منذ سنة 1972، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى «العري في صحراء ليلية»، واصل القاصّ الفلسطيني ـ الأردني محمود الريماوي تطوير صوت شخصي خاصّ، ذي أسلوبية متفردة نهضت على أركان شتى متكاملة، في كتابة قصة قصيرة رفيعة، دائبة التطوّر والتحوّل. وهذه الجديدة، وبعد 12 مجموعة سبقتها، تسجّل المزيد من ملامح تلك السيرورة؛ وتؤكد، مجدداً، أن الريماوي يعرف كيف يستخدم السرد بحنكة في التقاط نموذج إنساني يلتصق بذاكرة القارئ، وكذلك في التقاط اللحظة الزمنية المناسبة التي تصلح أن تكون محورا للقصة؛ كما يعتبر الناقد الأردني د. إبراهيم خليل.
هنا مقطع أول من قصة بعنوان «قوس من نعاس»: «فيما كان النعاس يراوده عصر ذلك اليوم، فقد سأله على الهاتف أحد أصدقائه القدامى إذا كان حفل العشاء سيقام في النادي على الثامنة مساء غد الجمعة، وقد اختلط الأمر عليه، ولم تسعفه ذاكرته بشيء حول ذلك العشاء، ورأى أن أفضل طريقة للتخلص من السؤال الصعب هي الإجابة المقتضبة بالإيجاب، وهو ما فعله. وقد استذكر بسرعة ملامح الصديق اللمّاح الممعن في الغياب، وقد انقطعت صلته به منذ 15 عاماً ونيّف، وانتبه إلى أن الولائم تقام هذه الأيام لأسباب كثيرة، ليست جميعها أسباباً واضحة، واستغرب أن يتوجه الصديق السابق اليه بالذات بالاستفسار. ولم يلبث أن تلقى مكالمة هاتفية من إدارة النادي تفيده بأن الاستعدادات قد تمّت على أكمل وجه لإقامة الوليمة في الموعد المحدد مساء غد. شكرهم على الاهتمام قائلاً بعفوية إنه ليس متأكداً إن كان سوف يحضر، فأطلقت السيدة على الطرف الآخر ضحكة رخيّة هانئة، وأثنت على روح الدّعابة لديه التي تعكس كرم نفسه كما قالت».
فضاءات، عمّان 2017.