فى كتابه «كنت رئيسا لمصر» يقول الرئيس الأسبق محمد نجيب: «المشكلة كلها تتركز في الانقلاب العسكري.. في تحريك قوات الجيش لتغيير الأمور تحت تهديد السلاح، هذا العمل في ذاته حتى لو تم تحت أعظم الشعارات التي يتبناها الشعب، لا بد أن ينتهي إلى فرض إرادة الجيش على السلطة، وانتهاء الديمقراطية، وبدء عهد من الديكتاتورية العسكرية».
مقولة يستحضرها اسم نجيب الذي أعيد له بعض الحضور الذي يستحقه وسط الاحتفالات بذكرى ثورة 23 يوليو 1952، حضور قد لا يستهدف بالضرورة استحضار الأفكار التي عبر عنها نجيب بقدر ما يهدف إلى استحضار أشياء أخرى في سيرته، قد تساهم في إضفاء مكانة على المشهد السياسى القائم.
وبشكل عام جاءت الاحتفالات بذكري يوليو، وسط خليط من الأحداث الداخلية والإقليمية، التي لا يمكن التقليل من أهميتها أو أهمية الربط بينها لمحاولة فهم ما يحدث في منطقة ما زالت تدور في مسارات تعود منها لتبدأ من جديد، وكأنها تعيد دوما سؤال الحصان والعربة، وعندما تتصور أنها وصلت إلى إجابة تبدأ في خلط الأوراق قبل أن تصل لسؤال أيهما يسبق الآخر، على طريقة هل الأمن قبل الديمقراطية؟ هل الأمن قبل التنمية؟ هل الإصلاح السياسي ضرورة في ظل المخاطر؟ هل حياة الإنسان أولوية في ظل التحديات؟ قبل أن تصل ربما لتساؤلات أكثر اهمية للبعض عن هل الوطن أهم أم الحاكم؟ وربما تنتصر للحاكم في كثير من الأحيان. وإن كانت تلك الجزئية تبدو نظرية أو غامضة للبعض، فإن الإشارة لبعض الأحداث يمكن أن يساعد في تفكيك الصورة، بداية من تناقض خطاب ثورة يوليو القومي مع اللحظة، مرورا بتحديد العدو الذي تغير عن خطاب الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، وإلقاء الضوء على نجيب وسط تساؤلات عن التوقيت والأسباب.
نقف بداية أمام مشهد عابر ومعبر يتم فيه الإعلان عن قبول مشاركة حفيد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك في فريق كرة قدم في نادي شهير، والإعلان عن مشاركة ابن الرئيس السوري بشار الأسد في الفريق الذي مثل بلده في مسابقة أولمبياد الرياضيات في البرازيل، وسط تأكيدات بأن اختيارهما تم بدون تدخلات أو محسوبية. مشهد لا يمكن أن يبتعد عن إفراز الربيع العربي، أيا كانت تقديراته والصورة التي أصبح عليها، فقمة الديمقراطية التي يتم تسويقها لنا تتمثل في محاولة تأكيد أن من في السلطة، أو كان فيها بشر يسيرون ويأكلون ويتحدثون، من دون حواجز ويشاركون في مسابقات ويخضعون لما يخضع له – نظريا- عامة الشعب، من احتمال القبول أو الرفض.
تلك الديمقراطية التي لا تتجاوز الشكل ولا تعبر عن الحقيقة في واقع ما زال محكوما بالطبقية والمحسوبية، لدرجة كبيرة، ناهيك عن علاقات المال والنفوذ، تتحول لوسيلة يتم من خلالها فرض تلك الوجوه على المواطن، الذي يجد أن عليه أن يشاهد أخبارهم بوصفها أخبار نجوم المجتمع، وليسوا شخصيات سياسية محملة بجزء من المعاناة التي يعيشها. يتحول هذا الوجود إلى تذكير للمواطن بفشل الثورات، وتأكيد على سلبية محاولة التغيير بالمجمل.
تلك الصورة الشكلية للديمقراطية تظل جزءا من تركيبة المشهد العام في المنطقة، فالأوضاع المشتعلة في فلسطين تجد استجابة لها في الجامعة العربية، بالدعوة إلى اجتماع «عاجل» مفترض بعد أسبوع تقريبا من اشتعال الأحداث، وربما يرغب الجميع في أن تنتهى الأحداث، وتتخذ إسرائيل موقفا مغايرا لا يكشف عن ضعف الموقف الذي يمكن أن يسفر عنه الاجتماع قبل انعقاده.
الشكلية نفسها تبدو واضحة في حديث رئيس لجنة الشؤون العربية في مجلس النواب المصري، الذي اعتبر انه من حسن الطالع أن يتواكب احتفال ثورة يوليو، مع افتتاح البطولة العربية للأندية في كرة القدم، باعتبار أن الرياضة -كما قال- رابط قوي بين الاشقاء العرب، من دون أن يذكر أن هذا يحدث أيضا على خلفية التصعيد في القدس، وفي العلاقات العربية – العربية التي تجاوز الحديث فيها حديث الاشقاء وروابط كرة القدم.
وفي السياق نفسه تثار التساؤلات عن التركيز على محمد نجيب، من خلال إطلاق اسمه على القاعدة العسكرية التي افتتحها الرئيس عبد الفتاح السيسي، وافتتاح متحف يضم مقتنياته، وبث الجيش لفيلم تسجيلي عنه، بالإضافة لأحاديث مختلفة عن كيف تم تجاهل دوره من أجل إعلاء دور ناصر، وغيرها من الأمور التي تبدو وكأنها تسلط الضوء بشكل واضح ومقصود على نجيب أو تنتقص من ناصر. ورغم أن الخطاب الدائر يؤكد على أن تكريم نجيب هو جزء من تكريم رؤساء مصر، يظل السؤال مطروحا، ويحتمل الاقتراب منه بصورة مختلفة في ظل المشهد الإقليمي العام والسياسات المصرية، ففي العمق هناك فوائد أخرى يمكن تحقيقها للنظام.
وبالعودة خطوة إلى الوراء كان عبد الناصر حاضرا وبقوة لدى البعض في ترشيح السيسي لرئاسة مصر، والفترة التالية لتوليه السلطة بكل ما فيها من وعود الاستقلال والرخاء المقبل. كانت المقاربة حاضرة في محاولة لتأكيد شرعية تمتد من شخص ناصر وتربط 30 يونيو بثورة يوليو، وبهذا أصبح السيسي هو ناصر الجديد، وأصبحت 30 يونيو امتداد لثورة 23 يوليو ومحاولة لتحقيق أهدافها. خطاب كان من شأنه تأسيس شرعية واكتساب شعبية. ومع الوقت تم تجاوز الحاجة لأسس شرعية قائمة، بعد أن تم قبول السيسي ونظامه، وأصبح القبول بالأمر الواقع مبررا للتحرر من خطاب التشابه مع ناصر، خاصة أن السياسات التي يتم اتخاذها لن تجد مكانها في رداء ناصر بسهولة.
في الوقت نفسه أصبح الخطاب الداخلي الذي يبرر السلبيات ويحولها إلى إيجابيات أحيانا، ويعظم الإيجابيات ويحولها إلى معجزات، مبررا آخر للخروج من رداء ناصر والتنافس معه، وهو الأمر الذي ظهر بصور مختلفة في أحاديث السيسي، مثل توجيه النقد بشكل غير مباشر لمن لا يتعامل مع تفريعة قناة السويس الجديدة، بوصفها إنجازا يتجاوز إنجاز السد العالي، بالقدر نفسه الذي تتم فيه محاولة تقديم دوره في إنهاء حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي ومحاربة الإرهاب بوصفه معركة قد تتجاوز انتصار أكتوبر نفسه.
تتعاظم قيمة السيسي عن ناصر والسادات، ولكن في الوقت نفسه تضيق سياساته عن رداء ناصر، سواء في ما يتردد عن اللقاءات السرية مع أطراف في إسرائيل، أو الترتيبات المحتملة لصفقة القرن الأمريكية، لتسوية القضية الفلسطينية، بالإضافة إلى تنازله عن تيران وصنافير، وما يدفع من سيادة مصر واستقلالها نتيجة للسياسات المتبعة، سواء مع بعض دول الإقليم أو الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي الوقت نفسه توجد لدى نجيب نقطة مهمة ربما يتم تلخيص جزء أساسي منها في ما قاله السيسي عنه، بوصفه «تصدى للعمل الوطني في لحظة دقيقة وفارقة»، الصورة نفسها التي يراد أن تقترن بالسيسي نفسه، والتي تبدو في الكثير مما ذكره عن الفرص والإغراءات التي قدمت له أثناء تولي مرسي والتحديات التي واجهها، وما كان يمكن أن يتعرض له لمجرد أنه استجاب لمطالب الجماهير من أجل تغيير النظام. وإن كان إنجاز غياب الإخوان عن السلطة يقدم بوصفه الإنجاز الأكبر للسيسي، فإن مخاطرة نجيب بالانقلاب على الملك، يمكن أن تجد لها مكانا في مخاطرة السيسي بالانقلاب على مرسي، وهي مقاربة مهمة مع انتخابات رئاسية مقبلة، وإنجازات غائبة ومعاناة حاضرة.
يبدو ميراث ناصر أثقل من أن يعبر عنه في الواقع، والمراد في اللحظة تجاوز ناصر والسادات والبقاء عند من تحمل مخاطرة الثورة، وربما يجد البعض في معاناة نجيب صورة أقرب للسيسي، والمخاطر التي كان يمكن أن يدفع ثمنها، مع ما تتيحه للبعض من انتقاد ناصر بوصفه المسؤول عن المعاناة التي تعرض لها نجيب، وهي أمور تصب في تعظيم السيسي عن الصورة التي كان يريد أن يشبهها في مرحلة سابقة. ولكن المخاطرة التي على النظام التعامل معها، أن الحديث عن الشخص لابد أن يقود للحديث عن مواقفه التي بررت أو سارعت بعملية تهميشه، خاصة مطالبته بعودة الجيش لثكناته واستعادة الديمقراطية. وإن كان الحدث ككل فرصة لتقديم تقدير ضروري ومستحق لنجيب، فإنها فرصة للتعلم من التجربة والتذكير بما قاله، وإن كان قد أكد على أنه قد دفع ثمن المطالبة بالديمقراطية، وإنه لا يستطيع أن يفعل المزيد بحكم المرض والسن، إلا أنه أكد أيضا على أن «الشعوب التي تعوض شيخوختها بشبابها وماضيها بمستقبلها، تملك الفرصة الذهبية في تغيير واقعها السياسي والاقتصادي والاجتماعي»، تغيير قد لا يكون قريبا ولكنه أمل لابد من التمسك به من أجل مستقبل أفضل يتم فيه إعلاء الديمقراطية الحقيقية بديلا عن الشكل الديمقراطي والوعاء المزخرف والمحتوى الفاسد للأشياء.
كاتبة مصرية
عبير ياسين