مصر بين السلام الدافئ والحكم القاسي

حجم الخط
6

في الوقت الذي كان يتحدث فيه الرئيس عبد الفتاح السيسي عن أهمية محاربة الإحباط والعمل على بناء سلام أكثر دفئا مع إسرائيل، عبر إعطاء الأمل للفلسطينيين والأمان للإسرائيليين، كانت وسائل التواصل الاجتماعي وبعض المواقع الإخبارية تنشر رسالة للطالب عبد الرحمن الجندي الصادر بحقه حكم من محكمة الجنايات بالسجن لمدة 15 عاما.
كان الرئيس يتحدث عن أهمية الأمل، وعبد الرحمن، الذي تم إلقاء القبض عليه هو ووالده بشكل عشوائي في 6 أكتوبر 2013 وحكم عليه بعد عام من الحبس الاحتياطي، يؤكد على أنه انطفأ ويرجو أن يخرج من السجن حيا أو ميتا.
كان الرئيس يتحدث عن خبرته الممثلة في معرفة واقع ما قبل وما بعد معاهدة السلام مع إسرائيل، وكيف تغيرت الحياة إلى الأفضل، وكان عبد الرحمن يتحدث عن القهر وما يشعر به بعد أن تحول لصرصور يتم سحقه تحت الأقدام كما تسحق العدالة تحت أقدام الظلم.
كان الرئيس يتحدث عن ضرورة اغتنام اللحظة حتى ترى المنطقة «العجب»، وكان عبد الرحمن يشير لعجب من نوع آخر وهو يتحدث عن مستوى الظلم القائم، وكيف يستطيع من يمارس الظلم أن يمارس حياته بشكل طبيعي على جثث أمثاله «من الصراصير».
كان الرئيس يتحدث عن ضرورة أن تصدق الأطراف المستهدفة دعوته بناء على الثقة فيه، ولسان حال خطاب عبد الرحمن أن وعود الإصلاح والعيش والحرية والعدالة لم تتحقق، وأن الثقة لا تمنح بدون اختبار حقيقي على الأرض. كان الرئيس يتحدث عن ضمانات مصرية غير معلنة للشعب، ولسان حال عبد الرحمن وغيره من قصص الظلم وسوء المعاملة، أن ضمانات العدالة غائبة في الداخل، وأن المواطن يحتاج لضمانات تؤكد على حقه في أن يعامل بوصفه الانساني، وأن يتمتع بما يفترض أن يحصل عليه من حقوق وحريات وربما بحقه في سلام دافئ أيضا.
جاء حديث السيسي عن السلام في حفل افتتاح محطة كهرباء أسيوط الجديدة في 17 مايو 2016، وعلى الرغم من أهمية وخطورة الموضوع، إلا أنه أكد على ارتجال الحديث، من دون إعداد مسبق، وهو الأمر الذي أثار تساؤلات حول سبب وضرورة طرح الموضوع في هذا التوقيت، وفي حدث لا يمت للشأن الخارجي أو الفلسطيني. وتتمثل أسباب الاهتمام، كما يفهم من السياق، في زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس (8 مايو)، وإعلان دولة إسرائيل (14 مايو) وذكرى النكبة (15 مايو)، بالإضافة للجهود الفرنسية لعقد مؤتمر خاص بعملية السلام. ولعل السؤال المنطقى يظل عن سبب عدم إعلان تلك المبادرة – إن صحت التسمية- خلال زيارة عباس، أو في فترة سابقة على المؤتمر المخطط لإحياء عملية السلام، أو عبر تصور مصري رسمي بدلا من أن تطرح على هامش حدث محلي وبشكل غير مرتب يتعارض مع قيمة الموضوع وما حمله من التزامات ضمنية.
ويثير الاهتمام ما اتسم به الحديث من سعادة ظاهرة، خاصة وهو يؤكد على أن التوصل لسلام في تلك المرحلة من شأنه أن يحقق أكثر مما حققت معاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية، في محاولة لتقديم إنجاز يتجاوز إنجاز الرئيس الأسبق محمد أنور السادات، كما حرص في احتفال حصاد القمح في الفرافرة على تأكيد أن المشروعات القومية التي يقيمها تتجاوز مشروع السد العالي الذي أقامه الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر. جاء خطاب أسيوط ليؤكد على تجاوز إنجازات ناصر والسادات في البناء والسلام، مع تقديم نفسه للخارج بوصفه القادر على اتخاذ خطوات غير مسبوقة، استنادا إلى ما يتمتع به من تفويض وشعبية تجعل تلك اللحظة «فرصة عظيمة» لحل القضية الفلسطينية رغم صعوبة أوضاع المنطقة.
تجاوز الرئيس في خطابه عدة نقاط أساسية، خاصة عندما أشار لذكرى النكبة بوصفها لحظة فيها «ناس بتحتفل بالانتصار والاستقلال.. وناس بتحتفل بالانكسار والانهزام». وبعيدا عن ربط الانكسار والانهزام بالاحتفال، وكأنها حدث إيجابي، فقد كان مثيرا أن يعتبر إعلان دولة إسرائيل لحظة استقلال وكأنه حديث عن دولة خاضعة لاحتلال عربي وحصلت على استقلالها. بالإضافة إلى إشارته للدولة الفلسطينية، من دون الإشارة للقدس الشرقية بوصفها عاصمة تلك الدولة المستهدفة.
وجه الرئيس حديثه للأطراف الخارجية، مؤكدا على أنه يتكلم من خلال الحضور، فهي مناسبة لتوجيه رسالة للخارج أكثر من أن تكون رسالة للمواطن. ولم يتجاوز المعلن الحديث عن أهمية مواجهة الإحباط الفلسطيني وتحقيق الأمل والأمن للطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، وتأكيد أن حل»المسألة الفلسطينية» يتمثل في إعطاء «أمل للفلسطينين في إقامة دولة» وأن تكون هناك «ضمانات»، مؤكدا على استعداد مصر لتقديم تلك الضمانات التي لم يعرفها، ومؤكدا على أن الحل سيحقق سلام أكثر دفئا.
ويبدو أن المستهدف هو التعامل مع الحديث بوصفه إعلانا عن النية في وجود دور، مع الاكتفاء بتقديم قشور التصور المحتمل لهذا الدور، والسكوت عن القضية الأكثر خطورة، وهي طبيعة الدور المصري في التسوية المحتملة والضمانات المقدمة والأوراق التي تملكها مصر، سواء للضغط على الفصائل الفلسطينية أو إقناعها بالتوصل لاتفاق موحد في ما بينها من جانب، وعلى دفع جهود إحياء السلام الفلسطيني- الإسرائيلي من جانب آخر.
ويزيد من خطورة الخطاب الأساس الذي يعتمد عليه لتأكيد قيمة رأيه، حيث أكد أنه يتحدث من تجربته بوصفه «إنسانا عاش تجربة ما قبل 67 و73 و1977 وعايش لغاية دلوقت» في حين أن «نصف المصريين وتقريبا نصف العالم الموجود ما يعرفش الأحاسيس اللى كانت موجودة في الفترة ده كانت عاملة ازاي».
هذا التصور لمعرفته المتفردة بأحاسيس المرحلة، لدرجة تجعله يتجاوز نصف الشعب والعالم شديد الخطورة في تصور الضمانات التي يمكن أن تقدم باسم مصر، في ظل تمييزه بين ما سماه «إرادة قيادة، وإرادة رأي عام»، وتأكيده على أن الرأي العام «جزء كبير منه ما عاش التجربة اللي أنا بتكلم عليها» وهو تحديد خطير لأنه يمهد للتفرد بالقرار في إطار عدم معرفة الشعب، بالإضافة لوضعه في سياق رأي عام يمكن التأثير على كيفية حسابه في القضايا المختلفة.
بالمجمل، هناك ضمانات غير معلنة، ودور غير واضح، ورأي عام هامشي لأنه لا يعرف. ولهذا يبدو من الطبيعي أن يتجه الخطاب للأطراف الخارجية التي يطالبها بأن تسمع وتستغل الفرصة وتعيد إذاعة خطابه على شعبها، أما حديثه للشعب المصري فهو حديث الصدفة العابرة. كما يزيد من تلك المخاطر ربط التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير بخطة أكبر لتوسيع معاهدة السلام وضم أطراف خليجية وتدويل خليج العقبة، وهي تحركات تفيد أطرافا اخرى وتضر بالموقف المصري الإستراتيجي والقيمي والتاريخي، بالإضافة لكل ما يتردد من مخاطر تسوية القضية الفلسطينية على حساب مصر، من خلال ضم أجزاء من سيناء لقطاع غزة، وهو الخطاب الذي يتكرر في الداخل الإسرائيلي وفي صورة تسريبات لا تساعد حالة الغموض المصرية على استبعاده بدون بيان رسمي وموقف معلن يوضح طبيعة الدور المتصور والضمانات التي يمكن أن تقدمها مصر، خاصة أنها لا تملك بحكم وضعها الاقتصادي القدرة على تقديم مساعدات مالية، كما أن علاقتها بالفصائل الفلسطينية ملتبسة بدورها.
تقف مصر بين خطاب للخارج يؤكد على أهمية محاربة الإحباط وبناء الأمل والأمن، وخطاب من الداخل يؤكد على فقد الأمل والبحث عن مخرج للظلم حتى إن كان بالموت. تلك المفارقة لا تتوقف عند تهميش المواطن ودوره، وتأكيد عدم معرفته حتى بأحاسيس فترة الهزيمة والانكسار أو إنكار معرفة الشعب الكافية بكل ما مر خلال العقود الخمسة الأخيرة، ما قبل وما بعد عملية السلام. فتلك المفارقة تظهر في خطاب الرئيس وهو يعيد التأكيد على أن مصر لا تسعى لريادة أو منافسة قبل أن يقول «هنفضل تكبر ونعمر لآخر يوم حتى تأخذ مصر مكانها الذي تستحقه بين الأمم»، وهنا يبدو السؤال المنطقي عن تلك المكانة التي تستحقها، وهي لا تسعى لريادة أو منافسة، وتبدو في مرحلة الوساطة من أجل تمرير مشاريع أقليمية على حسابها في الحاضر والمستقبل.
وإن كان الرئيس يدرك أن مرحلة غياب التسوية «مكتوبة في التاريخ بأسلوب قاس جدا ومؤلم» فمن الضروري أن يفكر كيف سيكتب التاريخ تلك المرحلة من حكم مصر؟ وكيف سيكتب عن الأمل والإحباط، وعن الحياة والاستقرار في عهده؟ والمؤكد أن السلام الدائم والمستدام لا يمكن أن يتم تمريره عبر تسويات غير عادلة، وان أي تسويات أقليمية على حساب مصر لن تكون قابلة للاستدامة. وأن تصور نصف الشعب الجاهل بمشاعر الهزيمة والانكسار لا يتماشى مع أصوات الشباب الرافضة للتنازل عن الجزر والرافضة لتجاوز الحريات، لأن مشاعر الكرامة أو الانكسار الوطني لا تحتاج لخبرة معايشة بالضرورة ولا تورث ولا تعلم في مدارس ولا ترتبط بعمر وشهادات ميلاد.

٭ كاتبة مصرية

مصر بين السلام الدافئ والحكم القاسي

عبير ياسين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية