مصر وتأملات في مواجهة الطائر وسماء الحرية

حجم الخط
3

لا أنكر إعجابي بالعديد من المقولات والمعاني التي يمكن الوصول إليها عبر قصيدة شعر أو قصة أو عمل درامي ما، سواء في معناها المباشر أو غير المباشر. 
ولكن كل تلك الأشياء تظل في مساحة النقاش الذاتي، بعضها يؤثر بقدرته على الوصول والتعبير عما ترغب في قوله، وبعضها يؤثر بقدرته على طرح الأسئلة مثل النهايات المفتوحة التي تترك الحكم للجمهور، حيث يمكن له أن ينتصر للنهاية التي يرغبها، وبعضها يؤثر في مساحة الاختلاف معه وقدرته على طرح الأفكار العكسية، أو التساؤل عن الرسائل الخفية التي يمكن أن يحملها ويعبر عنها. 
وبشكل عام لا يمكن نفي علاقة كل ما سبق بالوطن الكبير والصغير، فالوطن يظل هذا المكان الذي نعيش فيه أو لا نعيش فيه، ولكن من المؤكد أنه المكان الذي يعيش فينا ونرحل معه ونرحل به. هو حقيبتنا التي لا نغيرها أو نتركها في مطارات المغادرة والوصول، هو النقطة التي تبث فينا الضوء بالقدر نفسه الذي تتسبب فيه في الكثير من الألم والحزن أيضا في لحظات ضعفه وألمه وحزنه. هو الحب الذي نقدره لكل ما يحمله من قيم ومعان نبيلة وقريبة، وقد نكرهه أحيانا لكل ما يتركه فينا من أحزان دون أن نرغب في الخلاص منه. 
كل الأشياء تعود لتصب في نهر الوطن الداخلي، الذي لا ينضب مهما مرت السنوات وتغيرت المواسم والفصول، وتغير البشر والمعنى. يظل الوطن هو المكان القادر على أن يحتل داخلنا تلك النقطة الأكثر عمقا، التي لا يمكن أن تقتلع مهما مر علينا من تطورات وتغيرات، يظل هو الثابت في المعنى والقيمة، والمتغير في التفاصيل والدائم في العشق.
وبحكم هذا القرب لا يبتعد الوطن عن كل الأشياء الصغيرة وكل التفاصيل، يظل سؤال معنى الوطن حاضرا بكل ما يحمله وما يفترض أن يحمله من حرية وحقوق وحريات، بكل ما يعبر عنه من كرامة للبشر قبل الأشياء – مهما كانت قيمتها- ولكل ما يفترض أن يعبر عنه من عدالة يفترض أن تكون معيار التقييم الحقيقي للأشياء.
وعلى هامش الوطن يمكن أن نعيد النظر في أشياء كثيرة حولنا، وفي الوقت نفسه على هامش الأشياء يمكن أن يطرح الوطن نفسه وبقوة. ولهذا قررت منذ فترة أن أعيد النظر في بعض المقولات التي تقدم لنا بوصفها ثابتا لا تقبل النقاش لأنها مقولات لشخصيات مشهورة، أو جزء من خبرة سنوات طويلة، أو لأنها تجربة لشخص حقق ثراء أو إنجازا ما. الغريب أن تلك المقولات تتناقل بقوة تكسبها درجة كبيرة من «المصداقية» بحكم المصدر والانتشار، ولا يعاد النقاش حولها أو التشكيك فيها. وان كانت بعض المقولات يمكن الاقتناع بما فيها، فإن بعضها الآخر يجب أن نعيد النظر فيه ونطرحه للنقاش ونصل لرأي قد يتفق أو يختلف مع المعنى أو الرسالة التي يمكن أن تستخدم تلك المقولات من أجل نشرها. وكما تقدم لنا السلطة أشياء كثيرة بوصفها ثوابت لا تقبل الجدل، تتحول مقولات مثل تلك، إلى أشياء لا تقبل الجدل، وكأن علينا أن نقف في موضع المتفرج والمتلقي دوما في هذا العالم، الذي يتحدث كثيراً عن الحرية والديمقراطية ويقتنص لنفسه الكثير منها في الوقت ذاته بأسماء كثيرة تعتمد بالأساس على التخلي طوعا عن ميزة العقل ومميزاته الأساسية وهي التفكير والنقد.
ومنذ فترة توقفت أمام حدث وتسألت لماذا تنتشر مقولة مغايرة للواقع وتحظى بكل ما تحظى به من انتشار يفترض أن يعبر عن اقتناع وثقه من يرددها بهذا الشكل، رغم أن الكثير من الوقائع والمشاهدات حولنا تقول العكس. كان المشهد، الذي يمكن أن نراه في تسجيلات من مناسبات مختلفة حول العالم أو في أعمال درامية متنوعة، عبارة عن شخص كبير السن يجلس على مقعد في حديقة عامة، وكل ما معه عصا تساعده في السير وكيس به طعام للطيور، وحوله وعلى كتفه وبجواره على مقعده كانت هناك عشرات الطيور التي تأكل وتسير وتستمتع باللحظة ولا تتوقف عن التحليق والهبوط، وعن التقاط الطعام من أيدى الرجل بالقدر نفسه من الثقة والطمأنينة التي تلتقط الطعام بها من المسافات البعيدة عنه. وحولهم جميعا عشرات من البشر والأطفال السعداء والكاميرات التي تسجل الحدث بسعادة بالغة، دون أن تكون مصحوبة بالدهشة ببساطة لأن المشهد، رغم جماله، ليس غريبا. هو مشهد طبيعي، من الحياة، وربما جزء أساسي من جماله يتمثل في قدرته على التعبير عن الحياة بتنوعها وثرائها.
توقفت أمام المشهد وكأنه لحظة إفاقة، ورغم أنها ليست المرة الأولى إلا أنه في تلك اللحظة كان قادرا على أن يثير سؤالا أكثر عمقا. كنت أرى المشهد بعيون مختلفة، وأعيد قراءة المعنى في إطار الوطن والإنسان وعلاقته بالحرية. كان السؤال بسيطا ومن واقع المقولات التي تتمتع بقدر غير قليل من الشهرة والاهتمام، لماذا يقال إن الطيور تؤمن بالحرية أكثر من إيمانها بالطعام، وإنها لهذا الأمر لا تهتم بالطعام الذي تقدمه لها وتستمر في التحليق دون أن تقترب من الأيدي الممدودة بالطعام؟ وإن كان هذا هو حال الطيور الطبيعية – كما يقال لنا- ما هو وضع تلك الطيور التي أراها وغيرها من الطيور التي تتحرك بثقه وبدون خوف وسط البشر أو تقترب من أجل الطعام ولا تخاف من الأيدي الممدودة بالطعام أو أصحابها؟
كانت تلك اللقطة محاولة للرد على هذا التناقض وعلى تلك الرؤية الشكلية والملتبسة للحرية. فهل يدرك الطائر حدود السماء التي يطير تحتها ومساحة الحرية التي يتمتع بها؟ هل يدرك أن توقفه من أجل الطعام في مكان معين، وعدم اهتمامه بكل هذا العدد من البشر الذي يحيط به جزءا من إحساسه الأكبر بالثقة في الحرية التي يتمتع بها في تلك البقعة من الأرض، وثقة في أن ما لديه حرية غير منقوصة؟ وبالمقابل، هل يدرك الطائر في بلادنا حدود القمع الذي يعيش ويتحرك في إطاره؟ ويدرك أن هناك حدودا للاستهداف بما يجعل اقترابه من أجل الطعام وفرصة أن يتحول هو نفسه إلى طعام عاملا مؤثرا على الطيور في عالمنا؟ هل كانت المقولة التي تتردد في مصر وربما العالم العربى جزءا من قراءة الواقع ورسالة غير مباشرة للتحفظ من السلطة، باعتبار أن الخوف فضيلة؟ هل على السلطة في عالمنا الذي نعرفه أن تكون جزءا من آلة القمع التي نخاف من أن تصل إلينا أو نقترب منها دون أن نشعر فنتملس السير في جدران خوفنا لعلنا نتجاوز الجلاد؟ وهل علينا أن نحلم بلحظة حرية حقيقية يمكن أن نحلق ونهبط دون خوف مثل هذا الطائر الذي أثار تلك التساؤلات؟
بالمقابل إن كانت الحرية جزءا أساسيا أو ممكنا من حياة الطائر لماذا يقدم لنا الأمر في صورة قاطعة تؤكد أن علينا أن نختار بين الحرية والطعام أو أساسيات الحياة؟ أليست تلك هي رؤية الدولة وهي تقدم لنا الحقوق في صورة علاقة صفرية، أن يكون علينا أن نقبل بأن الأمن أهم من كل القيم بما فيها الحرية والديمقراطية والحياة الكريمة؟ وهل يختلف هذا عما نشرته صفحة معنونة باسم القوات المسلحة المصرية على الفيسبوك وهي تطرح سؤال على الفرد فيه أن يختار بين العيش فقيرا في الوطن أو غنيا ذليلا في الغربة، وكأن الحياة في الوطن مع الكرامة والثراء أو الكفاية خارج نطاق النقاش، أو أن البقاء في الفقر لصيق بالوطن، أو أن البقاء في الوطن يتساوى مع البقاء في الفقر وعدم توفر الحياة الكريمة المفترضة لمواطنيه؟ ولماذا يخرج من يؤكد أن الحكومة عليها أن تتعطف على الشعب وتمد له يد العون والمساعدة وكأنها تقوم بإعجاز يتجاوز دورها ويتجاوز حق المواطن عليها ويدخل في باب الإحسان والفضل؟ لماذا نمتهن ويفترض أن نقبل بتلك المهانة وفي الخلفية نردد أن الطائر عليه أن يختار بين الطعام والحياة، أو بين الموت والقمع؟
هل علينا أن نختار حقاً بين الطعام والحرية أم أن الواقع خارج سماء القمع يؤكد أن العلاقات بين الحقوق التي يفترض أن يتمتع بها البشر ليست مباراة صفرية، وان الحرية والحق في الحصول على أساسيات الحياة والحق في الحياة الكريمة، التي تشبه الحياة وفي الكرامة… كلها حقوق بما يعني أنها جزء أساسي لصيق بالبشر ولا مجال للاختيار أو المساومة في ما يخصها. 
القضية التي لا تصل للسلطة في عالمنا أن العلاقات بين الحقوق ليست صفرية، والمواطن يجب أن لا يختار بين الحياة في ظل القمع في الوطن أو في ظل الحرية في الغربة. يفترض أن يحمل الوطن معنى الأمان والاستقرار الذي يجعله وطنا، وأن يكون حضن الوطن هو الذي يجمع أبناء الوطن وليس حضن أحاديث السياسة وخطاب الرؤساء، الذي لا يغير الواقع ولا يتجاوز الأحاديث المعلبة التي تتردد علينا مع خلفية التصفيق الثابتة، دون أن يتحسن الواقع أو يتحسن حال المواطن.
كاتبة مصرية

مصر وتأملات في مواجهة الطائر وسماء الحرية

عبير ياسين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية