بين انهيار الحضارة الإسلامية العربية في الأندلس بعد معركة العقاب 1248 ونص شهير في الرحلة لابن بطوطة المغربي (1304- 1360). وهي رحلة فردية غايتها التعرف إلى الغير، بينما كان الغرب يُجهز نفسه لاكتشاف طرق تجارية جديدة ستقلب على نحو نهائي مسير التاريخ، وتُؤدي إلى ظهور عالم جديد، لقد استأنفوا إرادة السندباد.
أديب وأكاديمي مغربي
عبد الرحيم جيران