هل يُعد ظاهرة مَرَضية ان يعصف بالمرء حنينٌ طاغٍ، بين آونة وأخرى، إلى أيام «الماضي الجميل» في هذه الأيام «اللاجمال فيها»؟ أم أن ثمة من يتخيل وجود ضوء في آخر النفق، فينقلب إلى التفاؤل، أو ما أشبه؟
«شعراء الدار» هم شعراء «دار المعلمين العالية» ببغداد الأربعينات من القرن الماضي، ومن تفرّع عنهم وسار مسارهم إلى أن جاء الطوفان عام 2003 فانكسرت «السدة الطينية» التي كانت تحمي الدار، فلم تعد هناك من دار ولا ساكنين.
وفي بداية الحكم الوطني في العراق عام 1921 برزت الحاجة إلى تأسيس معهد لإعداد المعلمين، لأن التعليم كان من أول اهتمامات الحكم الوطني. فقام المربّي الكبير ساطع الحصري بتأسيس معهد لإعداد المعلمين في الطابق العلوي من «المدرسة المأمونية» الملاصقة لبناية وزارة الدفاع في بداية شارع الرشيد، ثم انتقل المعهد ذو السنتين إلى «دار المعلمين العالية» التي تأسست عام 1923 في الوزيرية وبقي اسمها كذلك إلى عام 1958 فغيرت حكومة عبد الكريم قاسم الإسم إلى كلية التربية. كانت الدراسة في «العالية» ثلاث سنوات، ثم صارت اربع سنوات ثم أضيفت سنة تحضيرية خامسة، ما لبثت أن ألغيت وبقيت العالية أربع سنوات، على غرار «مدرسة المعلمين العليا» بباريس، يحمل خريجوها «ليسانس» في الآداب أو العلوم، ثم تغيّر الاسم لاحقاً إلى «بكلوريوس» لكن الدار هي الدار.
في أربعينات القرن الماضي كانت «العالية» في عزّ أزدهارها. وكان الشعر علامتها المسجلة. جميع طلبتها يحتفلون بالشعر، بمن فيهم طلبة قسم الفيزياء وعلوم الحياة. هذا طالب أرمني في قسم الفيزياء يحمل نسخاً من أول مجموعات السيّاب ويدور يبيعها بين حوالي 800 طالب في الدار. والساعة العاشرة صباح كل خميس يجتمع الكل في «القاعة» للاستماع إلى شعراء الدار ينشدون قصائدهم. كانت الرومانسية في ذروة ازدهارها وكان السيّاب في بواكيره ينادي «ديوان شعري كلّه ُغَزَلُ/بين العذارى بات ينتقل». وقبل السيّاب كانت نازك الملائكة قد تخرجت عام 1944 والتحق بالدار سليمان أحمد العيسى، القادم من لواء الاسكندرونة، وتبعه عدد من أبناء بلده كانوا «طلاب البعثات العربية» . تخرّج سليمان عام 1947، وربما كان آخر من قضى دراسته في دار الثلاث سنوات. وفي تلك الاربعينات كانت «الدار» حديقة يانعة بالشعر الذي صار يعرف بصفة «الحداثي» الذي كان يعمل جاهداً للتخلص من آثار الرومانسية العليلة من أواخر القرن التاسع عشر في فرنسا. ومن الأنشطة الأدبية ـ الثقافية جماعة «اخوان عبقر» التي تأسست عام 1944 ـ 45 ضمّت الشعراء: السيّاب، نازك، عبد الجبار المطّلبي. وفي عام 1941 ـ 42 تأسس في «العالية» قسم اللغات الأجنبية. وبقيت «العالية» كليّة مستقلة إلى أن انضمت إلى جامعة بغداد بعد تأسيسها عام 1959. لكنها بقيت محتفظة بصورتها، حتى بعد تأسيس كلية الآداب عام 1952.
كانت العالية تضم عدداً من طلبة البعثات العربية إلى جانب أبناء الإسكندرونة. كان بين زملائي من الأردن: أحمد اللوزي، الذي تسلم عدداً من المراكز السياسية في عمان بعد تخرجه. وكان كذلك من تونس: أبو القاسم كرّو، المرجع في شعر أبو القاسم الشابي وما ذلك إلا لأن العالية كانت لها سمعة علمية ـ أدبية ممتازة، إلى جانب نبوغها الشعري الذي شجّع معاهد أخرى.
إلى جانب نبوغ نازك والسيّاب كان سليمان احمد العيسى له نبرة خاصة. هذا شاعر لجأ إلى العراق العربي بمعنى بعينه. ففترة الأربعينات كانت في عزّ القومية العربية، وجاء سليمان من «اللواء السليب» يحمل حماسة عروبية وجدت من يفهمها في عراق الاربعينات، وعراق الحب والغزل. لكن شعره على رقته كان لا يخلو من أجواء الحزن والتوجس على ما آلت اليه الأقطار العربية بعد التقسيمات السياسية. وبعد سليمان جاء عدد من أبناء الاسكندرونة، وكلٌّ يحمل قيثارته، ولا يتردّد في التشبيب بأية فتاة من طالبات «العالية» ولم يشعر أحد بأي حرج. فهؤلاء شباب «جاؤوا، فاستحسنوا، فشبّبوا» تحويرا لمقولة الاسكندر المقدوني. هذا «أحمد إبراهيم» من اللواء السليب أيضا، شاعر بالرغم عنه، ولكنه في قسم الاجتماع (التاريخ والجغرافيا) ولا أحسب أن ما فيها يشجع على الشعر. لكن أحمد كان محبوباً جداً، وبخاصة بسبب «عدم تسريحته» لأنه كان «يحلق شعره نمرة صفر» فكان بذلك يسترعي الانتباه بين شباب تتوهج تسريحاتهم بأنواع «البلكريم». كان يقف كل صباح في منتصف المسافة بين «دار الطالبات» وبين المطعم والمكتبة. وإذ تبدأ أسراب الطالبات بالتوجه نحو وجبة الفطور، يرفع عقيرته منشداً:
قِف بدار المعلمين ونادِ: يا لطيف الجمال في بغدادِ
وترقب مجيئهنّ صباحاً ولتكن حاضراً على استعداد
وتمر فتاتان من قسم اللغة الإنكليزية، في أناقة الصباح، فيغرّد:
أنا في قسم الاجتماع مقامي وفؤادي.. في الإنكليزي فؤادي
ثم تظهر «لميعة عباس عمارة» الشاعرة التي فتنت السيّاب وغيره، وهي تتهادى في مشيها: مشيَ السحابةِ، لا ريثٌ ولا عَجَل. ولا يتردّد أحمد إبراهيم:
ماذا جرى لكِ يا لميعة حتى انتهيتِ إلى قطيعة
لو عُدتِ الغيد الحسان لكُنتِ حتماً في الطليعة
وتتجاهله لميعة، بابتسامة، لكنه يكمل:
أنا يا لميعةُ إن عشِقتُ فإن عاطفتي فظيعة
قد تقول إن هذا من باب العبث. لكن شباب تلك الأيام كانوا شغوفين بالحب «النظيف» وبالشعر الذي يحتفل بالحب، صراحة، دون مواربة.
وسليمان أحمد العيسى كان شاعر حب من نوع خاص. كان الحب عنده ممزوجا بالوطنية وحب العروبة. فقد بدأ ينظم الشعر في التاسعة من عمره، وهو لم يعرف مدرسة سوى كُتّاب القرية، إلى أن التحق بمدرسة «جودت الهاشمي» بدمشق. وفي بغداد الاربعينات ازدهر شعره الغزلي ـ الوطني ـ العروبي. صار ينظم بالأسلوب التراثي ذي الشطرين، كما ابدع في النظم بمقاطع ذات أشطار سبعة في الغالب، وحرف روي واحد، يكون آخر شطرين فيها من قافية مختلفة وإشارة سياسية وعروبية، بارعة الامتزاج بموضوع الغزل في الأشطار الخمسة الأولى من المقطع الشعري مثلاً:
هذا هواي، ولن أفنى به شغفا
مهما استبدّ ومهما في دمي عصفا
قد كان حَسبي، لولا أن لي هَدَفا
عاهدتُ يوماً عليه النُبلَ والشَرَفا
حَسناء قد سارَت الدنيا وقد وَقَفا
شَعبي تُمزِّقه أطماعُهُم شُعَبا
فهل تلومينَ ذا روحٍ إذا غَضِبا؟
ومثل خاتمة أخرى :
أأستحيل كغيري نحوه خشبا
وأسخِط الله والتاريخ والعربا؟!
كانت آخر مرة التقيتُ سليمان شخصيا عندما كنتُ استاذاً بجامعة الإمارات في تسعينات القرن الماضي. كان قد جاء لحفلة تكريمه، فجلستُ معه ومع ابنه «معن» الطبيب في مستشفى دبي، وطال حديثنا عن الشعراء، والعالية، وأيامه التي كانت تعاني «من ضيق ذات اليد» وهو يتحدث عن ذلك بمرح وكثير من النكات. كان طلبة البعثات العربية في تلك الأيام يدرسون في الكلية بالمجان «طبعاً» مثلنا نحن المساكين. وكان يُدفع لهم «مصروف جيب» ثلاثة دنانير ونصف شهرياً، كان لا بأس بها في تلك الأيام، لأن الطالب في العالية كان «آكل، شارب، نايم» مع ثلاثة قوالب صابون «زيت غار حلبي» شهريا. لكن سليمان لم يكن لديه مثل الآخرين أهل أو أقارب في بغداد ليدعموا الثلاث دنانير ونصف شهرياً. فكّر سليمان واثنان من زملائه «غير الأغنياء» أن يحاول إيجاد عمل يكسب منه بعض الدنانير، مساء، او ليلاً. فذهب مع زميلين إلى «دار الإذاعة العراقية» في الصالحية، عارضاً على المسؤول ان يقدم مناهج في الشعر والأدب. لكن المسؤول ردّه بأسلوب غير كريم قائلاً: «ليش هاي مربط زمايل»؟ وعرف سليمان ان الكلمة جمع «زمال» أي حمار، او حيوان. فانقلب الشاعر كسيراً، ونظم قصيدة طويلة عن الحادث، لا أدري من نشرها له، فقد ضاعت نسختها مني. والقصيدة الطويلة ظهرت في كتيب بعنوان: «شاعر في الإذاعة» أذكر منها قول المسؤول:
ليس في الدار مَربطٌ لزمالٍ لا ولا بقعةٌ امتلاءِ.
يا حسرتي على الشعر والشعراء.