أكد رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات المستشار هشام جنينة في تصريحات منشورة في 23 ديسمبر 2015 على أن حجم الفساد في مصر يتخطى الـ600 مليار جنيه، وأن الرقم تم التوصل إليه في دراسة تم إعدادها بناء على طلب من وزارة التخطيط للفترة ما بين 2012- 2015.
ولكن تلك الأرقام التي تمثل قضية شديدة الأهمية والخطورة، وتحتاج لتكاتف كافة الجهود لتدقيقها وكشفها ومحاسبة المسؤولين عنها، علق عليها وزير الاستثمار، أشرف سالمان، سريعا مستبعدا أن يكون الفساد بهذا الحجم، ومؤكدا أن الرقم مبالغ فيه، ومطالبا الشعب بالعمل على النظر للمستقبل بدون الوقوف أمام عراقيل قديمة ضررها أكثر من نفعها، على حد قوله.
وفي الوقت الذي تحدث فيه رئيس الجهاز الرقابي المسؤول عن أرقام نابعة -كما يفترض- من دراسات يمكن أن تخضع للتدقيق العلمي، يجد وزير آخر أن له الحق في نفي حديثه بالمطلق ومطالبة الشعب بالتجاوز عنه بتلك السهولة بوصفه مجرد جزء من الماضي. ولكن التعامل مع تصريحات جنينة لم يتوقف عند هذا الحد، ودعوة التجاوز والنسيان لم تكن كافية وسط الجدل الدائر حول الرقم الذي تحول إلى فرصة لإلقاء حجر إضافي في بركة يُقذف فيها الكثير من الأحجار للتخلص من جنينة. ففي سياق شخصنة كل الأشياء يتحول الجدل إلى رئيس الجهاز بدل القضية، ويصبح جنينة محل المحاكمة بدلا من الفساد، ويوجه الغضب إليه بدلا من السؤال عن الفاسدين ومحاسبتهم.
يغضب جنينة بما يعلنه أو الطريقة التي يعلن بها أوضاع الفساد والقائمين به في مصر، عددا غير قليل، خاصة لدى بعض الجهات السيادية التي ترى نفسها صناديق مغلقة ويجب أن تظل مغلقة عن أي محاسبة أو مكاشفة، بالدرجة نفسها التي يغضب بها بعض الشخصيات التي ترى في حديثه اتهاما لها أو للقطاع الذي تمثله، والذي تراه أيضا جزرا منعزلة لها حالة من الفوقية التي لا تمس ولا تكشف أمام عامة الشعب.
يتحول جنينة، وليس الفساد، إلى مصدر الخصومة المتفق عليه لدى البعض باختلاف الأسباب. وكلما صعد إلى السطح الحديث عن فساد جديد صعد الحديث عن جنينة ووجهت له الاتهامات بالانتماء لجماعة الإخوان المسلمين، لأنه عين في وقت تولي محمد مرسي رئاسة الجمهورية، أو لتوقيت ما يتم الإعلان عنه، وأنه يضر بصورة البلد وبفرص الاستثمار، أو رغبته في التحقق الوظيفي كما قال البعض.
يقدم أسلوب التعامــــل بين جنيــنة والفساد حالة كاشفة للواقع المصري، الذي يترك القضية الحقيقية ويساق إلى فخ الهوامش التي لا تغير الواقع ولا تصلح أحوال الوطن والبشر في المحروسة.
عندما قال وزير العدل الأسبق محفوظ صابر إن ابن عامل النظافة «لا يصلح لتقلد مهنة القضاء وإن المهنة تتطلب مستوى ماديا واجتماعيا لا يتوافر لدى أبناء عمال النظافة»، أدت حالة الرفض التي صاحبت التصريحات إلى استقالته في مايو 2015، ولكن الضجة والاستقالة لم تؤد إلى نقاش حقيقي وعميق عن التمييز القائم في المجتمع. رحل صابر الذي أكد على عدم جدارة من لا يملك، وجاء الزند الذي يؤكد جدارة من يملك أو حق أبناء القضاة في تولي القضاء.
القضية أننا نثير ضجة لكن لا نحل أصل الأزمة، ولازالت تصريحات صابر معبرة عن واقــــع الحال الذي لا يصل فيه ابن عامل النظــــافة أو غيره من أبناء عامة الشعب للمناصب، وإن حدث يتم في حدود معينة وفي ظــــل أسباب وآليات ليس لها علاقة بالكفاءة وتكافؤ الفرص.
وبالطريقة نفسها يتم التعامل مع أزمة تصريحات جنينة، وإن كان الفساد الذي أشار إليه عن عام 2015 أم قبله، والضرر الممكن لتصريحاته على الصورة العامة أمام الجهات الممولة وفرص الاستثمار، بدون أن يقول أحد إن الفساد هو الضرر الأكبر وإن الحفاظ على جمال الصورة لا يأتي بعدم كشف الأخطاء أو التجاوز عنها، وإن الثقة لا تتولد من غياب تقارير الفساد، ولكن من وجود مكاشفة ومحاسبة ورقابة.
ولكن لأن الصورة أهم لا نكشف الفساد ولا نعلن المسؤول عنه ولا نحاسبه، وإن كشفنا نكتفى بنسبة تؤكد أن المحاسبة قائمة والنظام لا يتسامح مع من يمس أموال الشعب، بدون أن يشمل هذا بالضرورة كافة صور الفساد والإفساد القائمة.
جاءت تصريحات الـ 600 مليار جنيه لتغضب عددا غير قليل، لأنها عندما نشرت حددت أنه حديث عن عام 2015، قبل أن يؤكد جنينة والمتحدث الرسمي باسم الجهاز أن الرقم يخص الفترة من 2012 إلى 2015. ولكن قصر الرقم على عام 2015 هو ما أثار تلك الردود الحادة، لأنه لم يتوقف عند فترة سابقة على ما قبل 30 يونيو، أو قبل تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي السلطة. وربما اختلف التعامل مع الرقم نفسه لو ارتبط بفترة ما قبل 30 يونيو أو فترة محددة مثل فترة محمد مرسي، وربما تم الاحتفاء به وأفردت له المساحات إن فعل، ولكن هذا لم يحدث، وعلى العكس قدمت التصريحات بوصفها إدانة للفترة القائمة، وتم التنديد بها بوصفها تشويها لما يراد له أن يكون براقا.
الغريب أن من يرفض تصريحات جنينة عن حجم الفساد بالمطلق باعتبار أن الرقم مبالغ فيه، وأن مصر لا يوجد فيها هذا الحجم من الأموال، لم يتعامل بالطريقة نفسها مع تصريحاته في يونيو 2014، التي أكد فيها أن حجم الفساد المالي والإداري في مصر يصل إلى 200 مليار جنيه سنويا. ما يعني أن إجمالي الفساد خلال الفترة من 2012- 2015 أكبر من 600 مليار، خاصة أن الدراسة التي أعدها الجهاز لوزارة التخطيط شملت بعض القطاعات، كما أكدت تصريحات الجهاز، ما يعني أن هناك قطاعات وبنودا لا تشملها تلك الدراسة، ولكن الجدل الذي ثار على جنينة بعد إعلان الفساد مرتبطا بعام 2015 يكشف أن 200 مليار فساد في العام لا يغضب أحدا، أو أن أي حجم فساد لا يغضب أحدا إن وضع في سياق زمني مختلف، أو نشر في صورة مغايرة لا تسبق ذكرى ثورة يناير، التي رأى فيها البعض فرصة لتوجيه النقد والتشكيك في جنينة بسبب توقيت الإعلان.
يأتى الحدث معبرا عن جزء آخر من عدم الوضوح والرغبة في إضفاء نوع ما من الشرعية الشكلية أو الإطار الديمقراطي، الذي يظهر مرتبكا ولا يحقق الهدف منه بالضرورة. تشكيل لجنة تقصي حقائق من الرئيس لفحص حديث وتقرير جنينة، يطرح تساؤلات حوله، خاصة أن الجهاز خاضع لرئيس الجمهورية، وهو نفسه أعلى جهة رقابية، لماذا لم يتم الإعلان عن اجتماع مع جنينة ومطالبته بشرح تقريره أو مناقشته مع الجهات المعنية، خاصة أن التقرير قدم لوزارة التخطيط، كما أنه جزء من تصريحات أعلن فيها مرارا عن تجاوزات وفساد وجهات ترفض عمل الجهاز ورقابته، ومناشدات للرئيس بالتدخل وحديث عن تقديمه ما لدى الجهاز للأجهزة المعنية. ولكن هذا لم يحدث وتم اللجوء إلى تشكيل اللجنة للرد على تصريحات من جهة تتبع الرئيس، في حين أن الكثير من البيانات والتقارير والتصريحات الأخرى لا يستمع لها أحد ولا تشكل لها لجان تقصي حقائق وبعضها – مثل التعذيب والوفيات في الأقسام والسجون- تقدم بوصفها حالات فردية.
بالإضافة لهذا كان يمكن مناقشة التقرير بشكل مباشر في البرلمان، ولكن بالنظر إلى موعد انعقاد البرلمان والأولويات المرتبطة بالقوانين التي يجب مناقشتها فور الانعقاد، فإن مناقشة حديث جنينة والرد عليه سيحتاج إلى وقت.
بهذا مثلت لجنة تقصي الحقائق الحل الأمثل للحظة وللشكل الديمقراطي المطلوب، فمن ناحية قدمت ردا سريعا يمكن تقديمه للرأي العام، وسمحت بتكثيف الجدل حول جنينة أكثر من الفساد محل القضية وهي تؤكد على تعمده التهويل والتضخيم والمغالطات، وتحولت لجزء من النقاش في البرلمان الذي أصبح عليه أن يحاكم جنينة لا الفساد. وضع يمكن أن نراه في الكثير من التعليقات وردود الأفعال وحتى التعليقات التي ترى أن جنينة هو المشكلة وأنه أراد الإضرار بالدولة واختار توقيتا قبل ذكرى ثورة يناير، وهو ما يعني أن معركة مصر مع جنينة، أما الفساد فيبدو أنه خرج سليما كما هي العادة.
جاء في ختام البيان الذي أصدرته لجنة تقصي الحقائق أن «الكلمة مسؤولية والمحاسبة واجبة والمعرفة من حق الشعب» شعار براق، ولكنه في السياق جاء للتأكيد على أن اللجنة قدمت ما لديها، لأن الكلمة مسؤولية وأكدت على مغالطات جنينة فمحاسبته واجبة وأعلنت موقفها للشعب لأنه حق، أما الفساد فهو قضية هامشية في المعركة مع جنينة من أجل تكدير السلم العام وشغل الناس بالحديث عن الفساد والأموال الضائعة أو المضيعة، وتصور أن هناك تقارير سليمة يمكن أن تحاسب أحدا وأن تسترد حقوقا. وحتى تنتهي معركة محاسبة جنينة يمكن أن تعود كل الأشياء إلى سابق عهدها ولدينا كل الثقة أن الفساد موجود، لكنه ربما لم يصل إلى 600 مليار جنيه في العام الواحد بعد.
٭ كاتبة مصرية
عبير ياسين