كان الإسرائيلي متجها من «ريدينغ» إلى مطار «هيثرو» في لندن، عندما جلس قبالتي في القطار، يحدثني عن حلم الرحلة إلى أرض الميعاد، واصفا إياها: برحلة العودة!
تحدث بمبالغة منفرة أصبت على إثرها بجحوظ في العينين وهرش جلدي مقيت ومتواصل، فما أن خرج الزبد من فمي وغادرت مقعدي للتقيؤ، حتى صرخ: هل تعانين من عوارض صرع؟ أتحتاجين إلى المساعدة!
صرع؟ يا إلهي!!! من هو المصاب بالصرع هنا؟!
– تعرف ماذا .. تذكرت جدتي وأنا أنظر لحقيبتك تلك، فقد كان لها بيت ورثته عن أمها وأم أمها وأم أم أمها في جنين .
– جنين؟ أنت من إسرائيل؟
– إسمها فلسطين …
– ليس هذا موضوعنا.. فهما واحد.
– لا هما ليسا كذلك، وهذا موضوعنا! فجدتي قد هُجرت من بيتها قسرا، حين داهمه جنود الإحتلال، فاعتدوا عليها ومن معها بالضرب والشتائم وجروها من شعرها وثيابها خارجه، ثم هددوها بالسلاح وهي تلتقط حبل الغسيل ومفتاح الباب عنوة في إصرار منها على أن تأخذ البيت معها، أما حبل الغسيل أهدتني إياه، وقد نشرتُه على شرفتي مما دفع جاري الإنكليزي لاستدعاء الشرطة لي بتهمة الحبل الذي رأوا فيه تشويها لمنظر البناء، وأما المفتاح فقد علقته على جدارية مكتب «القدس العربي» منذ سنوات ولم يزل حتى كتابة هذه السطور منقوشا على جدارية العودة!
المهم أنني في القطار كنت أتمتم برائعة إبراهيم طوقان «موتني، موتني»، وحين استفقت من كتابة هذه القصة تذكرت أن إليسا لم تكن قد غنتها بعد، حين وقعت حادثة الحقيبة قبل تسع سنوات!
ما لك أنت والتاريخ يا شرف الدين!
إنه «الإتجاه المعاكس»، إذن! ولكن من الضيف هذه المرة يا ترى؟ إنه ماهر شرف الدين رئيس تحرير صحيفة ثقافية، فهل تتوقع من «الإتجاه المعاكس» أن يبحث في حداثية القصيدة العربية في القرن الواحد والعشرين مثلا؟ أو أن يطرح قضية الفنون التشكيلية بين الخربشة والنغنشة؟
بصراحة خطر لي أن فيصل القاسم هذه المرة قد يفاجئ المشاهد، فيحظر على السياسة ويجنح إلى عالم الأدب والأدباء ليتحدث عن آداب الحشمة وإباحية الصحافة الثقافية، ولكنني – سامحني الله – أسأت الظن بالقاسم، وقد خيب نصف يقيني!
ماهر شرف الدين كان ضيفا على حلبة طائفية، يتبادل بها «البوكسات» مع شبيح من شبيحة النظام، وقد إحتدمت الحلبة باللكمات السنية والعلوية، في حلقة عنوانها «مصير العلويين في سوريا بعد إقتراب الثوار من مناطقهم»، حتى بقَّ شرف الدين بحصته التي قصمت ظهر بعير الحلبة: «من الخطأ مقارنة ما جرى في سوريا بما يجري في ليبيا، فما جرى في سوريا لا يمكن مقارنته سوى بفلسطين فقط» … إلى هنا وحتى هذه العبارة، فإن ما جرى من تشريد للسوريين لا يضعهم على رأس قائمة المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، وحسب، إنما يضعك أنت في مواجهة التاريخ الفلسطيني الذي إلتهم الإعلام حقائقه، وهضمها جيدا، لا بل إتبع نظاما غذائيا جديدا للحمية التاريخية، قوامها التخلص من نصف مكونات الوصفة، بحيث لا يصل لنا من الحقيقة سوى فتافيت يجدر بنا إلقاءها في حاويات لا تليق سوى بالكلاب الضالة وقطط الشوارع!
أعرف أنك تعرف!
هذا هو الإعلام، سلاح الهزيمة في هذا العصر، لأن التزوير لا يمكن أن يكون سوى نتيجة للإندحار والإنحطاط، وهو أيضا مسبب لما ينتج عنه، فكيف ستحترم البطانة الإعلامية المصرية مثلا التي إتهمت اللاجئين الفلسطينيين ببيع بلادهم ومغادرتها بملء إرادتهم، في حين أن الباحث والمفكر اليهودي «إيلان بابيه» رأى في المذابح التي إرتكبتها العصابات الصهيوينة في فلسطين وعلى رأسها «مذبحة دير ياسين» إبادة عرقية، وتهجيرا قسريا، فهل تقوم مذبحة دون أن تكون هنالك مقاومة؟ هل يمكن للرحيل الإرادي أن يكون بلا حقائب سفر ولا أمتعة على طريقة إبن عمنا في الفقرة الأولى من هذه المقالة؟ هل يمكن للجرافات والأسلحة أن تقتحم مكانا خاليا من السكان لإخلائه؟ أو تحتجز فارين وهاربين كل هدفها أن يهربوا! ولكن لسان العاقل وراء قلبه فلا تلم أحمقا قلبه وراء لسانه!
لنعود إذن لـ«الإتجاه المعاكس»، فشرف الدين قال هذه العبارة ثم ناقض نفسه مباشرة حين أردف عليها وحرفيا: « نحن يا دكتور نسمع في القنوات العربية تعبير الترانسفير، بقولولك اليهود بهجروا الفلسطينيين، لكن الصيت لليهود والفعل للعلويين»! يا للطامة، يا للسقوط! يا للجريمة!
أولا: يا صاحب هذه النظرية التي تقوض إبداعية وجمالية التخيل عند آلبرت آينشتاين حين إعتبرها أهم من المعرفة، دعني أسألك: هل من المعقول أن تجد قناة عربية واحدة الآن تجرؤ على النطق بجريمة الترانسفير الصهيونية،التي خطط لها قبل قرن، في حين أنها – في معظمها – لا تجرؤ على إدانة جرائم الصهاينة – التي كانت تبث على الهواء ومباشرة – في غزة قبل أشهر قليلة! من أين أتيت بمعلوماتك هذه؟ أم أنك لا تشاهد الصحون الفضائية! أو تتخيلها، وهو تخيل يجنح بالعقل إلى الهلوسة أكثر من الإبداع، لأنه لا يوصلك إلى معرفة آينشتاين بقدر ما يوقعك بخيانتها!
ثانيا: كيف تجرؤ على تبرئة إسرائيل من الجريمة، وتنسب لها الصيت « أو الدعاية الإعلامية العربية « وللعلويين الفعل، ألا يعتبر قولك هذا إهانة للسوريين في عبارتك الأولى، حيث رفضت أن تقارنهم بالليبيين ولم ترض سوى مقارنتهم بالفلسطينيين؟
ثالثا: حين تصرخ بأن جريمة الترانسفير الصهيونية مجرد صيت، ويقتصر إرتكابها على العلويين، ألا تبرئ مجرما لتدين آخرا؟ فهل يمكن لمن يريد إثبات جريمة أن يبرئ مجرما سبق من ارتكبها إليها بل كان أستاذها؟ (يا زلمة، طلعتني عن ديني)، ماذا أقول لك؟ بم أزجر هذا الجهل المتعمد عن سابق إصرار، والذي يفوق في خطورته جهل من لا يعرفون أنهم جهلاء!
سأكتفي بسؤالك، وأنا أعرف أنك تعرف: لماذا تسعى لتبرئة الإسرائيليين من جريمة الترانسفير، التي شهد عليها شهود من أهلهم؟ لماذا تريد أن تغير التاريخ؟ ما علاقة جرائم العلويين بتبرئة اسرائيل من أكبر جرائم الدهور! كيف سيؤمن شعبك بخوفك عليه من التهجير وأنت تنكر على الشعب الفلسطيني حقيقة تهجيره القسري على يد اسرائيل؟ كيف يمكن أن يأتمنك شعبك على الحقيقة والتاريخ، بينما أنت تغير وتبدل مأساة شعب لم تقبل أن تقارن شعبك سوى به! ألا يحق لمن تدافع عن صيتهم أن يخافوا منك وقد أنكرت عليهم مهمتهم النضالية التي يفاخرون بها الأمم: تحرير أرض ميعادهم المزعومة!
جُبّ إعلامي
هل كان يقصد شرف الدين قناة «الجزيرة» عندما تهكم على الإعلام الذي يدين مجرما نال من جريمته السمعة لا الفعل؟ ألا يمكن أن تكون عبارته إتهاما لـ«الجزيرة» بتشويه سمعة إسرائيل؟ لأنني لا أرى في القنوات العربية كلها سوى «الجزيرة» تتحدث عن النكبة وتوثق لتاريخ الملحمة الفلسطينية؟ حسنا إذن أيتها «الجزيرة»: أصبحت في نظر ضيوفك محطة إساءة للسمعة، فهل يرضيك هذا! ثم إن كانوا لا يرون فيك سوى تلطيخ الصيت، فلماذا يقبلون على أنفسهم (التبرطع) خلف شاشتك!
ربما على أولئك الذين يعتبرون في الحقيقة تشويها، أن يجربوا ما اقترحته يوما «هيلين كيلر»: (إبق وجهك في الشمس ولن ترى الظلال)! لأننا في عصر يروج للبدعة كي يسلمها للعصور اللاحقة كوثيقة، ورحم الله نيلسون مانديلا حين قال: «إني أتجول بين عالمين، أحدهما ميت والآخر عاجز أن يولد، وليس هناك مكان حتى أريح عليه رأسي الآن»!
يبقى أن لا تبحث عن صاحب الجب، بل عليك أن تحصي عدد من سقطوا فيه، ولن يكونوا بطيبعة الحال نجوما، لأن النجم لا يستقر بعد رحلتة في العلياء سوى في قاع البحر، وهؤلاء ليسوا نجوم بحار، فما بين قاع وقاع سقوط ومستقر يحدد لك ثمن العمق وقيمته لا امتداده!
بقي أن أعذر صاحبة العوج اللفطي في أغنية «موتني»، لأن تقويم إعوجاج العقول في هذا الزمن الرخيص – وإن استحال – أولى ثم أولى، بل إن فضحه أهم من تقويمه!
كاتبة فلسطينية تقيم في لندن
لينا أبو بكر