على الرغم من أن الرئيس عبد الفتاح السيسي أكد غاضباً أثناء افتتاح عدد من المشاريع الخدمية في محافظة قنا في 14 أيار/مايو 2017 أن مصر «مش طابونة»، إلا أن العديد من التعليقات سارعت لتأكيد أنها طابونة أو للتمني أن تكون طابونة بعد ان تجاوزت حالة الطابونة بمراحل.
وبداية فإن التعبير المستخدم يشير، وبعيداً عن تعريف الطابونة بوصفها فرناً أو نوعاً من الأفران التقليدية المستخدمة في صعيد مصر وربما بعض المناطق الأخرى، إلى حالة التسيب التي تصف الشيء حين تغيب القواعد ويغيب العمل بها إن وجدت وتصبح كل الأشياء ممكنة وفقاً لاعتبارات أخرى تتجاوز القواعد والقوانين والأسس التي يفترض أن تنظم الشيء. ورغم أن الكثير من التعليقات على حديث الطابونة جاءت ساخرة لكنها مهمة لأنها تشتبك مع المفاهيم التي يستخدمها السيسي ولغة الخطاب. بدوره يطرح الحديث التساؤل عن الأسلوب وإن كان اللجوء لهذا التشبيه الشعبي الذي انتقد البعض استخدامه جاء تعبيراً عن حالة غضب أعمق تتجاوز الحدث وتمتد لضغوط أخرى في الداخل والخارج، أو لحديث الانتخابات الرئاسية والانجازات الغائبة ومحاولة الاقتراب من المواطن العادي من أجل كسب شعبية وتحقيق مشاعر إيجابية مرتبطة بخطاب القوة في الدفاع عن أراضي الدولة كما أريد من الخطاب المباشر، أو لتوجيه رسائل غير مباشرة فيما يخص حماية الأرض والدفاع عنها.
ويمكن القول إن المهم في الحديث هو الرسائل والمؤشرات التي يعبر عنها، والتي نحاول الاقتراب من بعضها بشكل أولي. بداية تم التعليق بشكل غاضب وأضيف له تأكيد السيسي أنه «زعلان». أما الموضوع فهو الاعتداء على أراضي الدولة أو ما يعرف بوضع اليد والذي قدم بوصفه معوقاً أمام مشروع المليون ونصف مليون فدان. وأكد السيسي أن الموضوع يحتاج إلى تعامل شديد ووجه في اللحظة بأن تتولى الداخلية والجيش إرجاع تلك الأراضي. وبهذا يعبر الحدث عن غياب المؤسسات وحضور الفرد في كل ما يحدث، فالرئيس لم يطالب الحكومة بالتعامل مع القضية وفقاً للقواعد والقوانين الحاكمة أو المفترض أن تكون حاكمة ولكنه حدد من يتولى المسؤولية وأدخل الجيش وحدد المدة التي يفترض أن يتم فيها إنهاء هذا الملف. ولا يقصد بالطبع أن قضية أراضي الدولة هامشية أو أن التعامل معها غير مهم ولا يحتاج إلى الحسم، ولكن يقصد التأكيد على سمات الحكم التي تظهر علناً في الكثير من المرات حين يدخل الرئيس في مفاوضات حول مواعيد أو تكلفة مشاريع يفترض أن الإعلان عنها تم بعد دراستها وبحثها، ولكنها طريقة كسب الشعبية وإضفاء البريق مع تقزيم الجميع لصالح إعلاء الحاكم الفرد.
النقطة الثانية، حقيقة ان الحديث تم عن أراضي الدولة ولا يمكن التجاوز عن التشابه في الخطاب المستخدم بين الحديث عن أملاك الدولة التي يتم التعدي عليها، وموضوع جزيرتي تيران وصنافير اللتين تنازل النظام عنهما للسعودية بموجب اتفاقية وقعت بشكل سري. وعندما ظهر الموضوع وأشعل الجدل حوله تمت الدعوة للقاء أكد خلاله الرئيس على توصيات السيدة الوالدة في عدم الحصول على حق أحد وأن ما قام به – وفقاً لتلك الرؤية – هو إرجاع أراضٍ لا تخص مصر تماماً كما يفترض أن يفعل من يضع يده على أراضي الدولة دون وجه حق. يؤكد السيسي في حديثه في قنا على تلك الجزئية بصور مختلفة فالأرض أرض الدولة، وهو لا يمكن ان يتنازل فيما يخص أرض مصر أو كما قال: «الأرض بتاعة البلد مش بتاعتنا نوزعها على الناس… الأرض أرض مصر وماحدش يفكر يأخذ حاجة منها».
فى الوقت نفسه، ولتأكيد أن الشدة حاضرة عندما يتعلق الأمر بأرض الدولة أكد على ضرورة التعامل مع هذه القضية «بمنتهى القوة، بمنتهى القوة، الأراضي اللي مزروعة بس.. وباقي الأراضي بالكامل (تعود للدولة وفقاً للسياق)». رسالة تبدو على السطح وكأنها خاصة بالأراضي محل الحديث فقط ولكنها بشكل غير مباشر تؤكد على فكرة ندافع ونغضب لما يخص الدولة وما تمتلكه ولكن ما لا يخصها لا يمكن أن نتمسك به ويجب أن نعيده.
بهذا إن كان يفترض للجماهير ان تفرح بهذه الحدة في الدفاع عن الأراضي التي تخضع لوضع اليد فالمفترض أن تتسامح مع إرجاع أراضٍ يرى الرئيس أنها لا تخص مصر. وإن كان هناك من ينتقد التنازل عن الجزر فالمطلوب التأكيد على الشدة في الدفاع عن الأرض واستبعاد شبهة التفريط أو التنازل. الغضب وتكليف الجيش مع الداخلية وكل ما جاء في خطابه محاولة لتأكيد تلك الروح، وإن انتصرت للحظة إعجاب بالدفاع عن الأرض المصرية هنا فالمطلوب منك وفقًا لتلك الرؤية والخطاب غير المباشر أن توافق على التنازل عن الجزر بوصفه تعاملاً مع أراضٍ غير مصرية كما يرى السيسي ومن خلفه النظام. ولكن ما يتجاوز عنه هذا الخطاب ويقف حائلاً أمام تمرير الرسالة غير المباشرة التي تصل بنا إلى الجزر أو فكرة التنازل أن دفاع الرئيس والنظام عن عدم مصرية الجزر محل سؤال كبير وليس محل إجماع، وهو وضع يختلف عن حالة وضع اليد حيث الإجماع على مصرية الأراضي وحيث التجاوز نتاج عوامل عدة قد تبدأ بغياب الدولة أحياناً ولكنها قد تصل لوجود الوجه الفاسد من الدولة في أحيان أخرى.
ولا يقصد هنا الوصول إلى قراءة ونفيها، ولكنه تحليل لرسالة ضمنية يقدمها النظام وكيف أن التعامل معها وان تمت محاولات ترويجه أو استخدامه للرد على انتقاد دور الرئيس في التنازل عن الجزر متهافت. تهافت لا يقف عند محاولة تشبيه الشدة في الدفاع عن الأرض التي تم الاستيلاء عليها في الداخل مع أراضٍ يتم التنازل عنها في مناطق أخرى من الوطن للخارج سواء بمعاهدات أو قوانين تملك، ولكنه تهافت في أسس النظام حيث غياب الشفافية والقوانين والمؤسسات التي تضبط وتراقب، وحيث الفرد يرى ويقرر من وجهة نظر الوالدة وليس من حسابات الدولة وحيث القرار فردي في اللحظة وليس على أساس حسابات ودراسات وقوانين ومؤسسات.. وضعية قد يراها البعض قريبة للطابونة التي حاول السيسي نفيها وليس العكس.
الرسالة الثالثة التي يحملها حديث الطابونة والغضب والتعبير عنه بعبارة «أنا زعلان» هي التأكيد على الفجوة بين الرئيس العالم بالمشكلات والحلول والذي يدير كل الأشياء ويعمل أكثر من الجميع ولا يحتاج إلى نصح أو توجيه، وبين من هم حوله من وزراء ومسؤولين. الحديث العلني المتكرر عن ما يبدو أنه صراع أو غضب من قبل الرئيس أو توجيهاته في ما يتعلق بالتعبير عن المشكلات والأرقام وكيفية عرضها على المواطنين تصب في تلك النقطة حيث الرئيس في مكانة أعلى والخطأ يمكن أن ينسب لغيره.
وإن كان الغضب متصاعداً في ظل الوضع الاقتصادي، وانتهاء مهلة الشهور الستة دون تحقق التحسن الموعود من قبل الرئيس يصبح من المهم التمييز بين الرئيس وغيره حتى يمكن امتصاص الغضب ووضعه في مكانة أعلى تحافظ عليه بعيداً عن الانتقاد بقدر الإمكان. وضعية تزداد أهميتها مع اقتراب ذكرى 30 يونيو ومع الحديث عن مرشحين واقتراحات للانتخابات الرئاسية في 2018. وإن كان حديث بعض المقربين من الرئيس يتركز على الدعم بالنفي من خلال التأكيد على أن السيسي لا زال ضرورة في ظل غياب البديل والحاجة لاستكمال المشاريع التي بدأها، فإن تأكيد تلك الضرورة رغم الفشل يحتاج إلى كبش فداء سهل انتقاده وسهل تغييره.
قد تكون تلك بعض الرسائل السريعة لحديث الطابونة، ولكن المؤكد أن مصر تتطور في خطاب السيسي خاصة مع تزايد الأزمات وعدم تحقق الانجازات الموعودة وتراجع مكانة إنجاز إنهاء حكم الإخوان الذي ظل يقدم بوصفه الإنجاز الرئيسي لمرحلة ما بعد 30 يونيو، ومع إدراك أن الحرب على الإرهاب مفتوحة وقص شريط مشاريع قومية لا يعني تحقق أهدافه. وأصبحت مصر فقيرة جدًا، كونها «أشباه دول» في حاجة إلى لجنة أخلاق وهو ما يعني أن حالة الطابونة تتناسب مع تلك الصورة وليس العكس ويصبح من الصعب الفصل بين من يسبق الآخر فهل الطابونة سبب أم نتيجة؟ وهل الحل يأتي بطريقة التوجيهات الفردية في لقاءات علنية أم بالاحتكام لدولة القانون والمؤسسات؟ وإن استمر التطور بهذا الشكل ما هو الوصف التالي لمصر في معجم السيسي، وإلى أي مدى يمكن أن تقزم مصر من أجل تعظيم الفرد؟!
كاتبة مصرية
عبير ياسين