ملامح من الأدب الأنكلو ـ سكسوني

حجم الخط
2

ما وصلنا من الأدب الأنكلوـ سكسوني، شعراً ونثراً، يعود إلى القرن السادس الميلادي، مما يتّصل بالأقوام الجرمانية في شمال أوروبا. ولما بدأت تلك القبائل الجرمانية بالهجرة إلى الجزر البريطانية والاستقرار فيها، بقيت لغاتهم متّصلة بالقبائل التي كان يتكلمها الجرمان، خلافاً للغة اللاتينية الشائعة في القرون الوسطى. وبقيت هذه الأنكلوسكسونية، أو الإنكليزية القديمة، مستعملة في الجزر البريطانية حتى قدوم وليم الفاتح عام 1066 بلغته الفرنسية، التي بدأت تمتزج مع تلك الإنكليزية القديمة فتطور من هذا الامتزاج «الإنكليزية الوسطى» وأفضل أمثلتها الأدبية أعمال جفري شوسر (ت1400م).
وهذا الأدب الأنكلوسكسوني، يمتد بين حدود 650 ـ 1100م، وأهم أمثلة ذلك الأدب في النثر: «السوّاح» و«جوّاب البحار» و«معركة مولدن» و«حلم الصليب»، وفي الشعر: ملحمة «بيولف»، وهي أقدم ملحمة جرمانية مكتوبة باللغة الأنكلوسكسونية، تقع في 3182 بيتاً/سطراً.
تدور أحداث الملحمة حول بيولف البطل، من إقليم «غيتسلاند» في السويد الحالية (وحرف الغين في الأسماء هنا أصلها الكاف الأعجمية G). يسمع بيولف أن هروثغار ملك الدانمارك، إلى الجنوب من السويد الحالية، يتهدّده وحش مريع اسمه غريندل يهجم على قصر الملك الدانمركي كل ليلة أثناء الاحتفالات الدائمة التي تغيظ الوحش لأنه لا يستطيع المساهمة فيها، فيقتل عدداً من رجال الملك أو يختطفهم إلى كهفه البحري. استأذن بيولف من مليكه للذهاب إلى الدانمارك ومساعدة مليكها ضد الوحش غريندل فذهب مع عدد من رجاله الأشداء وأقاموا ليلتهم في قصر هيوروت. فلما جاء الوحش تصدى له البطل بيولف  دون سلاح، لأن أصحابه الذين حاولوا طعن الوحش بسيوفهم، سرعان ما ذابت تلك السيوف بدم الوحش السام. فقابل البطل ذلك الوحش بعراك بالأيدي، فاستطاع أن يخلع ذراع الوحش عند الكتف، فهرب الوحش إلى كهفه البحري مقهوراً. وما لبثت أمّ الوحش أن جاءت لتنتقم لابنها. وجرت معركة هائلة انتصر فيها البطل، فهربت أم الوحش إلى كهفها البحري كذلك، مطعونة بسيف انتزعه البطل منها. ثم جرت معركة ثالثة مع تنّين قاتل، سرق أحدهم كنزاً كان يحتفظ به التنين فتصدّى له البطل مع أحد أعوانه، فقُتل التنين، لكن بيولف أصيب إصابة خطرة، تسببت في موته في النهاية. فأحرق الأعوان جثته وأقاموا فوقها برجاً إلى جانب البحر.
ثمة جدل بين الباحثين حول تاريخ تدوين المخطوطة التي لا تحمل عنواناً، لكن أقرب التواريخ أنها قد وضعت بين عامي 975 و1025، وهو تاريخ غير مريح للباحثين. والمؤلف شاعر أنكلوسكسوني مجهول الاسم، لكن الباحثين يشيرون اليه باسم الشاعر «مؤلف بيولف». والمخطوطة التي تضم القصيدة كاملة تعرف باسم «مخطوطات نوويل». وفي عام 1731 شبّ حريق في «دار أشبنهام» في لندن حيث كان سير روبرت بروس كوتن قد حفظ الكثير من المخطوطات القروسطية، فأصاب مخطوطة بيولف ضرر كبير. لكن تلك المخطوطات محفوظة الآن في «المكتبة البريطانية» المتحف البريطاني سابقاً.
تدور أحداث الملحمة على امتداد القرن السادس، ويحتمل أن القصيدة قد حملها إلى بريطانيا في أوائل القرن السابع أناس من أصول «غيتلاند» استقروا في منطقة «إيست آنغليا» والقصيدة تمزج بين القصص الخرافية وبين الأحداث التاريخية الحقيقية مما جرى في القرن السادس فصاعداً، حكماً على أسماء الملوك والبلاد والأعمال البطولية. وقد تثير هذه الأجواء والأوصاف ما وصلنا من أخبار القبائل العربية في أواخر العصر الجاهلي، أي القرن السادس الميلادي. بل قد يدفع بعضنا للتفكير في أخبار القبائل العربية في اليمن، في ذلك الكتاب العجيب «كتاب التيجان في ملوك حِميرَ» على بُعد البون بين طبيعة الكتابين. فالكتابان أخبار منظومة بأسلوب شعري، قد يكون نظماً هزيلاً في «كتاب التيجان» حكماً على المخطوطة الوحيدة التي وصلتنا، مطبوعة في الهند، وبها حاجة شديدة إلى تحرير وتدقيق، لكن أخبار القبائل العربية لها أهمية تاريخية لا ينال منها النظم الضعيف.
قصيدة «بيولف» أفضل مثال على الشعر الانكلوسكسوني، بلغته التي تكاد تكون مستحيلة على الفهم، حتى بعد أن اجتهد الباحثون في «ترجمتها» إلى الإنكليزية الحديثة. والشعر الانكلوسكسوني، حكماً على أفضل أمثلته المعروفة في «ملحمة بيولف» يتبع نظام الشطرين، كما في العربية. لكن ليس فيه قافية، كما في العربية. بل إن الإيقاع الذي توفّره القافية العربية يقابله في الشعر الأنكلوسكسوني النَبرْ على «صوت» الحروف في تواترها في كلمات السطر/البيت. في كل شطر نبرتان على «صوت « كلمتين، لا على الكلمتين، تتكرران في الشطر الثاني، ومثلها في الشطرين اللاحقين، وأحيانا يكون النبر الثاني في الشطر الثاني مختلفاً عن ما سبقه. هذا كله من عمل الباحثين في اللغة الأنكلوسكسونية، ويصعب على غير اللغوي المتخصص أن يسيغ كل هذا في لغة غير منطوقة ولا يوجد من تكلمها منذ أكثر من عشرة قرون. هذا التكرار في النبْر على صوت بعينه في اللفظة، إذا ما قبلنا بتفسير المتخصصين لا مثيل له في العربية، وقد اصطنعوا له اسم «الجناس الاستهلالي» وما أثقلها من تسمية. يمثلون لذلك بقولهم: «صُداح صافٍ في صبيحة صيف». هنا يكون النبْر على «صوت» الصاد لا على كلمة صُداح، صافٍ.
هذه ترجمة «كسيحة» للمقاطع الأولى من «ملحمة بيولف» أرجو الا تصيب القارئ بالعطاس، إن لم نقُل بالزكام! ولكن القصد إعطاء صورة تقريبية لشعر خشن الملمس، بلغة قبائل جرمانية، يتلمس القارئ بعض معانيها إذا كان يعرف شيئاً من اللغة الألمانية، إذ يلوح له شيء من المعنى إذا ذكّرته لفظة ألمانية بأخرى أنكلوسكسونية في السياق.
سَماعِ! نحن الدانماركيون، حَمَلَة الرماح
منذ الأيام الخوالي
أيام ملوك القبائل
سائرة أخبار مجدهم.
غالباً سكولا إبن سكيف
من جموع الأعداء،
من شعوب كثيرة،
استحوَذَ على مقاعد في القصور،
وأرعَبَ هيرولي المخيف
بعد أن كان من قَبل
ضعيفاً ومنبوذاً،
فنال العِوَض بعد ذلك،
فتعاظَم تحت الغيوم ،
وتقلّب في الأمجاد،
حتى إليه كل واحدة
من القبائل المجاورة خَضَعَت
تلك التي وراء طريق الحوت
اضطرت للخضوع.
و»طريق الحوت» هذه كناية عن «البحر» مثل «مسرى الإوزّ» كناية عن «البحيرة» أو «النهر». وهذه «الكنايات» واسمها في الأنكلوسكسونية «كِننْ» شائعة في لغتهم، مما يزيد في حيرة القارئ المعاصر. وثمة الكثير من الكلمات المستغربة ومن «حوشي اللفظ»، دونها ما نجد في شعر الشنفرى مثلاً وهو الشاعر الجاهلي الأقدم من امرئ القيس على رأي بعض الباحثين. ففي أشهر قصائد الشنفرى نقرأ:
دَعَستُ على غَطشٍ وبَغشٍ وصُحبَتي     سُعارٌ وإرزيز ووَجرٌ وأكفلُ
فقد «يستذوق» القارئ العربي، الذي يحب الشعر مثل هذه الغرائب اللفظية، لسبب أو آخر، ربما لغرابتها أو لقيمتها التراثية. ولكن أحسب أن القارئ المعاصرفي الإنكليزية قد «ينفر» من قراءة 3182 بيتاً/سطراً من شعر لا تربطه به سوى خيالات من عالم قديم لم يعُد له وجود، سوى في بعض الأبنية والتماثيل الصخرية التي قاومت الزمن. ويا حسرتي على سهر الليالي في طلب المعالي في الدراسات العليا، حيث فُرض علينا في امتحانات الدكتوراه في الأدب الإنكليزي «قراءة وتفسير» نصوص بالأنكلوسكسونية، لم يُسعفنا فيها سوى قراءة نصوص من «العهد القديم» في الترجمة الأنكلوسكسونية، إلى جانب نسخة من ذلك «العهد القديم» في نسخة الملك جيمس بالإنكليزية شبه الحديثة. ولا أحسب ان أحدنا رغب في قراءة شيء من ذلك الأدب، بعد أن نفذ من المصيدة.

ملامح من الأدب الأنكلو ـ سكسوني
«بيولف» أقدم ملحمة جرمانية تقع في أكثر من ثلاثة آلاف بيت
د.عبد الواحد لؤلؤة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية