ربما لا أكون شخصا متفائلا بالمطلق، ولكن المؤكد أن لدي قناعة مطلقة بأن النهايات العادلة لابد أن تكون مختلفة عن نهايات الدراما المصرية التي تنتهي بانتصار الظالم وقبول الضحية لفكرة الظلم وما يفترض أنه لحظة ندم الظالم.
ترسخ تلك النهايات فكره انتصار الظالم وخسارة الضحية في مشهد مشابه لحالة مصر مع الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك ونظامه، ومن يقبع داخل سجون المحروسة ومن هو خارجها، ومن تصادر أمواله أو يمنع من التصرف فيها ومن لا تمس أمواله ولا يحاسب على طرق الحصول عليها وتضخمها ويعيد استخدامها والحصول على مميزات الدولة التي لا ينعم بها عموم الشعب من أجل المزيد من الثراء والقوة والنفوذ. نهايات مأساوية تربت عليها الجماهير وأصبحت عبر الوقت جزءا من لسان الحال الذي يؤكد في المثل الشعبي أن هناك عينا وحاجبا وأن العين لا يفترض أن تعلو على الحاجب في ترسيخ للطبقية وقبول التمييز وغياب المساواة المفترضة بين البشر، سواء على أساس المساواة الانسانية في عمومها أو على أساس المساواة بين المواطنين داخل الدولة.
الإيمان المطلق بأن هناك نهاية للظلم مثلما توجد نهاية لليل، وبأن العدالة الغائبة والظلم القائم لابد أن يصل لنهاية يوما يتسلح بأشياء كثيرة في الحياة تمثل على طريقة الرائع صلاح جاهين «زمزمية أمل» تحتاج لتجديد مياهها حتى لا تفسد ولا تتعرض للجفاف وتكفي «لباب القبر». وللحفاظ على «زمزمية الأمل» لابد من البحث عما يجدد مياهها، ولهذا تتحول كل لحظة انتصار انساني لقطرات ذات قيمة لا تنافسها فيها أثمن الأحجار الكريمة لأنها تغذي جزءا أساسيا من قيمة الحياة ومعنى الكلمة وحق الناس في حياة أفضل نابعة من قيمتهم الإنسانية ذاتها.
تلك القيمة المرتفعة لمحتويات «زمزمية الأمل» هي سبب صعوبة الحصول عليها، خاصة في وضع المحروسة الحالي، الذي تزداد فيه المشكلات ويولد عن كل أزمة أزمات وتتفرع كل مشكلة لمشكلات أخطبوطية الطابع تلف أذرعها بشدة حول المواطن الذي تجاوز مرحلة الطحن بمراحل. ورغم صعوبة المهمة تظل هناك بقايا في «الزمزمية» قادرة على دفع عملية البحث عن المزيد من القطرات النفيسة خاصة كلما سنحت الفرصة وكان من الطبيعي – نظريا – أن تتسم الأجواء بالإيجابية، مثل أجواء الاحتفالات والأعياد.
ولهذا أكون أحيانا اكثر حرصا على متابعة الأخبار وردود الأفعال، والسخرية الدائرة وكيفية تقبلها خلال تلك الفترة. وضع لم يختلف خلال فترة عيد الأضحى التي مثلت فرصة للبحث عن قطرات الأمل الثمينة، والتنقيب عن السعادة الحقيقية في عيون البشر. ولكن للأسف حافظت السخرية على التواجد ولكن بريق عينيها كان حزينا وبدلا من أن نكون أمام سخرية سعيدة ومبهجة امتازت سخرية المصريين في العيد – بدرجة كبيرة- بأنها سوداء. كانت سخرية مصرية بامتياز شاهدنا فيها قدرة المصريين على السخرية من الذات والسلطة وعلى تصديقهم للسلطة أو تصور السلطة تصديقهم لها رغم أن كذبها معروف وأخطاءها شديدة الوضوح. ورغم أن تعاملي مع السخرية دائما مركب وقائم على الاعتراف بما لها من إيجابيات والتأكيد على ما تحمله من مخاطر، فإن تواجد السخرية في مشهد العيد وما سبقه من أزمات مثل قطرات أمل قليلة ولكنها غالية، لأنها أكدت على بقاء القدرة على السخرية وبقاء الروح الساخرة رغم كل القمع والظلم والمعاناة.
كانت كوميديا العيد أو السخرية من الأزمات التي ظهرت خلاله أو سبقته هي هدية العيد «العيدية» لزمزمية الأمل. ورغم كل الألم كانت قادرة على توصيل رسالة مهمة للسلطة وهي أن الأزمات وتعاقبها، وأذرع الأخطبوط الخانقة لم تصل إلى الروح المصرية الثائرة بعد. كانت رسالة غير مباشرة أن روح الثورة حية لأن أسبابها لازالت قائمة وتتعمق. وكانت في حضورها قريبة من أسطورة النسر المحلق في بحيرة رواية «موسم صيد الزنجور» للأديب المغربي المتميز إسماعيل غزالي، حيث الأسطورة قادرة على تغذية روح الثورة، أما الوطن فمثل البحيرة قد تخضع أحيانا لكنها «لا ترتضي أي صياد كيفما اتفق». قد يرى البعض أنه خطاب نظري وأن البحيرة أو الوطن هنا قد خضع بالفعل لمن مارس الصيد من أجل مصالحه على حساب الوطن نفسه لعقود. ولكنه قياس قائم على حساب مختلف للزمن يغيب عنه عمق الصراع ووجود نهاية وما قبل نهاية غير النهايات الدرامية، ولحظة محاسبة يفترض أن تتحقق عندما ترفرف روح الأسطورة أكان نسر الرواية أو روح يناير المحلقة بأجنحة الحرية والعدالة الاجتماعية لأن الإنسان جدير بتلك القيم. ولعل ردود الفعل على خبر إيقاف مجموعة مسلحة لعربة محملة باسطوانات الغاز في محافظة سوهاج وقيامها ببيع الاسطوانات بسعرها المفترض لأهل البلدة وتسليم الأموال والاسطوانات الفارغة لسائق السيارة وتركه يغادر، خير دليل على روح الثورة المنتظرة حيث شبه البعض من قام بالفعل – بدون إخضاعه للتقييم أو الدخول في جدل صدق القصة من عدمه- بروبين هود أو علي الزيبق من التراث الشعبي المصري، مؤكدين أنه الحل في مواجهة تصاعد الظلم.
العدل والظلم قضايا لا تغيب عن التعامل مع الأزمات الأخرى للفترة نفسها من كوميديا لحم الحمير، للتعامل مع ما نشر عن سلبيات الأغذية المصدرة للولايات المتحدة الامريكية، لكوميديا بدء ارتفاع أسعار الكثير من السلع والخدمات مع تطبيق قانون ضريبة القيمة المضافة، بما تمثله من معاناة إضافية.
واقع يطرح بدوره نكتة قديمة يوجه فيها السؤال إلى أحمق حول أيهما أفضل الفقر أم الغنى؟ ليرد بثقة أن الفقر أفضل لأن ما نعرفه أفضل مما لا نعرفه! رد يعبر عن حالنا مع الفقر والفساد والظلم والقهر وغياب أبسط الحقوق والقواعد وغياب العدالة الاجتماعية وروح القوانين وغياب المساواة في الفرص والتمييز في التقشف والمعاناة.
يضاف لهذا رغبة السلطة ومن يؤيديها في التعامل مع السلبيات بوصفها نتاجا لثورة ٢٥ يناير من أجل تغييب فكرة وفعل الثورة في صورتها المرتبطة بيناير فقط. وضعية تبدو واضحة من حديث مغلوط ومكرر يؤكد أنه ليس في الإمكان أحسن مما هو كائن، وأن الفساد فساد شعوب وليس فساد حكام وإدارة، والكوارث المتكررة نتاج لثورة يناير، في حين كانت يناير ولازالت كاشفة عن الكثير من القبح، كما كانت التحديات الناتجة عن هذا القبح وآليات التعامل معه كاشفة عن وجود أخطاء في الكثير من الثوابت المصرية والحاجه لمحاسبة ذاتية تتجاوز فكرة تحميل المواطن بالاخطاء وتبرئة أصحاب السلطة، وتتجاوز الثقة المطلقة في بعض مؤسسات الدولة التي تم التعامل معها لفترات طويلة بوصفها مطلقا لا يتعرض للفساد ولا لما يتعرض له الوطن في عمومه من تجريف واخطاء اختيار وتصعيد كما هو الوضع في القضاء والخارجية والجيش.
تظهر السخرية من تلك المؤسسات مريرة أحيانا كما ظهرت في التعامل مع الجيش خلال فترة العيد وقبله، خاصة مع تصاعد أزمة نقص ألبان الأطفال المدعمة التي أدى تدخل الجيش فيها لطرح الكثير من التساؤلات حول أسباب الأزمة وطريقة التعامل معها، وخطط المستقبل فيما يتعلق بالجهات المستوردة في حضور واضح لنظرية المؤامرة وعدم الثقة من قبل الجماهير في النظام. كما تثير الجدل حول آليات الحصول على تلك الألبان في المستقبل والحديث عن سيارات الكشف على السيدات في الشوارع وما اثارته من انتقادات، وتطرح تساؤلات ضرورية عن تخصيص الموارد وصناعة القرار واستراتيجية الصدمة في اعلان القرارات بعد مرحلة اشاعات وتسريبات مكررة تمثل بالونة اختبار لقرارات تستقطع المزيد من الحقوق والحريات أو المساحات العامة أو بقايا الدعم وفرص الحياة وسط أخطبوط الأزمات والأسعار المتزايدة.
في الوقت نفسه الذي تكررت فيه الإشارة لمقولات تؤكد على قدرة الأصغر سنا على انتقاد الرئيس عبد الفتاح السيسي أو الجيش بدون معارضة تذكر من الأكبر سنا مقارنة بما كان عليه الوضع في ما سبق، وهو الأمر الذي تم إرجاعه للفشل المتكرر في إدارة الدولة بما أدى لتراجع الدفاع المطلق والتحول لقبول النقد أو قبوله والمشاركة فيه. ربما يكون الكثير من التفاصيل سوداء ولكن استمرار القدرة على السخرية من الذات ومن السلطة وفشلها يظل جزءا من بئر الأمل الذي لا ينضب لانه في مكان سري داخل بحيرة الروح المصرية التي لا يستطيع أحد ترويضها مهما حاول ومهما مارس فيها الصيد فهي مثل بحيرة الرواية تمارس حقها في خداع الصياد والترحيب بمن يحق له الصيد. ومن تلك البئر يمكن لنا جميعا أن نضيف بضع قطرات من فترة إلى أخرى في زمزمية الأمل علها تكون قادرة على تجديد الوطن في انتظار روح العيد عندما تشرق بما تحمله من سعادة وعدالة ورخاء وحرية للجميع.
*كاتبة مصرية
عبير ياسين