«من جيبك أنت» تحكم مصر

حجم الخط
3

تستحضر العديد من الأحداث كلمات الشاعر تميم البرغوثي «في العالم العربي تعيش»، خاصة الخوف من نشرة الأخبار التي لا تحمل إلا المزيد من أخبار الموت والمعاناة. 
ومن الطبيعي ان تكون تلك النوعية من الأخبار جزءا من المشهد المصري الملتبس، وهو على مشارف ذكرى ثورة يناير، سواء تعامل معها البعض بوصفها فرصة للاحتفال وتجديد التفويض، أو للبكاء على الثورة الضائعة، أو للحساب والتعلم. وفي خلفية المشهد تتنوع الأخبار التي تعيد للواجهة شعار «من أجلك انت» الذي طرحه الحزب الوطني الديمقراطي في مؤتمر من مؤتمراته السنوية، والذي لم تنجح الثورة في إسقاطه كما لم تنجح في إسقاط النظام الذي أنتجه.
ولأن كلمة «أنت» في الشعار جاءت غامضة، خاصة في علاقتها بوجود إنجازات مفترضة من أجل الشخص المقصود، فقد افترض البعض أنها تشير للحاكم الذي تدور كل التطورات حوله ومن أجله، مقابل المواطن والوطن ونصيبهم من المعاناة. وفي الواقع ومن التطورات المحيطة يمكن أن نميز بين «أنت» التي تحمل تفسير المواطن، عندما يقصد بها من «جيبك أنت»، و»أنت» صاحب السلطة والسلطة نفسها عندما تكون «من أجلك أنت».
يعبر شعار «من جيبك أنت» عن المرحلة ورؤيتها للمواطن بصور متنوعة كما يظهر من تصريحات رئيس الاتحاد النوعي لجمعيات حماية المستهلك والاقتراح الذي قدمته لوزير التموين ووعد بدراسته بفرض رسوم على بطاقات التموين لتمويل الجمعيات. أعباء جديدة على المواطن الذي يفترض أن يدفع ثمن مشاكل السلطة وسوء الإدارة وغيرها من الخدمات المفترضة. في الوقت نفسه الذي أشادت فيه رئيسة الاتحاد بوزارة الصناعة التي تتبعها الجمعيات لتمويلها جزءا كبيرا من مؤتمرها السنوي، أما دور المؤتمر وتمويله في حماية المستهلك، والبند الذي يتم على أساسه فرض الرسوم ومن يضبطها ويجعلها الرسوم الأخيرة، فتبدو تساؤلات غير مهمة، مادام المواطن يدفع والمؤتمرات تقام. للحظة نتذكر فيلم «طيور الظلام» والحديث عن الحملات الانتخابية والدعاية وتكلفتها الضخمة، رغم حاجة الناس للأموال والأقمشة، تناقض دفع حملة الوزير في الفيلم لتوزيع الأقمشة بدلا من الشعارات، ولكننا في الواقع نستهلك الكثير من الشعارات المضرة بصحة المستهلك ونهدر الكثير من الأقمشة والأموال.
تبدو الفجوة واضحة بين الكرسي والمواطن، وأن يدفع المواطن لا يعني أن يعرف أو يحاسب على إنفاق تلك الأموال مثل رسوم النظافة التي فرضت على فواتير الكهرباء منذ سنوات، من دون توفير الخدمة التي فشلت الدولة فيها رغم حديثها الطويل عن الشركات والخبرات الأجنبية. أصبح على المواطن تحمل تكلفة الخدمة التي لا تقدم على الفواتير والخدمة التي تقدم في الواقع. المهم أن يدفع المواطن أما المقابل فيستحق أن يردد «في العالم العربي تعيش..».
بدوره أعاد اللقاء الثاني للرئيس عبد الفتاح السيسي مع عدد من رؤساء الأحزاب السياسية ذكريات مرحلة مبارك والحزب الوطني للواجهة، خاصة التعبير عن هامشية الكثير من الكيانات القائمة والشعار المفتاحي للمرحلة.
نقلت تصريحات رؤساء الأحزاب المشاركين كيف طالبت بأن يكون البرلمان قويا بما يعكس افتقادها الاحساس بالدور والمكانة. هي لا ترى أن البرلمان يفترض أن يكون معبرا عن سياستها ومواقفها والأداء المباشر لها في البرلمان، ولا ترى أنها أحزاب يفترض أن تنافس على السلطة وتسعى للوصول لها، ولكن ترى أن دورها مكملا للمشهد وأن عليها ان تطالب وتناشد صاحب السلطة.
نقلت التصريحات مطالبة تلك الأحزاب بدعم مادي ومعنوي، وان أمكن فهم الحديث عن الدعم المادي الذي مثل جزءا كبيرا من الممارسات السلبية لواقع ما قبل الثورة، فإن الحديث عن الدعم المعنوي تعبير آخر عن فشلها في قراءة دورها ودور السلطة. فكيف تتصور أن تكون لها قدرة على الوصول للبرلمان عبر دعم مادي ومعنوي من «الحاكم»، في الوقت الذي قد تعبر – نظريا- عن سياسات ومواقف معارضه له. وكيف تفترض أن يدعمها كلها رغم الاختلافات المفترضة بينها في البرامج والأهداف. وكيف تدافع عن استقلاليتها إن كان وصولها للبرلمان رهنا بالدعم، وكيف تتصور جدارتها بالتمثيل إن لم تستطع إيجاد قاعدة شعبية كافية، وكيف يفترض أن يكون البرلمان قويا ومتنوعا إن كان الوصول له رهنا بالدعم الرسمي، وكيف يتم بناء ديمقراطية والحفاظ على علاقة التوازن المفترضة بين السلطات في ظل تأكيدهم على سيطرة الرئيس على تفاصيل المشهد؟
 يعبر الموقف عن واقع تلك الأحزاب بوصفها جزءا من الديكور الذي منح النظام لسنوات الشكل الديمقراطي دون المضمون. وبهذا كان من الطبيعي أن تركز حديثها بعد اللقاء عن البدء في عقد تحالفات للانتخابات على طريقه، وفقا لتوجيهات السيد الرئيس.
تبدو التصريحات التي أحاطت باللقاء مربكة للمنطق، ولكن وفقا لعدد منها فإن مصر ليست في مرحلة الحديث عن الديمقراطية، ولكن في مرحلة التكتل حول السلطة، الأمر الذي دفع رئيس حزب لإعلان النية في نشر أسماء الأحزاب التي ترفض الانضمام في قائمة موحدة، وكأنها بهذا ترتكب إثما وطنيا يستحق الإدانة. وان أردت أن تتفق مع تلك الرؤي الحزبية فعليك أن تسأل عن الحاجة للإنفاق الضخم على الدعاية، وعن أسباب مطالبة تلك الأحزاب بدعم مادي سيأتي من جيب المواطن، وعن شكل ديمقراطي يؤكدون على حاجتهم لما يقدمه من دعم ومميزات، بدون التمسك بما يفرضه عليهم من حقوق وأدوار. وعلى المواطن أن يسأل عن مصلحته من الإنفاق على تلك الأحزاب وفائدة وصولها للبرلمان من عدمه.
يعمق تلك التساؤلات الأوضاع التي يمر بها المواطن ولا يحاسب عليها أحد. أوضاع لا تتوقف عند انقطاع الكهرباء والأسباب المقدمة مثل زيادة استهلاك أجهزة التدفئة، وكأنه حدث مفاجئ ولم يتوقع حدوثه في الشتاء، أو أن المواسير تعرضت للتجمد في محطات الكهرباء، بما يطرح اسئلة عن الأوضاع في الدول المجاورة ودرجات الحرارة المتغيرة. ولا تتوقف عند انقطاع المياه لأيام باسم الصيانة السنوية، وكأنها وضع يفترض ان يزيد معاناة المواطن. ولا على تكرار غياب أنابيب البوتاجاز وارتفاع ثمنها عندما تتوفر، لدرجة وفاة عامل لحصوله على أنبوبة بسعرها المفترض والحديث عن أن الاحتياطى يكفي 4 أيام فقط بسبب انخفاض درجات الحرارة وإغلاق الموانئ وتأخر السفن وكلها أخبار غير جديدة ولكنها تطرح الكثير حول الإدارة والمحاسبة الغائبة.
لا يتوقف شعار «من جيبك أنت» على حدود تمويل جمعيات حماية المستهلك ولكن يمتد لحديث متجدد عن رفع أسعار تذاكر مترو الأنفاق وهي الاخبار التي تأتي على طريقة رفع الاحسان المقدم من السلطة للمواطن، وهي تؤكد على الفارق بين سعر التذكرة وما يفترض أن تصل إليه وتقارنها بدول العالم المتقدم. لا تتحدث السلطة عن الأوضاع المعيشية في العالم المتقدم، وأنه لا يشهد انقطاع المياه والكهرباء وغياب الأنابيب بشكل متكرر، ولا يشهد وسط مدينة كبرى مثل الإسكندرية وهي عائمة في مياه الصرف الصحي. لا يتحدث أحد عن تلك المقارنات إلا عندما يتعلق الأمر بما يجب أن يدفعه المواطن وليس ما يجب ان يحصل عليه ولا شكل الخدمة ومستوى المعيشة ولا أسلوب التعامل المفترض. يخرج من يتحدث فجأة عن إمكانية تمويل عجز المترو بزيادة الإعلانات في العربات والمحطات وهو وضع له ضوابط ويتم في الكثير من الدول، ولكن الكراسي لا تهتم كثيرا بما يمكن أن يرفع جودة المنتج ويخفض العجز من خارج جيب المواطن. لازالت «من جيبك أنت» تحكم المشهد، والسلطة تؤكد في كل لحظة أنها لا تملك ولكنها لا تحدد ما الذي يمكنها القيام به لجدارة تولي المسؤولية مثلها مثل الأحزاب التي ترغب في مقاعد البرلمان من جيب المواطن وبصفقات سياسية لا تتعلق بالدور والبرامج والشعبية. وإن كان البرنامج قد غاب في انتخابات الرئاسة، فالطبيعي أن لا تهتم الأحزاب كثيرا بالبرامج لأن لديها أجندة عنوانها العريض الاصطفاف الوطني وتفاصيلها من جيب المواطن من أجل الكرسي.
تحكمنا قبل ذكرى الثورة الكثير من ملامح ما قبلها، ولكنها كاشفة لان الكثير مما كان يقال خلف الأبواب المغلقة أصبح يقال في العلن تحت شعار»من جيبك انت» في الحديث مع المواطن، في حين يؤكد الواقع والتصريحات أن السلطة هي المستهدفة من معارك «من أجلك أنت.» معارك يقوم فيها المواطن بدور الممول وشد الحزام وتحمل المعاناة وكل ما حوله يؤكد أن عليه ان يدفع من دون ان يحاسب على الخدمة والجودة، رغم أنه لا يحصل على مؤتمرات سنوية ولا مقاعد برلمانية ولا حزام مجاني لشده ولا أدوية تكميلية للصبر والقدرة.

٭ كاتبة مصرية

عبير ياسين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية