مصابيح موفرة للنور

حجم الخط
3

في محاولة للسخرية من حال بعض الزعامات الديكتاتورية، كما أطلق عليها، عبّر رسم كاريكاتيري نشر على بعض وسائل التواصل الاجتماعي، عن تلك الزعامات في صورة مصابيح موفرة للطاقة، مع إضافة عبارة، «أن لا يرغب أحد في تغييرها». الرسم الذي ضم رؤساء كوريا الشمالية وروسيا وسوريا، يطرح اسئلة تتجاوز تحديد شخصيات معينة إلى وصف حالة يفترض أنها تعبر عن نظم بسمات خاصة، أبرزها تركز السلطات في يد الحاكم، وانتشار الفساد، وتقليص الحريات، وإن كانت تلك هي أبرز السمات المتصورة فهل يصلح معها وصف «المصابيح»، وأنها موفرة «للطاقة»، والأكثر أهمية أن المستخدم لا يرغب حقا في تغييرها؟
بداية تبدو الصورة مثيرة للجدل بأكثر من أن تكون مثيرة للضحك، فتلك الحالة التي يمكن أن توجد فيها دولة ما لا تتميز على الإطلاق بتوفير الطاقة، على العكس هناك إهدار دائم للطاقة، ووضع الموارد بعيدا عن مصالح المواطن ومن أجل مصالح الأمن، الذي يتقلص ليركز على أمن النظام ويتقلص ليركز على أمن الدائرة المسيطرة على السلطة وعلى الحاكم بشكل أساسي. تلك النظم لا تنشر النور، ولكنها على العكس توفر الكثير من النور من أجل نشر الظلام، سواء أكان الظلام تعبيرا عن سلوك مباشر يعمل على ترسيخ الحكم وأمن الحاكم، أو من خلال تقليص مساحات النور والحرية وترك المساحات للأفكار والممارسات التي تنمو في الظلام وتنشر الظلام. كما أن تلك النظم لا تتميز بالاستدامة الإيجابية، فالبقاء لا يعتمد على إنجازات حقيقية على أرض الواقع، ولكن على تضييق المجال العام واستخدام الموارد من أجل تأمين تلك المساحات، بصورة تقيد رغبة المواطنين في التغيير، وتجعل ثمن الخروج للمطالبة بالتغيير مرتفعا، كما هو الوضع في حالة الربيع العربي، عندما يكون على الشعوب أن تواجه بكل خطاب الممانعة والمقاومة العربي للبقاء في كراسي السلطة. في واقع المعاناة تصبح لكل الأشياء اسقاطاتها وعلاقتها بما يحيط بالواقع من تفاصيل، يتقاطع مشهد يفترض أن يكون ضاحكا في رسم كاريكاتيري، مع واقع مصري يؤكد على توفير وزارة الكهرباء للمصابيح الموفرة للطاقة، ولكن الخبر الجديد أن المصابيح اختيارية على عكس الحديث أثناء الانتخابات الرئاسية عن اجبار المواطن على استخدام المصابيح الموفرة، بوصفها جزءا من الحلول التي طرحت للمشاكل الإستراتيجية. ولكن إشكالية النور والطاقة لا تتوقف عند المصابيح الموفرة، ولكنها تمتد للسؤال عن فكرة التغيير نفسها وفكرة التوفير وما يتم توفيره.
بدورها طرحت فكرة التغيير مع التغيير الوزاري المحدود، الذي أعلن عنه في 5 مارس 2015، والذي يدور حوله الكثير من الجدل، الذي لا يتركز على المقارنات الموضوعية وتقييم الأداء، بقدر ما يرتكز على تقديم تصورات حول أسباب التغيير نفسه، الذي يتشابه مع وضع المصابيح الموفرة في الكاريكاتير الذي ركز على الزعامات وليس على غيرهم ممن يتولى مسؤوليات تنفيذية. وكما هي العادة عندما تغيب الحقيقة والبيانات الرسمية والإحساس بالمسؤولية وبحق المواطن في المعرفة، يمتاز الجدل الدائر بالتناقض بين من يراه تعبيرا عن الحاجة لتجديد الدماء، ومن يراه تعبيرا عن غضب الرئيس من الوزراء الذين تم تغييرهم، وإن كانت تلك التفسيرات نفسها لا تتسق مع الواقع، لأن الأول يتناقض مع فكرة المفاجأة التي تم بها إخراج الحدث، في تأكيد مستمر على حالة التفرد بالسلطة والرؤية التي يملكها الرئيس، والثاني يتناقض مع تعيين وزير الداخلية المقال محمد إبراهيم مستشارا لرئيس مجلس الوزراء بدرجة نائب رئيس الوزراء، لكن تبدو الأمور أكثر بساطة عندما يعبر عنها رئيس الوزراء إبراهيم محلب، الذي رفض توضيح أسباب التعديل وقال، إنه «لا توجد أسباب معينة للتعديل الوزاري، فالتغيير هو سنة الحياة». تصريحات تبدو قريبة من نكتة سياسية أخرى لا تبعث على الضحك، وتقول إن رئيس الوزراء كمال الجنزوري بعد تغييره سأل الرئيس الأسبق مبارك عن السبب، فقال له أن التغيير سنة الحياة، وعندما سأله الجنزوري عن وضعه، قال مبارك أنه فرض وليس سنة.
نكتة مبارك تقترب من كاريكاتير النظم الموفرة للطاقة في فكرة التغيير، وغياب الأسباب الواضحة والمعايير المحددة للتغيير وتوقيته، تجعل الجدل في مساحة التكهن، ولكن على الرغم من هذا فالخطاب الرسمي حريص على ما يبدو على تأكيد نقطة أساسية وبثقة، وهي أن التغيير الوزاري لا يؤثر على المؤتمر الاقتصادي المقرر عقده في شرم الشيخ في 13 مارس، لأن مصر دولة مؤسسات. لا يبدو أن هناك إدراكا لدى أصحاب هذا الخطاب لتناقض فكرة غياب الأسباب الموضوعية والواضحة للتغيير، وفكرة دولة المؤسسات والثقة في أن ما يحدث لا يرتب تساؤلات ولا يمكن أن ينتج مشكلات. كما أن على الخطاب أن يستهدف الآخر الأجنبي أو صاحب المال بأكثر ما يهتم بتوجيه خطاب مباشر للمواطن، عما يحدث، لأنه في النهاية لا يملك تغيير «المصابيح الموفرة للطاقة» بالمعنى الذي قصده الكاريكاتير.
وكما أن الواقع لا يهتم فعليا بالتغيير ولا يتعامل معه بوصفه قيمة لها مكانتها ويفترض أن تكون له أسبابه ومعاييره، فإنه لا يهتم أيضا بنشر النور ولا يوفر الطاقة عندما يتعلق الأمر بتخصيص الموارد. في وقائع متنوعة من حوادث إرهاب وسرقة واعتداء وغيرها، لا يظهر الفاعل الحقيقي وتنتشر الكثير من الاتهامات المرسلة بدون دليل أو محاسبة واضحة، خاصة أن المتهم جاهز دوما على طريقة الملتحي الملثم، الذي أشارت إليه واحدة من الصحف من قبل. تلك الحالة من سهولة التعامل مع التغيير، بوصفه سنة حياة، والجرائم والأحداث الإرهابية بوصفها نتاج الملتحي الملثم، من شأنها الإضرار بالواقع بدرجة كبيرة مع زيادة تكلفة الخسائر وغياب المحاسبة والموضوعية.
واقع التساؤل حول ما يتم توفيره وتخصيص الموارد يبدو واضحا في حادث حريق قاعة المؤتمرات. ففي تحقيقات حريق قاعة المؤتمرات بما لها من قيمة ومكانة، وما تتميز به من اهتمام مفترض وموقع مميز، وما يفترض أن تكون عليه الدولة من استعداد في ظل العمليات الإرهابية المختلفة، تكشف تحقيقات نيابة حوادث شرق القاهرة المعنية بالحدث، عما أطلق عليه مفأجاة تتمثل في عدم وجود كاميرات مراقبة أو أجهزة انذار اتوماتيكية في الهيئة العامة للمعارض والمؤتمرات. في الوقت نفسه الذي تشير فيه إلى أن سبب الحريق هو ماس كهربائي ناتج من عطل في دائرة الكهرباء عند قيام عمال بإعداد شاي. ولكن تلك النتائج الأولية التي يتم الإعلان عنها لا تمنع من خروج نائب رئيس حزب الغد مؤكدا أن جماعة الإخوان هي المسؤولة عن الحريق، لأنها ترغب في الإضرار بالمؤتمر الاقتصادي، وما يليه من اجتماعات بين الحكومة والمستثمرين في قاعة المؤتمرات، وانها قد تكون قامت بهذا عبر موظف في المكان. ولأن لا أحد يرغب في التحدث عن الأخطاء، فلابد ان تكون الأخطاء نتاجا لأعداء من خارج مسؤولية الموظف أو الجهة المعنية، مثلها مثل تغيير الوزراء لأنها سنة الحياة. وكما حرص الخطاب الرسمي على تأكيد ان تعديل الوزارة لن يؤثر على المؤتمر الاقتصادي، حرص وزير الصناعة والتجارة، الذي تتبعه القاعة إداريا، على تأكيد أن الحريق لن يؤثر على المعارض المخطط إقامتها. أما الخسائر فحرص على نفي أن تصل إلى 300 مليون جنيه كما تتداول الأخبار بدون أن يُقدم تصور بديل.
يجمع بين التغيير الوزاري المحدود وحادث حريق قاعة المؤتمرات الكثير من السمات المصرية في الإدارة والحكم، السمات التي تقترب بدورها من الكوميديا الساخرة، حيث التغيير سنة أحيانا، وبعض البشر فرض في أحيان أخرى، والتفسير غير مهم، لأن المواطن ليس رجل أعمال وليس مستثمرا ولا يملك حرية تغيير «مصابيح» الحكم، وان كان من حقه في الحياة أن يختار استخدام المصابيح الموفرة للطاقة فإن ممارسة هذا الحق يظل رهنا بتوفر الكهرباء.
يجمع بين كل الصور خط يتعلق بالنور بالمعنى المادي والمعنوي، وبالإتاحة والتوفير بين النور والظلام. وإن كانت بعض النظم موفرة للطاقة فبعضها موفر للنور نفسه، وناشر للظلام وهادف لترسيخ كراهية التغيير، عندما يمس المناصب العليا وطبيعة النظام، وداعم له عندما يرغب في تمرير تحركات لا يهتم بأن يدرك المواطن أسبابها، أو ربما يهتم بأن يدور الكثير من الجدل حول أسبابها حتى ينسى البعض درجة انتشار الظلام وحقيقة سوء توزيع الموارد وتوفر عوامل الاحتراق الداخلية. واقع ينمو في ظل خطاب يخفف من قيمة الخسائر المرتبطة بالإدارة الرسمية ويضخم الخسائر المرتبطة بغيرهم، وكأن الدولة ليست كيانا واحدا يفترض أن يحسن فيه استخدام الطاقة والسماح بمزيد من النور في حياة المواطنين.

٭ كاتبة مصرية

عبير ياسين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية