مهتدي الحاج يمتلك كاريزما الأنامل وإحساساً يلامس العبقرية

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: عندما رآى البيانو للمرة الأولى وجهاً لوجه في منطقة بشار الخوري ابتهج. كان في عمر الـ15 وقد أتقن منفرداً قراءة النوتة والعزف على الاورغ الصغير الذي وجده في البيت. سعيه لتأكيد موهبته وتحقيق ذاته أكثر من أن يُحصى. وفي تموز/يوليو الماضي فاز مهتدي الحاج في مسابقة عالمية في بودابست بالمرتبة الأولى. سنة 1987 ولد في المريجة «ضاحية بيروت الجنوبية» ولم تلامس ملعقة نوتة فمه، ودون عائلة موسيقية، ولا أرستقراطية تقتني البيانو في صالونها الفسيح. بجهد ذاتي حصد شهادات من المختصين تؤكد امتلاكه مهارة وإحساساً يلامسان العبقرية. باختصار لمهتدي كاريزما أنامل ليست لكثيرين. شهادات لم نقرأها في سواه من عازفي البيانو اللبنانيين. مع مهتدي الحاج هذا الحوار:
○ عزفت أصعب مقطوعات رخمانينوف في المجر وحققت الفوز. كيف وصلت إلى هذه المسابقة؟
• تحتاج مقطوعة رخمانينوف «بيانو كونشيرتو الرقم 3» حوالي ثلاث سنوات من التمارين. وتُصنّف بأنها الأصعب عزفاً برفقة الأوركسترا في ريبرتوار الكلاسيك جميعه منذ 400 سنة حتى الآن، وتشكل تحدياً كبيراً للـ»بيانيست». لم يعزفها لبناني وعربي من قبل. اعتدت الخوض في الصعب. لم أرغب أن يكون البيانو هوايتي وأن أعمل موظفاً، بل منحته وقتي كاملاً حتى خلال نومي، فزوجتني تراني أحرك أصابعي. وقررت خوض المغامرة وبحثت عن التحدي في مسابقات عالمية، فاهتديت إلى المجر.
○ وهل وصلت إلى مسابقة بودابست مباشرة من لبنان؟
• بل سبقتها مرحلة انتقالية في روسيا. ففي موسكو عزفت كونشيرتو رقم3 لرخمانينوف مرتين، الأولى في كانون الثاني/يناير، ومن ثم في حزيران/ يونيو وبمشاركة الأوركسترا. سافرت إلى موسكو بإيمان من عائلتي وحدها، وفيها اكتسبت ثقتي بنفسي. والتقيت بعضاً من «بروفسورز» البيانو المعروفين عالمياً، وكذلك قادة للأوركسترا، وعازفين، ونلت من الجميع شهادات مكتوبة. الآراء التي كتبوها بي لم أكن أتخيلها. وصلت إلى مباراة بودابست عندما بحثت عبر موقع إلكتروني متخصص عن مباراة عالمية في البيانو، فوجدتها في المجر فارسلت سيرتي الذاتية. فصلت أيام بين عودتي من موسكو وسفري إلى بودابست لمسابقة تضم ثمانية عازفين.
○ ما هي مميزات هذه المشاركة؟
• مصاعب عزف البيانو برفقة أوركسترا لا نواجهها مع بيانو صولو. ويكبر التحدي لأن فرص العزف مع أوركسترا في لبنان معدومة. امتد زمن المسابقة من 26 حزيران/يونيو إلى 12 تموز/يوليو، ويومياً كنا نخضع لاختبارات في العزف مع بروفسور مختلف، بهدف كشف قدرات العازف على مستويات متنوعة. وفي السادس من تموز/يوليو عقد اجتماع مغلق، اعلنت فيه الجوائز الثلاث الأولى، فيما نال الآخرون الشكر للمشاركة. أبلغنا مسؤول المباراة أن الاختيار يركز على الشخصية الموسيقية للعازف، وإيصاله رسالة المعزوفة عبر الإحساس والتكنيك الموسيقي. نالت الجائزة الثالثة عازفة من هونغ كونغ، والثانية نالها برازيلي يسكن في ألمانيا، وبعدها فقدت الأمل، واكتفيت بشرف المشاركة. وكانت المفاجأة بسماع اسمي للمرتبة الأولى. وكانت الجائزة سفر إلى سنغافورة للقاء بيانيست معروف ببحثه عن المميزين، وشهادة موقعة من القائمين على المسابقة.
○ هذا الفوز هل هو المفاجأة الأولى في رحلتك مع البيانو؟
• بل سبقتها محطة روسيا وفيها كانت مسابقة تمّ خلالها اختيار نخبة من العازفين وكنت من بينهم. وفي موسكو سمعت توصيفاً لعزفي يشبه كثيراً ما سمعته في بودابست. وللأمانة سمعت وصفاً لعزفي في لبنان يقول بقدرتي على جذب انتباه الجمهور من خلال الإحساس. فالإحساس في العزف يشبه في خصوصيته كاريزما الشخصية.
○ لماذا لم نر لك حضوراً في حفل لبناني كبير؟
• علمتني التجربة أن حدوداً تواجه أي عازف لبناني، فيما الحضور دون حدود متاح لأي عازف أجنبي. المعنيون في إدارة الدفة الفنية من حفلات ومهرجانات يؤمنون بأن «الفرنجي برنجي».
○ قرأت أنك تحاكي فرانز ليسْت في أسلوب عزفك ونراك تحاكيه في «اللوك»؟
• هو الأهم في رأيي في التاريخ. وفي زيارتي لوطنه المجر وطئت المطار الدولي الذي يحمل اسمه، والتقطت صورة أمام تمثال جميل له حين عزفت في نهاية المسابقة في «دانوب بالاس». وهذا الحفل يعتبر الجائزة المعنوية لكل من يفوز في المرتبة الأولى في هذه المسابقة. في هذا القصر عزف ليسْت. يحتفظ بتصميمه الذي يعود لـ300 سنة. وفي نهاية الحفل تسلمت بزّة البيانيست ذات المئة سنة من العمر. هدية ثمينة للغاية وسأرتديها في كافة حفلاتي. بالعودة إلى السؤال أتمنى أن يكون التشبيه قريباً من الواقع. وفي الحقيقة أن تشابهاً موجوداً في بنية اليد ومرونتها لدى فتحها. ليسْت عزف براحة وبدون نوتة. وهذا ما لفت أساتذة المعهد الموسيقي الوطني في عزفي، إلى جانب ما يعرف بـ»ظاهرة الذاكرة». أهتم أن تكون لي روحي الخاصة دون تقليد أحد. تُكتب المعزوفة بنوتة صامتة، والعازف الذي يحمل روح المؤلف يتمكن من ايصالها للجمهور، وهو الذي يضع بنية المعزوفة. يشرفني جداً ويحملني مسؤولية كبيرة أن يتم تشبيهي بليسْت.
○ وماذا عن فوزك بزيارة إلى سنغافورة؟
• هي مشاركة في حفل كبير يقام سنوياً، ويجمع الفائزين في المراتب الأولى في مسابقات عالمية في العزف. بدأت الاتصالات لتنسيق المواعيد. فمن شأن هذه المشاركة أن تفتح الآفاق المستقبلية لكل عازف.
○ لنعد إلى سيرتك ودراسة العزف في الجامعة الأنطونية وفي المعهد الموسيقي الوطني فماذا جنيت؟
• ما أتذكره ويذكرني به أخويَ الأكبر مني أني كنت أعزف كل موسيقى أسمعها من التلفزيون. وساعدني في ذلك أورغ صغير كان في بيتنا. تميز أخويَ بسماع حساس وأثارا الموضوع مع والديَ فكان لي أورغ بحجم أكبر. تعلمت النوتة بنفسي، وأطلقت على المصطلحات الموسيقية تسمياتي الخاصة. نظريات الموسيقى الكلاسيكية تتميز بالصعوبة لكني لمست أهميتها، وأسست مقرري الموسيقي الخاص. وعندما كانت للأهل مبادرات خاصة بأن أتعلم العزف في معاهد خاصة، كنت أجد نفسي مع الموسيقى الشرقية ويُطلب مني عزف هذه الأغنية أو تلك، في حين كنت قد أطلعت على مؤلفات بيتهوفن وموتسارت وشوبان وعزفتها في المنزل. تمنيت دخول المعهد الموسيقي الوطني ولم أتمكن لأني تخطيت السن. لكن القدر قال الكثير، فما كنت أعزفه وحيداً لم يكن يجيده من بدأوا التعلُم صغاراً في المعهد الموسيقي. لهذا أنا الآن في المعهد الموسيقي وأرغب ان لا أتخرج منه لأبقى على تماس مع الموسيقيين في لبنان.
○ متى شاهدت البيانو لأول مرة؟
• في الرابعة عشرة من عمري مررت صدفة أمام متجر للبيانوهات في منطقة بشارة الخوري. وقفت جامداً وكأني في الجنة. رأف بحالي صاحب المتجر وسمح لي بالعزف مقابل 2000 ليرة للساعة وهو السعر الذي كنا ندفعه لدخول صالات خدمات الانترنت حينها. أظن أن الرجل قرأ شغفي من عيني اللتان اتسعتا. هناك في منطقة بشارة الخوري وفي المتجر الحار جداً عزفت لبيتهوفن «سوناتا باتيتيك» والعرق يتصبب مني. مع لمسي المفتاح الأول من البيانو وجدت ضالتي. ولدى عودتي إلى البيت طلبت بيانو، لكنه فاق امكانات عائلتي. دخلت في المعاناة الخاصة. إنما اصرار والدتي على تلبية طلبي أسفر عن بيانو بالتقسيط، وكان هدية لنجاحي في الشهادة الثانوية. ومن حينها صرت أنام ليلي تحت البيانو وصار كل حياتي. وحققت حلماً آخر باللقاء بخريج من المعهد الموسيقي هو الأستاذ موريس فيلو. صدم حين زارني في بيتي وسمع عزفي، وعلم بأني معلم نفسي. فقرر أن يقدمني لأرمين الأستاذ في الجامعة الأنطونية. انتسبت لتلك الجامعة وبعد شهرين من الدراسة نلت شهادة بتفوق. وبعد أربع سنوات تسجلت في المعهد الموسيقي الوطني بهدف التواجد الدائم في بيئة عاشقة للموسيقى، متمثلة في مجموعة من الأساتذة المميزين. علاقتي بهم هي علاقة حب ومعرفة.
○ أين تعزف في لبنان؟
• ليس لموهوب في لبنان أن يعيش من عزف الموسيقى الكلاسيكية، وربما يتمكن في حدود من أن يعيش من الموسيقى الشرقية. كافة حفلاتي مجانية، وأعيش من تعليم العزف للطلاب. في برنامجي السنوي تقديم ثلاث حفلات وجميعها دون بطاقات مدفوعة. لو حصل العكس لكان العازف خاضعاً لرغبة الجمهور وليس حراً. طلابي سمعوا عزفي واتصلوا طلباً للدرس الخاص وعددهم حتى الآن 30 مما يستغرق كل وقتي. وهذا أنقذني من الوظيفة التي تقتل الموهبة والوقت.
○ هل سيغريك عرض ما خارج لبنان؟
• أظن الأمر في غاية الصعوبة، قراري البقاء في وطني، وفيه أنا في غاية الراحة. لا أنتظر دعماً أو تشجيعاً من جهات رسمية خاصة وأنها مُحركة سياسياً. بعد نيلي المرتبة الأولى في بودابست وحدها نقابة الموسيقيين هنأتني وكرمتني عبر النقيب فريد أبو سعيد. والشهادة المكتوبة التي حصلت عليها صارت معلقة في النقابة، وأبدوا رغبة في المساعدة حيث يتمكنون. ولن تكون لي مؤلفات في السوق لأنها ستتحول إلى تجارية.
○ هل من تفسير لديك لارتباط البيانو تاريخياً بالعائلات الأرستقراطية؟
• لكون البيانو كلاسيك غير تجاري ويلزمه دعم مالي، فهذا ما تتمكن منه العائلات الأرستقراطية. فهو لن يكون مصدر عيشهم. عائلتي طبيعية ولم أنجرف إلى التجاري من الموسيقى، ورحلتي عبارة عن مغامرة، ضحيت بكامل وقتي، وتبين أنه كان استثماري الكبير. وصلت لما أنا عليه دون انتباه مني. والحمد لله أنا الآن في غاية الراحة.
○ أليس لديك طموح ما تسعى إليه من جانب وطنك؟
• طموحي الوحيد أن يُمنح عازفو الكلاسيك في المهرجانات اللبنانية المحتكرة للأجانب، بما فيها حفلات كنيسة مونو نسبة 30 في المئة فقط لا غير.

مهتدي الحاج يمتلك كاريزما الأنامل وإحساساً يلامس العبقرية
موهبة من لبنان في عزف البيانو تكشفها مسابقة في المجر
زهرة مرعي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية