ثمة مسألة ثقافية ليست بالخطيرة، لكنها ذات مغزى في حياتنا العامة. بأي الشهور يجب أن نؤرخ: بالشهور المشرقية أو بالشهور التي دخلت بلادنا العربية عن طريق الاحتلال، من البلاد الأوروبية؟
إن أسماء شهور السنة الأوروبية مأخوذة عن الحضارة الرومية، وليس «الرومانية» كما شاع خطأ. فالنسبة إلى «روما» هي «رومية» مثل «الإمبراطورية الرومية المقدسة» التي تتبع «الكنيسة الرومية». أما «الرومانية» فهي نسبة إلى «رومانيا». لكن الخطأ الشائع تغلّب على الصحيح المهجور، تلك الحكمة المأفونة!
أسماء الشهور الأوروبية مأخوذة عن اللغة اللاتينية، لغة الحضارة الرومية. وهي تشير إلى أسماء آلهة أو أبطال في تلك الحضارة. وهذا عمل مقبول ثقافياً، لأنه لا يأتي اعتباطاً أو من فراغ. فاسم الشهر الأول في التقويم «الغريغوري» مشتق من الاسم اللاتيني «يناريوس» وهو اسم الإله الرومي «يانوس» إله الشمس وحارس أبواب السماء. والشهر الثاني: «فبرايو» من الفعل بمعنى التطهّر، في اليوم الخامس عشر عند الرومان. والاسم الثالث «مارس» هو اسم إله الحرب عند الرومان. واسم الشهر الرابع باللاتينية «إبريل» مشتق من الفعل «آبريري» أي التفتّح، وهو اسم الإلهة التي تفتح أبواب السماء لتسطع الشمس بعد غيابها في الشتاء. والشهر الخامس «مايو» اسم الإلهة «مايا» إلهة الخصب عند الرومان. والاسم السادس «يونيو» من اسم الإلهة «يونو» إلهة القمر وزوجة المشتري. واسم الشهر السابع «يوليو» من اسم «يوليوس» القيصر، وكان يسمى «كوينتليس» أي الخامس لأن السنة عند الرومان تبدأ في شهر «مارس» أي قبل إضافة «يناير» و»فبراير». واسم الشهر السادس «أغسطس» من اسم الإمبراطور «يانُس أو كتافيوس آوغسطس». ثم تأتي الشهور السابع والثامن والتاسع والعاشر من الأرقام «سيبتو، أوكتو، نوفم، ديسم» على التوالي. ولما انتشرت أسماء الشهور هذه بعد سقوط الإمبراطورية الرومية المقدسة وظهور القوميات الأوروبية، صارت الشهور تتحول بلفظها اللاتيني إلى لغات الأقوام الجديدة، فصارت: يناريو، فبرايو، مارسو، أفريلي، مايو… الخ، ومثل ذلك في اللغات السلافية وغيرها.
أما لماذا انتقلت أسماء الأشهر الأوروبية هذه إلى بلادنا العربية فعلمها عند ربي والمأخوذين «بالمدنية» الغربية، على حساب «حضارتنا» العربية. وفي الشمال الافريقي، تحوّرت أسماء الشهور الأوروبية المستوردة لتناسب «رطانة» بلاد المغرب. فصارت: جانفي، فيفري، افريل، جوان، يوليوز، غشت/آوت، شتنبر، نونبر، دجمبر. وهذه شائعة في تونس والمغرب. مقبولة على مضض هذه التغييرات في اللفظ. أما «غشت» هذه وابنة عمها «أوت» فهي سمك عسير الهضم. والسؤال غير المستغرب هنا هو: كيف يفهم المشرقي هذه الأسماء الأوروبية ـ المغربية، قبل أن تفسر له، لكي يعتاد عليها بعدئذ، وعلى مضض؟!
أما في بلاد المشرق، وخاصة في بلاد الشام: سوريا ولبنان وفلسطين والعراق فقد كانت الشهور السريانية المعربة هي المستعملة. وفي الجزيرة العربية كانت الشهور العربية هي المستعملة: محرّم، صفر، ربيع الأول… وهذه جميعا ترتبط بصفات المناخ، في الغالب: الربيعان والجمادان، ورمضان من الرمضاء، أي شدة الحر، وهكذا.
والأسماء المشرقية نشأت في فلسطين التاريخية ثم انتشرت في ما صار يدعى بلاد الشام ولبنان. والأصل في هذه الأسماء اللغة الآرامية، لغة السيد المسيح عليه السلام. ثم تطورت إلى السريانية، وهي المشتقة من الآرامية التي ما تزال مستعملة في مناطق عريقة من سوريا، وبعدها الكلدانية، في قرى شمال شرق العراق. وقد تعربت هذه الأسماء قليلاً بما لا يغشّي على أصلها السرياني، وبدأ استعمالها عام 312م كما تذكر التواريخ.
بعض أسماء الشهور السريانية هذه ذات أصول أكدية، أو أنها شبيهة بها. شهر آذار هو آدارو بالأكدية. شهر نيسان في البابلية يفيد البدء والتحرك، أي بداية النمو في النبات. شهر أيار في البابلية يفيد: الضياء. شهر حزيران في السريانية يفيد: القمح. شهر تموز: سومري، بابلي هو «ابن الحياة» إله سومر وأكد الذي يقتله خنزير برّي ثم يعود إلى الحياة. شهر آب، في البابلية يفيد: العَداء، شدة الحر، وهو إله النار. وفي السريانية يفيد: الغلال. أيلول في البابلية يفيد الصراخ، المناحة على الإله تموز القتيل. تشرين الأول، الثاني يفيد: السابق، اللاحق. كانون الأول، الثاني يفيد توقف العمل بالزراعة لبداية موسم البرد وتحضير الكانون، موقد النار في الأول والثاني من هذين الشهرين.
وقد بدأ استعمال هذه الأسماء السريانية المعربة في بلاد الأندلس (611 ـ 1492م). ومن هم أهل الأندلس؟ هم أجدادنا من «طالعة الشام» أي الذين «طلعوا» من بلاد الشام إلى الأندلس. وما يزال الفعل «طلع» في بلاد الشام يفيد «هاجر» أو «سافر» كقولهم اليوم «قبل ما طلعوا لأوروبا». وهم كذلك من «طالعة اليمن». ومن أكثر من هذين عروبة؟ ثمة إشارات كثيرة في المدوّنات الأندلسية تشير إلى استعمال أسماء الشهور السريانية المعربة. في مجلة «الأندلس» التي كانت في أربعينات القرن الماضي وخمسيناته تصدر في غرناطة ومدريد، ثم تغير اسمها إلى «القنطرة» قرأتُ مخطوطة قصيدة أندلسية تتحدث عن اختلاف المناخ مع اختلاف البلاد. تقول القصيدة: فإن تموز في صنعا وقرطبة/بردٌ، وكانون يُذكي فيهما الشُعلا. وقرأتُ مخطوطة عقد بيع دار يقول «كُتب بغرناطة الحمراء المحروسة في اليوم العاشر من صفر الخير الموافق للثاني عشر من شهر نيسان لسنة … من تاريخ المسيح عليه السلام». ومثل ذلك نجد المعرّي (973 ـ 1057) م يقول: «تشتاق أيارَ نفوس الورى/وإنما الشوق إلى ورِدِهِ». وما تزال أسماء الشهور المشرقية، بأصولها السريانية ـ البابلية أو الأكدية مستعملة في بلاد الشام والعراق. ويكثر استعمالها بشكل خاص في الزجل اللبناني، مما يدل على تجذُّر هذه الأسماء في الوجدان الشعبي، كما نرى في الأغاني اللبنانية التي حافظت على هذا التراث الأصيل، على الرغم من «تَفَرنُس» الحياة والسلوك في لبنان. ألا يثير الحنين فينا ما يصدح به وديع الصافي ورفاقه: ياعمّار العمّارين/دبّرنا قبل تْشارين، وابنِ لنا داراً «فيه أودة وعليّه ودار/يكونوا شبابيكن حلوين»! ووصف الخدود بأنها «وردة نيسان»؟ وهل مثل فيروز الملائكية من يصف همسة الحب في «طَلّ وسألني إذا نيسان دق الباب»؟
إذا كانت أوروبا بشعوبها ولغاتها المختلفة قد حافظت على أسماء الشهور كما ورثتها عن حضارة روما القديمة، فلماذا لا نحافظ نحن، بلغتنا الواحدة على تراث الأسماء المشرقية التي ورثناها عن حضارة واحدة، ونذهب إلى استعمال أسماء شهور من حضارة غير حضارتنا؟
بلى، لدينا شهور عربية خالصة، اكتسبت مسحة إسلامية، يحسنُ بنا ان نستعملها مثل: الثاني عشر من شوال/السادس عشر من أيلول، مع وضع رقم السنة الهجرية وما يقابلها من السنة الميلادية بعد شوال وأيلول. ولكن أن نضع الشهر الهجري/الشهر الميلادي بالصيغة الأوروبية لا أجد أفضل ما يمكن أن يوصف به سوى أنه: عقدة الخواجا، والعياذ بالله.
د. عبد الواحد لؤلؤة