أعود مرة أخرى إلى حديث التفاؤل والتشاؤم في الساحة المصرية، وهو الحديث الذي يتجاوز التعليقات العابرة على مواقع التواصل الاجتماعي أو التعليقات الساخرة لخطاب رسمي وانشغال حقيقي من قبل السلطة التي ترى جزءا من الواقع من نظارة التفاؤل وتحاسب وترفض النقد والمعارضة بوصفه وليد التشاؤم دون أن تحاسب سياساتها وإدارتها على المشاكل المتراكمة التي يعاني منها الوطن والمواطن. خطاب بدا واضحا من حديث وزير الأوقاف الذي اعتبر أنه متفائل على هامش تشكيل حكومة محلب الثانية في 2014، لقضايا واتهامات تتعلق بالانتماء لما أطلق عليه تنظيم نشر التشاؤم، وصولا إلى تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي في الولايات المتحدة الأمريكية والتي أكد فيها على أن التقدم الجاري إحرازه يدعو إلى التفاؤل.
جاء حديث السيسي أثناء لقاء مع عدد من ممثلي الجالية المصرية في مقر اقامته في العاصمة واشنطن في نيسان/أبريل الجاري. أما الانجاز المقصود، فيتعلق بما تحقق في تطوير البنية التحتية في مجالات الشبكة القومية للطرق والكهرباء والغاز كما نقلت الأخبار. وهو انجاز حرص الرئيس على ربطه بما أسماه قلة الموارد، وصعوبة الأوضاع. الأوضاع نفسها التي مثلت فرصة للتأكيد على صبر وتماسك الشعب المصري رغم التحديات التي واجهته بعد تعويم العملة المصرية (الجنيه). وبهذا انتقل السيسي من حديث الانجازات والتفاؤل للتأكيد على حسن قراراته مشيدا بقرار تعويم الجنيه الذي «وضع الاقتصاد على الطريق السليم»، وعلى الإشادة بالشعب الذي يمثل تماسكه – وفقا لرؤية السيسي- جزءا من علاقته الخاصة بالرئيس وليس جزءا من طبيعة الشعب المصري ولا طبيعة التحديات التي تتراكم عليه ولا ما عرف عنه من صبر بدليل قلة الثورات أو التحركات الكبرى التي يقوم بها وليس العكس كما يريد لنا البعض أن نصدق من أجل تضخيم الحاكم.
الغريب، وكما كان الوضع مع تصريحات وزير الأوقاف، أن حديث السيسي عن الانجازات وما يرتبه من تفاؤل لم ينتج حالة التفاؤل المفترضة. بالطبع لدى السيسي والمقربون منه والمدافعون عنه القدرة على الإشادة بتلك الكلمات كما يحدث مع غيرها، خاصة وأنها تأتي في لحظة يشعر فيها بالسعادة في ظل وجوده في الولايات المتحدة واللقاء مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أول لقاء مع رئيس أمريكي بعد ما قيل أنه تجاهل الرئيس السابق باراك أوباما لدعوة السيسي للقاء بشكل رسمي بعد توليه السلطة على خلفية وضع الحقوق والحريات وغيرها من الأمور المتعلقة بالحكم.
كما أن التفاؤل لم ينتج من تراكم حديث الانجازات في خطابات السيسي بشكل عام، والتي لا تركز على سياق الأحداث بالضرورة، ولا تهتم بوجود شهداء على هامش اللقاء أو غيرها من الأمور والأحداث المهمة لأن المطلوب هو التركيز على حديث الانجازات والتعامل مع الواقع من خلال نظارة التفاؤل التي يمكن للنظام تقديمها مجانا للجميع من أجل ضمان التأييد والتفويض المفتوح ان استطاع الوصول إلى إنتاجها فعليا.
جاء حديث الرئيس عن التفاؤل والانجازات على هامش ترويج زيارة أمريكا واللقاء مع ترامب بوصفها انجازا وتأكيدا على الزعامة والدور المصري. تلك الزعامة والدور تردد الحديث عنهما أثناء معركة وزير الخارجية الشهيرة مع مايكرفون قناة «الجزيرة» وعندما غادر السيسي جلسة القمة العربية حين بدأت كلمة أمير قطر. ولا تعرف تحديدا ما هي العلاقة بين الزعامة في السياسة الدولية وتلك المواقف التي لا تختلف عن ردود فعل غاضبة لشخص في حياة عادية وليس لدولة وكيان يفترض أنه بتلك القيمة والمكانة. ولا كيف تتحول الدولة الرسمية وإعلامها لإدارة معركة على قناة «الجزيرة» بسبب فيلم عن التجنيد الإجباري في الجيش قبل اذاعته، بكل ما ارتبط به هذا الموقف من دعاية مجانية للفيلم. ورغم أن تلك التحركات يتم تضخيمها من قبل الإعلام المؤيد للسلطة وتحركاتها، فأنها في النهاية معارك لا تليق بالمكانة والزعامة المفترضة.
يأتي الحديث عن الانجازات والتفاؤل على هامش اللقاء مع ترامب بكل ما يحمله من تراجع لملف الحقوق والحريات والديمقراطية ليس في مصر وحدها ولكن بشكل عام. ولا يقصد بهذا الايمان بأن الحرية والديمقراطية ونشرهما هدف أمريكي مثالي ليس له أجندة سياسية، ولا أن الضغوط الخارجية هي وسيلة تحقق الحرية والديمقراطية الوحيدة للدول أو أنها قرارات تفرض بضغوط خارجية وليست نتاج وعي ورغبة شعبية حرة، ولكن الفكرة الأساسية تتعلق بموقف الرئيس الأمريكي من تلك الأمور وطبيعة الشخصيات التي يتحالف معها والمواقف التي يدافع عنها والتي تشهد تراجع قيمة تلك القضايا في السياسة الأمريكية. بدوره يمثل اللقاء أو ترامب فرصة لنظام السيسي للحكم بدون ضغوط خارجية، وتسويق رؤيته بوصفها الرؤية الوحيدة السليمة والاستشهاد بفكرة القبول والمكانة الدولية كما يحدث على هامش الزيارة لتسويق خطاب الزعامة وتأكيد هالة الفرد على حساب الجميع وعلى حساب الوطن.
في الوقت نفسه فإن جزءا أساسيا من موقف ترامب يتعلق بالملفات التي يمكن أن تقوم فيها مصر بدور وخاصة القضية الفلسطينية والملف السوري وتشابكات الحرب ضد «داعش» وما يخص تشكيل تحالف عربي قريب من إسرائيل في مواجهة إيران. كل تلك القضايا ومع تفهم أهميتها تظل إشكالية وخطيرة في ما يتعلق بالوضع المصري وخاصة في ظل غياب الديمقراطية والشفافية والمحاسبة من جانب، مع التفرد بالسلطة وتركيز الكثير من الجهود لتأكيد صوت الفرد على حساب الوطن والمواطن من جانب آخر. هذا الوضع والذي لا يمكن استبعاده عن ملف التعامل مع جزيرتي تيران وصنافير وعلاقة ملف الجزر بالتحالف العربي مع إسرائيل وتمرير تلك العلاقات عبر إدخال السعودية بوصفها طرفا مباشرا في معاهدة السلام، يظل شديد الخطورة عندما يتعلق الأمر بمصلحة مصر وشعبها. يضاف لهذا أن جزءا كبيرا من الأحداث تتم خلف الأبواب المغلقة وفي اجتماعات سرية ويفترض بعد هذا أن لا يعرف المواطن وأن عرف لا يهتم وأن اهتم يتوقف بمجرد أن يصدر الرئيس أوامره العسكرية بالتوقف عن الكلام.
تدار السياسة في مصر وكما قال الفيلسوف والشاعر الفرنسي بول فاليري بوصفها «فن منع الناس من التدخل فيما يخصهم»، وهو هدف تسعى له السلطة بشكل واضح بداية من حديث التفويض وتجديده، إلى حديث العلاقة الخاصة مع الشعب، والتعامل مع الأحداث على أساس ان الرئيس مصدر الكون وما حوله تفاصيل تدور في فلك أفكاره وسياساته وعلى المواطن أن يؤيد ويفوض، أما ان زادت معاناته فعليه أن يلتزم فضيلة الصمت وله في حديث الثلاجة عبرة وقدوة.
وفي الوقت الذي يؤكد فيه خطاب السلطة على التفاؤل ومتانة أسبابه لا يمكن التجاوز عن ما يراه الشعب من واقع ضاغط وربما دافع للتشاؤم وهو الأمر الذي يظهر بتجلياته في الكثير من التفاصيل التي ينقلها أحيانا الإعلام المقرب من السلطة على طريقة تفريغ القدر ومحاولة ربط السلبيات بأشخاص يمكن استبدالهم لتخفيف الغضب مثل الوزراء أو غيرهم من المسؤولين حتى يتم الحفاظ على المكانة التي تخلق للرئيس فوق الجميع. تظهر في الإعلام دموع سيدة لا تستطيع توفير ما يكفي لطعامها من معاشها في ظل ارتفاع الأسعار، ويؤكد من قبض عليهم بعد محاولة سرقة أن ما حدث لم يكن إلا التصرف الوحيد بعد ان أصبح سعر كيلو السمك 50 جنيها! بالطبع ليس المطلوب تبرير أسباب السرقة أو البحث عن مبررات للجرائم، ولكن يظل من المهم إدراك أن خطاب الانجازات لا يلمس حياة الناس، وخطاب التفاؤل لا ينتج احساسا حقيقيا به، أما الاتهام بنشر التشاؤم فسوف يطال أعدادا أكبر من الشعب أن تم التوسع فيه وربما تتحول أجزاء إلى سجن بتهمة الحديث عن الواقع ومعاناة الحياة اليومية.
يقول نجيب محفوظ في رواية «الخريف والسمان» 1962 «إننا نستنشق الفساد مع الهواء، فكيف تأمل ان يخرج من المستنقع أمل حقيقي؟». وبعيدا عن الفساد والكثير من السلبيات التي تحيط بنا وبحديث التفاؤل، يظل السؤال عن الأمل منطقيا باعتبار ان التربة وأفرازاتها لا يمكن أن تنتج الأمل أو تثمر التفاؤل بدون تغيير حقيقي. والعزاء دوما أن الروح لم تصمت بعد، والنقد وحتى خطاب المعاناة نفسه دليل على البحث عن حياة أفضل والاحساس بأن المعاناة مسؤولية شخص أو نظام ما وأنها ليست قدرا فرض على الوطن وهو ما يجب التمسك به والبناء عليه.
عبير ياسين