لا نجد كتابا قديما يعود إلى العصر اليوناني أو بعده يُدرج فنون التخييل في تسمية جامعة، فكتاب «البويطيقا» لأرسطو لم يتعد الحديثَ عن خاصية مُشتركة مسؤولة عن إنتاج فنون التخييل، وحددها في «التمثيل»، وهذا الأخير لا يُعَد ماهية مُوحدة بمقدروها أن تكُون جامعة للفنون التخييلية.
ولم يُعْنَ أفلاطون أيضا بإيجاد تسمية جامعة. وقد لا نُجانب الصواب إذا قلنا إن استقلال المعارف لم يكن واردا في العصور السابقة على النهضة؛ ومن ثمة كان النظر إلى الأقوال التخييلية تاما وفق مقدار تمثيلها المعرفة في ارتباطها بالعقل. وإذا كان الأمر كذلك فكيف يُمْكِن التعامل مع ما قبل الأدب؟ أينبغي التساهل معه بإدراجه تحت تسمية هذا الأخير أم ينبغي البحث عن تسمية مُغايرة تُميِزه؟
سيكُون من باب التعسف إسقاط مفهوم الأدب على ما سبقه من تخييل؛ فما يُمكن فعله هو اقتراح حليْن من صميم المُمارسة التي ميزت الإنتاج السابق على الأدب: ا- يكمن الحل الأول في اقتراح تسمية «الأقوال الجميلة» (جاكوبسون: مقدمة الكتاب الخاص بالشكلانيين) التي أُطلقت في عصر النهضة والعصر الكلاسي للدلالة على التخييليْن القديميْن اليوناني والروماني، وعلى التعارض بين ما يُكتب باللغة الفرنسية وبغيرها من اللغات. واقتراح هذا الحل مُتأت من وجود اختلاف بين نمطيْن من الكتابة: أحدهما قديم والآخر جديد. ويحمل هذا الاقتراح في طياته بعدا تصنيفيا زمانيا. ب – يكمن الحل الثاني في عد ما أُنتج من تخييل قبل عصر النهضة مُندرجا تحت المُمارسة الفنية بكل أنواعها بما فيها المُوسيقى والرقص والنحت، وأن الأقوال الشعرية لا تُشكل إلا أحد فروعها؛ ومن ثمة يَمْثُل الحل في اعتماد لفظة الشعر لتُغطي كل أشكال التخييل القولي، وقد كان هذا مُمْكِنا نظرا للوسيلة (النظم) التي كانت تُنتج بها هذه الأقوال. لكن هذه التسمية فقدت وظيفيتها ما أن صارت وسيلة النثر هي المُهيمنة.
إذا كان من الصعب إسقاط مفهوم الأدب على ما سبقه فليس معناه أن الإشكال قد حُل، لأن المقصود به لم يُحدد بدقة: أيُعد نتاجَ التعارض بين الخيالي والوقائعي (إيـكلتون)، أم انحرافا عن اللسان الطبيعي يستهدف التغريب (الشكلانيون الروس)، أم هل يتعلق الأمر بتحول في بنية التمثيل؟ فالمُعول عليه في تحديد مفهوم الأدب ماثلٌ في ما استقر بعد القرن التاسع عشر بوصفه كذلك، فلا أحد يَعُد التاريخ بعد هذا الاستقرار أدبا، وقس على هذا الحكاية الشعبية، فقد استقر مجال التاريخ في حيزه الخاص، واستقرت الحكاية الشعبية في مجال الفلكلور، لأن التخييل صار مُرتبطا بشكل التمثيل والوسيلة المُعتمدة فيه.
يعدُ الأدب- إذن- مُنعطفا في التخييل، ويُعيد هذا الانعطاف إنتاج الواقعي بالاستناد إلى عناصر ثلاثة: اـ تظهير الاستثنائي في تشكيل العالم. ب – نمطٌ في الكتابة معترفٌ به، وذو مقبولية على مُستوى التلقي، ج ـ بنية مخصوصة في التمثيل. ويرتبط التحول الذي أحدثه الأدب في التخييل بهاته العناصر الثلاثة التي تتصل بدورها بسياق معرفي مُتعلق بتحولات ثقافية واجتماعية. ويحق التساؤل في ضوء هذا عن إمكان ارتباط الأدب بما يُسميه سان سيمون بالعصر الثوري والنقدي؛ أي بالقرن التاسع عشر، وما لازمه من أزمة أفضت إلى غياب اليقين وتهلهل العضوية التي تجمع الناس حول مذهب ما؛ فجاء الأدب ليكُون تعبيرا عن الفردانية في مُواجهة واقع يتنكر للتقاليد والأفكار الكلاسية المُؤمِنة بالتقدم والوحدة. ولا يُمْكِن بأي حال جعل الفردانية مُلابسة للجماعة، على عكس ما يذهب إليه جون بيسيير من أن «الفرد يُؤكد خصوصيته في الوقت الذي يُشارك فيه في المقولة الجماعية»؛ فلا يُمْكِن الجمع بين الخلق الشخصي والجماعة والأزمان الإنسانية. والسبب في هذا أن التمثيل الأدبي يُظهر تمزق الانسجام القديم بين الفرد والجماعة، لكن هذا التمثيل تام بوسائل المُجتمع البورجوازي (غولدمان). لقد أثرت هذه الوسائل في إنتاج الأدب واستهلاكه، وتَشَكلِ أنواعه المُختلفة. وحتى يتحقق فهم تكون الأدب في العصر الحديث، لا بد من العودة بالأمر إلى بدايات تشكل عصر النهضة، وضبط سياقات الإنتاج الفني؛ التي كان لها كبير الأثر في نشوء بنيات التخييل في كل الفنون؛ فنظام الرعاية الذي كان سائدا قبل عصر النهضة كان يرسم للتخييل موضوعاته والحدود التي يتحرك داخلها، والكيفيات التي يتحقق بها. ولهذا لم يكن المُبدع (و/ أو الفنان) حرا ومُستقلا في إنتاجه. وما أن انهار نظام الرعاية ببداية تشكل المدن التجارية، وبروز ملامح النهضة الفكرية فُسح المجالُ أمام نظام جديد اضطر فيه الفنان إلى الاعتماد على قواه الخاصة في إنتاج أعماله وتسويقها. هكذا سيخرج فن الرسم من جدران الكنيسة إلى المتحف لينفتح على مُستهلك جديد، وأجواء عرض مُغايرة للأجواء الدينية؛ وبهذا انتقلت موضوعات الرسم من الديني إلى الإنساني، وصار رسم الشخصورة فنا أساسا، وكذلك رسم الطبيعة الدنيوية (مارك جيمينيز). فهنا يُمْكِن فهم تشكل الفردانية بوصفها مُحددة للفن عامة والأدب خاصة؛ فقبل عصر النهضة، لم يكن مسموحا الحديث عن مفهوم الخلق الفني، إذ كان العمل الفني يُعَد ما أودعه الله في نفس الفنان. وبهذا لن يكُون هذا الأخير إلا وسيطا لفعل الخلق الإلهي الأول. ولن يُكرس فعل الخلق الإنساني إلا بعد أن دشنت الديكارتية قدرة الإنسان على التفكير بوصفه ذاتا مُستقلة ومسؤولة. هكذا لم يَعُد التخييل مُرتهنا بالاستجابة لمتطلبات مُتعالية عليه أو معيارية تحد من حريته. وقد ترتب على هذا أن صار التخييل أكثر جنوحا نحو المُغامرة الفردانية التي تتأسس على تجاوز السابق ورفض التقليد؛ فما أطلق الأدب من قمقمه يكمن في هذا السياق. إذا كان الأمر كذلك، فما المُواصفات العامة – إذن- التي تخصص هذا الانعطاف؟ تُستحسن الإشارة – قبل التطرق إلى هذه المُواصفات- إلى أن استخلاص هذه المُواصفات لن يتم بمُوجب التفكير المُتعارف عليه الذي يُقيم تمييز الخاصية الأدبية من غيرها على التركيز على ملمح واحد دون غيره، بل على افتراض مجموع من التفاعلات بين خاصيات مُتعددة تُستخلص من المُمارسة الأدبية مختلفة المشارب والتجارب، وضبط أوجه التقاطع بينها. فما هي- إذن- هذه المواصفات؟ هذا ما سيحاول المقال المقبل مناقشته.
٭ أديب وأكاديمي مغربي
عبد الرحيم جيران