مفارقات المحروسة المرعبة

حجم الخط
2

في واحدة من مقولاته المميزة يقول الرئيس والمناضل الجنوب إفريقي نيلسون مانديلا: «نحن نعيش في عالم غريب حيث يمشى الفقراء أميالا ليحصلوا على الطعام، ويمشى الأغنياء أميالا ليهضموا الطعام». 
وإن كان حديث مانديلا حقيقيا في التحدث عن العالم في إطاره الكبير، فهو حقيقي في الحديث عن الحالة داخل الدولة الواحدة، وإن كان الوضع غريبا على مستوى العالم، فهو أكثر تعقيدا على مستوى الدولة الواحدة، خاصة عندما يكون جزء أساسي من التناقض مرتبطا بسياسات النظام الحاكم، في وضع يتجاوز حالة الأغنياء والفقراء، كما تُفهم في إطار الملكية الخاصة، إلى حالة فقر وثراء ترسخت بحكم سياسات الدولة المعنية.
مفارقة طرحت بدورها على هامش التناقض الواضح بين الاحتفال الذي أقيم في فندق «الماسة كابيتال» في العاصمة الجديدة يوم السادس من أكتوبر 2017 بكل ما شهده من مظاهر فخامة وإنفاق ضخم، يصل إلى ما يتراوح بين 700-900 مليون جنيه مصري (51 مليون دولار تقريبا)، وبين تصريحات مصدر مسؤول من وزارة التموين في اليوم التالي عن إطلاق قوافل سيارات متنقلة لتوفير السلع بأسعار مخفضة في المناطق الأكثر احتجاجا.
وبعيدا عن محاولة إخراج الحدث من إطاره، أو البدء بالمقولة الخاطئة التي تؤكد على أن الفقر والاحتياج، مسألة تتجاوز مصر وتشهدها كل الدول بما فيها الأكثر تقدما، مع الفارق في التفاصيل والنسب، فمن المهم التأكيد على حقيقة أخرى، وهي طبيعة من يقوم بتحديد أولويات الدولة، أو ما يعرف بتخصيص الموارد التي يجب أن تستهدف الوطن والمواطن في عمومه، وتتجاوز اللحظة، ورغبة تعظيم الحاكم وقص شريط جديد يوضع عليه اسمه، بدون النظر إلى أولويات الإنفاق، وفقا لاحتياجات الشعب التي تتجاوز فندقا جديدا في عاصمة جديدة معلبة.
تناقض لا يتوقف عند حدود اللحظة والأخبار الكاشفة، بقدر ما يتناقض بدوره مع حديث متكرر للنظام، وبشكل خاص الرئيس عبد الفتاح السيسي، عن الوضع الاقتصادي المتأزم وأهمية تحمل المعاناة، والتأكيد على أننا «فقرا..  فقرا قوي» كما قال صراحة، أو مطالبته الدائمة بالتجاوز عن «الجنيهات القليلة» من أجل الوطن، في وقت تصرف فيه الملايين في ما يطلق عليه مشاريع كبرى يصعب تصور إلحاحها في اللحظة.
جاء مشهد الاحتفال في «الماسة»، الذي مثل أول فندق أو مشروع كبير يتم افتتاحه في العاصمة الإدارية الجديدة، ليثير مشاعر الغضب والتعليقات التي تنتقد حجم الإنفاق الذي ظهر في المكان، ناهيك عن مصاريف الاحتفال نفسه، في وقت تتوفر فيه أماكن أخرى ممكنة لتلك الاحتفالات، بما لا يقلل من أهمية المناسبة ويحفظ للدولة مواردها للمشاريع الأكثر أهمية.
حالة تثير تساؤلات مشروعة عن الحاجة إلى فندق آخر، وأهمية أن يكون الفندق الأكبر في مصر، وأن يكون المشروع الأول في العاصمة الجديدة التي يتم الحديث عن بناء أكبر مسجد في إفريقيا فيها، بكل ما يحيط بالمشهد من دلائل عن النظام والعقلية التي تحكمه، وكيف يعبر شكليا عن إنفاق رجل أعمال مهتم بوضع ما لديه من أموال في مشاريع عقارية. وعلى عكس رجل الأعمال الذي يملك حرية التصرف في ما لديه من أموال، ويملك رفاهية إقامة مشاريع عقارية قد تحقق أرباحا في المستقبل، إن لم يهدف إلى تحقيق مكاسب سريعة، فإن الدولة يفترض أن تكون لديها قواعد أخرى تحكم اختيار المشاريع وأولوية ما ينفذ منها، وفقا للمستهدف في المرحلة المعنية، التي تتجاوز في مصر لحظة قص شريط مشاريع لمبان ضخمة وكأنها تخرج من دول النفط والرفاهية. وضعية لا تتوقف عند حدود الفندق الأكبر، وتتجاوزه إلى العاصمة الإدارية، التي تطرح بدورها الكثير من التساؤلات عن الضرورة والتوقيت، مضافا إليها مشروع قناة السويس الجديدة، التي تحولت في لحظة من مشروع اقتصادي ضخم إلى ترس في عجلة الممانعة والحالة النفسية للشعب، وفقا لحديث السيسي.
لا تتوقف الفكرة الحاكمة عند هذا الحد، وتمتد إلى افتتاح مركز جديد للمؤتمرات والمعارض في التجمع الخامس، على هامش الاحتفالات بذكرى السادس من أكتوبر، والحديث عن «مدينة العدالة» وكأنها المدينة الفاضلة. وفي حين أكد المتحدث الرئاسي على أنها تستهدف أن تضم»مجمعا للمحاكم ووزارة العدل ومصلحة الطب الشرعي والهيئات القضائية المختلفة، بالإضافة إلى أكاديمية قضائية متخصصة لتدريب القضاة» بهدف «تركيز الجهات القضائية في مكان واحد»، فقد أشار إلى تأكيد السيسي في اجتماع مع رئيس مجلس الوزراء وعدد من الوزراء على أهمية مدينة العدالة بوصفها مشروعا مهما من شأنه «تعزيز قدرات القضاء المصري وتسهيل إجراءات التقاضي».
يأتى هذا الخبر عن مدينة العدالة، مؤكدا على أهمية المباني، والأسماء الكبرى التي يسهل ترويجها بوصفها عناوين جذابة مضافا لها أول وأكبر وأضخم، وكأنها وحدها كافية لتحسين حال الدولة ومستوى المعيشة. كما يأتي الخبر متناقضا مع تصريحات وزير الكهرباء، التي أعلنت في اليوم نفسه 8 أكتوبر، عن وجود أخطاء في عملية الكشف عن عدادات الكهرباء، بوصفها السبب وراء شكاوى المواطنين من ارتفاع الأسعار، ومطالب «كل مواطن بمراجعة العداد أولا بأول، لمعرفة كمية استهلاكه ومطابقتها بالفاتورة»، وتوجهه إلى أقرب مقر لشركة الكهرباء لتقديم شكوى. حالة كاشفة عن كيف تقدم الخدمة، رغم زيادة تكلفتها، بدون الجودة والدقة الكافية لحماية حقوق المواطن، وكيف يطالب المواطن بزيادة إنفاقه بدون الحصول على خدمة مميزة أو أفضل، وعلى العكس يطالب بأن يبذل أدوارا يفترض إلا يكون مطالبا بها، مثل دوره في التخلص من القمامة وقراءة عدادات الكهرباء وتقديم شكوى للشركة بدون أن يمنع هذا من تكرار المشكلة.
أحوال كاشفة عن غياب العلاقة بين تناقض المبنى وزيادة السعر من جانب، والجودة وتحسين الخدمة من جانب آخر، حيث يصعب وجود رابط بين الفندق الكبير والسياحة، أو مدينة العدالة وتوفر روح العدالة وغياب الظلم، وبين ارتفاع أسعار الكهرباء وتحسين الأداء. في النهاية تقديم الخدمة لا يرتبط بالمباني أو الأسعار، وتحقيق العدالة أو تسهيل إجراءات التقاضي لن يتحقق بمسمى مدينة العدالة. وإن كان العنوان الجذاب قادرا وحده على تغيير الواقع سيكون علينا أن نبدأ في تدشين سلسلة مدن الفضيلة والكفاية والحق وغيرها من القيم الكبرى المطلوبة والخدمات المستهدفة، وسيكون علينا أن نسأل كيف تقدمت الدول التي لم تؤسس مدن العدالة والعواصم الجديدة، ولم تضع أموال الشعب في أطول مبنى أو أكبر فندق عندما يكون الواقع مأزوما ويكرر الحاكم نفسه مرارا الحديث عن الفقر الشديد والحاجة لشد الحزام في كل مرحلة.
المفارقة الأخرى، إن كل تلك المشاهد تقاطعت مع أخبار المكافآت المالية التي أقرها السيسي للمنتخب الوطني بعد تأهله لكأس العالم 2018، التي اعتبرت العديد من التعليقات الغاضبة أنها تتناقض مع حديث «أحنا فقرا» وتخصم من حالة الفرح التي حققها المنتخب. يأتي الموقف كاشفا العلاقة التي لا تقرأ بوضوح كاف بين حب الوطن والمشاركة في الفرحة، التي لا تحقق مكسبا فرديا بالمعنى المادي للأفراد بقدر ما تحقق إحساسا بالفرحة الجماعية المرتبطة بالوطن، والإحساس بالتجاوز في الاستفادة من تلك الفرحة واستغلالها لتمرير الحدث بوصفه إنجازا ومكسبا للسلطة والحاكم.
حالة استغلال الفرحة وتوظيفها سياسيا تبدو أكثر وضوحا في تعليق السيسي على وسائل التواصل الاجتماعي وإشارته في تهنئته للشعب بالفوز «الذي تحقق بعد أن تعالت الصيحات والهتاف تحيا مصر». حالة تتجاوز الصور التي تلتقط مع المنتخب، أو الناجح عادة في المحروسة، إلى ربط كل نجاح بعبارة تحيا مصر، بما تم تحميلها به من ارتباط بالسيسي، وكأن الإنجاز تحقق بفضل الحاكم مخالفا للحقيقة.
وإن كان المواطن لا يعترض عادة على إنفاق السلطة، إلا أن بعض الحالات الواضحة، مثل السجادة الحمراء وفندق الماسة ومكافآت المنتخب، بكل ما يحيط بها من ظهور واهتمام وشهرة، تستحضر إلى الواجهة حديث «احنا فقرا.. قوى» و»مش قادر أديك»، وتؤكد الفجوة بين ما لدى الدولة المصرية وما يقال إنه لدى الدولة المصرية، وفي المنتصف سوء استخدام لموارد الدولة ترسخ حالة الفقر التي يعاني منها البعض وسوء الخدمات التي يحصلون عليها والتي تزيد من المعاناة، وتضخم حالة الثراء والنفوذ التي يتمتع بها البعض الآخر.
تقدم لنا السلطة وصفة شد الحزام وتحمّل المعاناة بوصفها الوطنية، وتقوم بالمقابل بالإنفاق على مشاريع تطرح حولها الكثير من التساؤلات الموضوعية، سواء في ما يتعلق بأهميتها أو ضرورتها في اللحظة، وفي ظل طبيعة احتياجات المرحلة. وللخارج، تقدم صورة الدولة السعيدة، ومدينة العدالة، والفندق الأكبر، وتتصور كما قيل على هامش انتقادات السجادة الحمراء، إن الصورة يمكن أن تخفي الحقيقة، وأن مظاهر الرخاء لا تثير السخرية والنقد، لأنها تتعارض مع احتياجات الشعب ومع ضخامة وتنوع القروض التي يحصل عليها النظام. وإن كان الفرد يملك أن يضحك من أجل أن تكون الصورة أفضل، وإن كان بالمخالفة لحقيقة مشاعره لاعتبارات يمكن إدراكها، فإن الدولة عندما تقوم بهذا تؤكد على حالة التناقض المخيفة التي يعرفها الواقع والحكم، والفجوة التي تعيشها الدولة، واستمرار معاناة عدد غير قليل فيها كما هو وضع المحروسة. ولكن كما هي العادة، تظل قراءة المشهد وانتقاد ما فيه من تجاوزات، دليلا على تصاعد الإحساس بالحق في الرفض وإدراك أن النظام لا يملك الحق المطلق في فعل ما يريد وتجاهل مشاعر الشعب على طول الخط، وتصور أن كل الأشياء سوف تستمر كما هي لعقود أخرى. وإنه إن أمكن تأجيل الإصلاحات فإنه لا يمكن تجنبها مثل الحقيقة التي تظهر بعد اختفاء، والنهار الذي يأتي بعد ليل والشمس التي تشرق بعد غياب.
كاتبة مصرية

مفارقات المحروسة المرعبة

عبير ياسين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية