على طريقة المناطق العسكرية التي تحيط بها دوما علامات وإشارات تؤكد على منع الاقتراب والتصوير، تتسم العديد من الموضوعات في عالم السياسة بأنها خارج نطاق النقاش العام بوصفها ضمن الموضوعات التي يتم «تأمينها» و»تسييسها» عبر التعامل معها بوصفها قضية «أمن قومي». وضع يصف التعامل مع الأقباط في مصر وكل ما يتعلق بهم بما فيه عددهم الذي يخضع لروايات مختلفة تتحول لدى كل طرف لوسيلة لتأكيد وجهة نظره والدفع في اتجاه تصعيد العنف باعتبار أن ما يحصل عليه الأقباط عموما أو في منطقة محددة تتجاوز نسبتهم في المجتمع، أو العزلة والإحساس بالظلم.
ويؤدي هذا الإطار إلى حساسية تجاه كل ما ينشر عن الموضوع وأسبابه سواء بصفة عامة أو في اللحظة المعنية. وهو ما قد يثير التساؤل عن تناول قضية الطائفية أو بمعنى أدق التوترات والعنف الطائفي الذي يحدث في مصر على خلفية التفجير الإرهابي الذي تعرضت له الكنيسة البطرسية الملحقة بالكنيسة الكاتدرائية في العباسية صباح الأحد 11 كانون الأول/ديسمبر الماضي. وللإجابة عن هذا السؤال من الضروري التمييز بين العنف الطائفي الذي يحدث داخل المجتمع ويرتكز على الاختلاف الديني، وبين العمل الإرهابي الذي يستهدف الوطن في عمومه سواء استهدف جنودا في وقت إفطار رمضان أو أقباطا في وقت صلاة أو عساكر في كمين. ورغم هذا التمييز من المهم عدم إغفال علاقة التفاعل الممكنة، فإن كان الإرهاب يستهدف الوطن، فإن العنف الطائفي يغلف الأحداث التي يمكن أن تتعرض لها الأقلية الدينية التي ترى أنها مستهدفة ومستباحة بصفة عامة. الإرهاب يمكن أن يتغذى على العنف الطائفي، والعنف الطائفي سيعمق أي حدث إرهابي ويجعله عاملا من عوامل الخوف والانعزال أو الغضب الذي قد يعبر عن نفسه في صور كثيرة لا يمكن حصرها كما ظهر من هتافات عابرة على هامش تفجير البطرسية.
وتمثل حساسية التعامل مع الأقباط جزءا من ملامح الأزمة، حيث يتم التعامل مع ما يخصهم بوصفه قضية أقلية بأكثر من أن تكون قضية مواطنين لهم وعليهم كل ما يخص عموم المصريين، وباعتبار أن القاعدة الأساسية هي المساواة في المواطنة وأمام القانون بعيدا عن الاختلافات والتفاصيل الدينية التي قد تحتاج بحكم طبيعتها لقوانين تتناسب مع الدين المعني أحيانا. حساسية تنتج عن ملمح آخر وجزء من مشكلة العنف الطائفي وهو التعامل الأمني مع ملف الأقباط والذي ظهر واضحا في استخدام تعبير «الطائفة» في القانون الخاص ببناء الكنائس الذي أقره مجلس النواب في 31 آب/أغسطس الماضي. التعبير أثار بعض الانتقادات لما له من معنى سلبي يخالف حقوق المواطنة الواردة في الدستور ويكشف عن التعامل معهم بوصفهم رعايا وطائفة تمثلهم الكنيسة وشخص البابا. وهنا يثار ملمح آخر من ملامح الأزمة وسبب في تعمقها، فتراجع الدولة عن دورها الأساسي في التعامل مع المشاكل المثارة خاصة القوانين المنظمة لبناء وترميم الكنائس، والتركيز على البعد الأمني وجعل ملف الأقباط ضمن سلطات وسيطرة جهاز أمن الدولة سابقا والأمن الوطني حاليا أدى لزيادة الانعزال والاعتماد على الكنيسة بوصفها الجهة الممثلة للأقباط دينيا وسياسيا. وضع ساهم في تصعيد الطائفية، وأصبحت صورة الكنيسة مقابل الدولة واحدة من الأوراق التي يتم استخدامها من قبل الأطراف التي تحرك وتدفع نحو التصعيد واللجوء للعنف ضد الكنائس أو المسيحيين على خلفية بناء أو ترميم كنيسة أو حتى اشاعة بناء أو إقامة شعائر دينية في منزل مسيحي أو العلاقات العاطفية الحقيقية أو المفتعلة.
تحولت الكنيسة لدى الأٌقباط، بسبب الاقتراب الأمني وفشله في حمايتهم أو الحيلولة دون استمرار وتصعيد العنف الطائفي، إلى عنصر أمان وتوازن في مواجهة الدولة وأجهزة الأمن. ولكنها ظهرت بوصفها سلطة تنافس الدولة وفقا للخطاب الذي يحث على العنف ويستخدم تلك الرؤية لتأكيد حصول الأقباط على أكثر من حقوقهم بسبب العلاقة الخاصة بين السلطة والكنيسة أو تحول الكنيسة لدولة داخل الدولة. ظهرت تلك الفكرة عندما تعرض بائع السمك صاحب العربة «الكارو» مجدي مكين للتعذيب والموت في أحد أقسام الشرطة. تنديد بعض رجال الدين المسيحي بالتعذيب وزيارتهم لأسرة مكين ومطالبتهم الدولة بالمحاسبة دفع البعض لمقارنة ما يمكن أن يحدث في ملف مكين مع ملف غيره من المسلمين ضحايا التعذيب والمعتقلين. في حين أكدت بعض تعليقات الأقباط على أن الإرهاب استهدف الكنيسة من داخلها ولكنه عندما قام قبلها بعدة أيام باستهداف كمين للشرطة أمام مسجد لم يستهدف المسجد نفسه وهي قراءة غير دقيقة، لأن المستهدف تنويع الضحايا لتحقيق أهداف الإرهاب ممثلة في نشر الخوف وغياب الأمن وبث الرعب. بدورها لا تساعد تلك التعليقات في تأكيد المواطنة بقدر ما ترسخ حالة التقسيم بين مسلم ومسيحي، وتعبر في لحظة ألم يخضع لها الوطن عن ترسيبات خطيرة للعنف والتوترات الطائفية التي تترك بدون معالجة ويحاول البعض التعامل معها بوصفها حالات فردية ومجرد بقع قليلة في ثوب الوحدة الوطنية ناصع البياض دون أن تتعمق في ما يمكن أن تنتجه حالة التراكم والاحساس بمشاركة الدولة في المشكلة أو التسبب فيها على الوطن الذي لا يمكن أن يعبر التحديات ويقف في وجه المخاطر، أو يحقق دولة مدنية حديثة دون المكاشفة والتعامل مع تلك القضايا التي يكتفي كل نظام بترحيلها ووضعها خلف شعار ممنوع الاقتراب أو التصوير حتى يتلطخ الثوب بأحداث وتوترات جديدة.
واقع يتجاوز حقيقة أن التنوع لا يفترض أن يكون سلبيا في المطلق، وأن ما يترتب على التنوع قد يكون إضافة حضارية أو اعترافا بطبقات الشخصية المصرية أو أعمدتها السبعة كما يؤكد د. ميلاد حنا. كما أنه يتجاوز عن حقيقة أن التنوع المصري لم يكن دوما لصيقا بالعنف الطائفي بما يعني أن هناك عوامل وأسباب أدت لبروز البعد الطائفي، أما استمراره وترسيخه فارتبط بما سبق الاشارة إليه من انسحاب وتراجع الدولة، مع تحول الكنيسة لجهة تمثيل للأقباط ودفاع عن مصالحهم، مضافا إليه خطاب ديني متشدد قائم على رفض الآخر المختلف أو القبول به بوصفه أقلية لا تتمتع ولا يفترض أن تتمتع بكامل الحقوق.
وعلى الرغم من تعدد حالات العنف الطائفي التي تعرضت لها مصر بداية من عام 1972 إلى ما شهدته العديد من المحافظات من أحداث العام الحالي وخطورة بعضها خاصة ما شهدته محافظة المنيا في أيار/مايو الماضي من تجريد سيدة مسنة من ملابسها وسحلها مع حرق عدد من منازل الأقباط، فإن السمة المشتركة في التعامل مع تلك الأحداث، خاصة التي تسفر عن عدد كبير من القتلى مثل تفجير كنيسة القديسين في الإسكندرية في كانون الثاني/يناير 2011 يتمثل في المطالبة بدراسة الأسباب التي تدعو لتلك الأحداث، مع تقديم سلة لا يمكن لها أن تفسر أو تساعد في فهم ومعالجة الأزمة لأنها تضم الفقر والجهل وتنطلق من أن الريف والقرى بيئة خصبة لتلك الحالات بسبب الخطاب الديني المتشدد والاشاعات وغيرها من السمات التي تلصق بتلك البيئة. ولكن تظل تلك الــرؤية شديدة الاتساع ولا يمكن ان تؤسس علاقة بين الفقر أو الريف من جانب والعنف الطائفي مثلا لأن تلك العوامل الموضوعية غير كافية لحدوث توترات طائفية الطابع.
ومقابل هذا الخطاب الموسمي، ظهرت دراسات ومحاولات للاقتراب من قضية الأقباط والعنف الطائفي خاصة بعد ثورة 25 كانون الثاني/يناير والتي أعادت الأمل في استعادة الدولة لهيبتها وترسيخ قيم الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وهي الشعارات التي طرحت بشكل وطني لم يقدم في وعاء طائفي وساعد عليها مشاركة العديد من الأقباط دون الالتزام بمطالبة الكنيسة بعدم المشاركة وما تبعها من ملامح استقلال مواقف بعض الأقباط من الشباب عن مواقف الكنيسة ورغبتهم في المشاركة السياسية. وضع اختلف مع تزايد المشكلات التي تعرضت لها الثورة وظهر واضحا في تزايد الأحداث الطائفية التي ركز جزء منها على استهداف الكنائس وأملاك الأقباط. في حين أدى ربط البعض بين موقف الكنيسة من دعم 30 حزيران/يونيو وإقالة محمد مرسي إلى تقديم الأٌقباط بوصفهم طرفا في استهداف بعض الجماعات الإرهابية للنظام القائم ومن عاونه. وهي رؤية إلى جانب أنها إرهابية وقائمة على بث الرعب والقتل، قاصرة عن إدراك التفاعلات القائمة والمخاوف التي عبر عنها البابا وغيره خلال حكم مرسي. معادلة الأقلية -الطائفة شديدة الخطورة بصفة عامة وفي أوقات الأزمات بصفة خاصة وتختلف عن معادلة الوطن- المواطن التي يفترض أن يتم إعلائها.
وتساعد الدراسات القائمة في إبراز أسباب العنف والتوترات الطائفية وأماكن حدوثها وتؤكد على الحاجة لدراسات أكثر عمقا وتنوعا تساعد الدولة فيها وتستند إليها في مواجهة حقيقية للأسباب بدلا من خطاب الإنكار أو التهميش. بدون تمتين الوطن عبر التعامل مع أسباب التوترات والعنف الطائفي ستكون الجبهة الداخلية مهددة خاصة أن تم استهداف الأقباط بدرجة أكبر وهو الأمر الذي يحتاج لإعلاء المواطنة وإعادة قيام المؤسسات بأدوارها الرئيسية مع إعلاء الدستور والقانون بديلا عن الجلسات العرفية وتهجير الأقباط والإفراج عن المتهمين في أحداث العنف الطائفي. المؤكد ان الوطن والمواطنة هما الحل وليس مدخل الأقلية والأغلبية، والقوة وتوازناتها، والسياسة ومصالحها.
عبير ياسين