في كلمته في حفل إفطار الأسرة المصرية، طالب الرئيس عبد الفتاح السيسي الشعب المصري بالنظر حوله والتعرف على ما حدث في دول الجوار، وكان يمكن أن يحدث في مصر في تكرار لحديث «أحسن من سوريا والعراق»، المكرر بوصفه الإنجاز الرئيسي لمرحلة ما بعد الرئيس محمد مرسي.
كما أكد على ضرورة الاصطفاف وأن يكون الجميع على قلب رجل واحد، مؤكدا على أن الاختلاف هو أكثر ما يقلقه. ولكن حديث الرئيس عن الاصطفاف والنظر حولنا لم يأت منفردا، فقد تزامنت معه دعوة أخرى للاصطفاف والنظر حولنا أيضا، جاءت من المصور الصحافي محمود أبو زيد المعروف باسم محمود شوكان، الذي قبض عليه أثناء تغطية فض اعتصام رابعة العدوية، ووجهت له النيابة العامة تهما بالقتل والتجمهر والانتماء لجماعة الإخوان المسلمين، فمن محبسه طالب شوكان الصحافيين بالاصطفاف للوقوف للهجمة الأمنية التي يتعرضون لها وحذر «كل من يظن من الصحافيين أن النار لن ولم تحرقه فلينظر حوله ليدرك الحقيقة»، وهي دعوة يمكن لكل من يشعر بالظلم أن يكررها كما يمكن أن تتسع لكل من يبحث عن الحرية والعدالة.
وبهذا، فإن خطاب الاصطفاف بين الرئيس والسجين، المعبر عن خطاب المظلوم في تلك الحالة، يعبران عن الإشكالية الكبرى التي تقدم لمصر في مرحلة ما بعد 30 يونيو، وبشكل خاص بعد انتخاب السيسي رئيسا. ووفقا لتلك الإشكالية فإن مصر تتصارع بين السلطة التي ترى أن الأمن القومي المهدد بالوصول إلى حالة مماثلة لدول مجاورة يقتضي التضحية بالكثير من القيم الكبرى الممثلة في الحقوق والحريات ودولة القانون، وشعارات ثورة 25 يناير الأساسية، خاصة العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، مقابل من يرى أن مصر لا يمكن أن تستمر على طريقة العقود الماضية، التي تمت فيها التضحية بالكثير من الحقوق والحريات، بدون تحقيق التنمية والرخاء الاقتصادي الموعود، وأن عليها حماية الحقوق والحريات والتعامل مع العدالة الاجتماعية بوصفها ضرورة للتقدم والتنمية الشاملة.
لا يأتي السيسي بجديد في أحاديثه عندما يتم النظر لما يتحدث عنه بوصفه جزءا من خط متصل يبدأ من مرحلة حديثه بوصفه وزيرا للدفاع، ويمتد لمرحلة المرشح الرئاسي لخطاب الرئيس المفوض ماديا وضمنيا. فمنذ البداية يتم اهمال الديمقراطية والتركيز على التهديد الأمني، أما الإنجاز الأكبر فهو انجاز الغياب، إن جاز القول، بمعنى غياب الوضع المماثل لدول الجوار واعتبار أن ما حدث بداية من إلقاء القبض على مرسي وإعلان خريطة الطريق، هو السبب الأساسي الذي منع تطور الأوضاع في مصر إلى تلك الحالة من عدم الاستقرار التي يعاني منها العديد من الدول المجاورة.
في حين يتسم الحديث عن الإنجازات في جزء منه بالعمومية والانفصال عن الواقع، مستندا إلى الدعم الذي يحصل عليه من كافة الجهات والمؤسسات ووسائل الإعلام، التي تفرغت في مرحلة مرسي لتعداد الاخطاء، وفي مرحلة السيسي لتجميع الإنجازات وتحويل السلبيات الواضحة إلى انجازات حاسمة والوعود المستقبلية لانجازات محسوسة قبل أن تنفذ. تتحول أشياء مثل توسيع قناة السويس أو انشاء فرع جديد إلى انجاز بحجم حفر القناة ذاتها وبناء السد العالي، ويتحول فض رابعة العدوية بكل ما ارتبط به من موت وضحايا وتساؤلات ستظل تلاحق الشعب المصري لفترة طويلة لانجاز حربي على طريقة حرب أكتوبر، رغم الفارق الكبير في المعنى والقيمة الخاصة بالموت والحياة والمعركة، بما فيها تعريف العدو والمحارب وتعريف الانتصار والهزيمة.
يصبح من الطبيعي التعامل مع مشكلة أساسية لازالت تمثل جزءا من حياة المواطن، وهي مشكلة الكهرباء، إلى ماض لمجرد تعليق الرئيس خلال حفل الافطار عن الأنوار الكثيرة المضاءة في القاعة، وما تمثله من دليل على حل المشكلة التي كانت تواجه مصر قبل حكمه، لا يتحدث أحد عن أن لقاءات الرئيس تضاء حتى إن اختفت الكهرباء عن بيوت الناس، ولا يتحدث أحد عن مطالبته بإن يشمل قطع الكهرباء منزله أيضا وهو ما يعبر عن أن وجود الكهرباء في القاعة ليس دليلا على حل المشكلة مثلها مثل الإفطار نفسه الذي لا يعني غياب الجوع والمعاناة عن بيوت نسبة غير قليلة من الشعب، الذي تتحدث البيانات الرسمية عن أن 25٪ منه تقريبا تحت خط الفقر. ولكن المشكلة لا تتوقف عند كهرباء في القاعة تثير ضحك وتصفيق القاعة وكأنها كوميديا، تستحق أن تكون قادرة على إنكار المعاناة، ولا عن أن القاعة مهما شملت من أعداد هي في النهاية تعبير عن شخصيات منتقاة، بما يعني أنها حتى وإن انتمت إلى فئات الشعب، كما قيل، لا تعبر بالضرورة عن تلك الفئات، مثلها مثل الفلاح الذي كان يشرب الشاي مع الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك ضمن المشهد الشعبي المعلب في المحروسة.
لا تتوقف المشكلة عند كل هذا ولكنها تمتد لحديث عن أنه افطار أسبوعي بما يثير السؤال عن جدواه، وعن من يدفع ثمنه وعن قيمة هذا الإفطار، وما يمكن استغلاله للوصول للمواطــــن على طريقة القماش الذي يتم توزيعه مباشرة على الناس في فيلم «الإرهاب والكباب» بدلا من الخطابات المعلبة في الفنادق الفاخرة امـــــام الأنوار الكثـــيرة والأطعمة المتعددة التي يشاهدها المواطن بوصفها عالما آخر، لا يرتبط به ولا يربطها بمستوى معيشته وكأنه ليس صاحب حق أصيل في المحاســبة والتقييم والتساؤل حول أسباب الفقر الذي يحيط به لعقود.
وبالإضافة لحديث الإفطار الأسبوعي تبدأ مطالبات أخرى أعجب ما فيها، إن خضعت للمنطق، أن تأتي من رؤساء أحزاب يؤكدون على أهمية الحفل بوصفه وسيلة للحوار وتبادل الآراء حول القضايا المهمة، وحديث رئيس حزب عن الحفل بوصفه «توقيتا عبقريا» بما يثير السؤال حول معرفته أنه حفل افطار رمضان، وأنه في الأسبوع الأول وقبل ذكرى 30 يونيو، بما يعني أن القضية ليست في عبقرية التوقيت، ولكن في تصور أن حفل افطار رمضاني هو فرصة لتلك الأحزاب، ولمن حضر من سياسيين وإعلاميين للحديث عن الشأن المصري بشكل حقيقي. أما مطالبة بعض من حضر بأن يتحول لحدث شهري، فهو جزء من إشكالية تحميل كل حدث بأكثر مما يتحمله، لدرجة أن يتحول حفل افطار يوجه رسائل سريعة على هامشه، ربما لا يوجد لها مناسبة أخرى إلى وسيلة تلميع إضافية لمن حضر، وضغط إضافي على دافع الضرائب الذي يعاني، ويطالبه الجميع بشد الحزام، ولكن عليه أن يتابع حفلات الافطار الرمضانية وغيرها من المناسبات التي تقدم خارج سياقها، وتتحول لخطاب مناقشة الشأن السياسي وتبادل الآراء بين أطراف يفترض أن توجد لها اطر اخرى لمناقشة مثل تلك القضايا. والطبيعي أن يطرح المواطن تساؤلاته عما تقدمه تلك اللقاءات التي يتحمل تكلفتها لحياته وللأمن الذي يتحدث النظام عنه، وقدرة الأحزاب ورؤسائها والرموز السياسية والإعلامية على تناول تلك القضايا في مثل تلك المناسبات الاحتفالية، بدلا من المؤتمرات والندوات والبرامج التي يفترض أن تنظمها تلك الإحزاب أو تستضيفها تلك الجهات الإعلامية التي يتوفر لها ساعات ممتدة من النقاش والجدل في كل الأمور.
يتحول لقاء الإفطار، مثل كل الأشياء، إلى وسيلة للمزايدة من أجل الحصول على فرصة وفرص أخرى للظهور والحضور والتأثير على الرأي العام واقناعه عبر حفل افطار أو عشاء بضرورة شد الحزام والتحمل، لأن الرئيس لديه الأفكار ولكن مصر ليس لديها الإمكانيات.
يصدق الخطاب في حديثه عن أشياء ويتجاوز جوهر الحقيقة في تناولها أو في حديثه عن غيرها، فمن الطبيعي أن مصر لن تعود لما كانت عليه قبل 25 يناير، ولكن صورة مصر التي تتطور إليها الأوضاع غير محددة بعد، ففي حين يتصور الثوري والحالم والمؤمن بأن الظلم لابد أن ينتهي يوما، أن العدالة والحق لابد أن تنتصر يوما، يتصور السياسي الطامح ومن يسانده من دوائر المصلحة أن أوضاع أكثر تشددا مما قبل يناير هى التي يفترض أن تتحقق وأن خطاب التخويف باسم الإرهاب وأوضاع الجوار كفيل بالوصول إلى تلك الوضعية. يصدق الخطاب في إشكالية الاختلاف الداخلى وضرورة الاصطفاف، ولكنه يتحدث عنها بجوهر أقرب ما يكون لضرورة سيطرة الصوت الواحد بما يتماشى مع خطابات سابقة للرئيس عن حرية الرأي بوصفها اقتناعا بدون تعبير. يصبح المطلوب أن نتحول إلى اسرة واحدة وحزب واحد ودولة واحدة على طريقة الحاكم الواحد، الذي يعرف أكثر من أجل تشكيل الكتلة الصلبة، ولكن في داخل تلك الكتلة المتصورة هناك صوت يزعزع عالم التفـــــويض ولا يضمن استمراره، وهو صوت الظلم وأصوات المعاناة التي وإن ظلت محبوسة في الصدور لابد أن تخرج يوما وتؤكد أن الاصطفاف من أجل الوطن لا يعــــني التخلي عن الكرامة ومعنى الحياة وربط الحزام ومشاهدة حفل إفطار اسرة مصــــرية معلبة تؤكد أن الكهرباء كثيرة والأكل وفير والفرص المتوفـــرة للضحك كثيرة، وان الظلم لشخص أو أكثر أمر طبيعي لابد أن نتعايش معه بوصفه مجرد اضرار جانبية من أجل الأمن ومحاربة الإرهاب.
وفي النهاية كل تلك الصور المعلبة والضحكات المقبلة عبر التلفاز يمكن أن تنتهي بتحويل القناة أو إغلاق الجهاز أو بفعل ألم شد الحزام المستمر أو القهر الممتد.
كاتبة مصرية
عبير ياسين