نديم ثابت: صورت شباباً لا ينتظمون في الصف بل يعيشون تجاربهم بحزن ونوستالجيا

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: عندما سألت نديم ثابت من أين أتى إلى السينما؟ كان رده «من تقليد الحياة السينمائية التي بدأت أعيشها منذ عمر 13 سنة. شاهدت أفلاما لا تحصى لغودار، وبرغمان، وسبيلبرغ، ولوكاس وغيرهم. حتى أني كنت أحفظ تاريخ إنتاج كل الأفلام تقريباً وما نالته من جوائز وأنا في عمر 16 سنة، ومن هنا دخلني فيروس السينما. كنت أتمنى ان لا يصيبني، فالحياة أفضل بدونه».
حتى وإن لم يتخصص نديم ثابت في الإخراج السينمائي فشغفه هذا كفيل بدعمه لتقديم فيلم روائي «يوم ببيروت» يحاول من خلاله الإجابة على أسئلة تشغله. لكن المشاهد وبالنظرة المباشرة للشريط والسيناريو يرى شباباً في ضياع. فيما يرى ثابت أنه كان منشغلاً بتصوير الحالة الداخلية لهؤلاء الشباب، خاصة حزنهم العميق وكآبتهم. في رأيه هذا ما عايشه حين كان في عمر يمتد من 17 إلى 22 سنة، ولم يخترع حكاية.
مع نديم ثابت كان هذا الحوار:
○ »يوم ببيروت» هو بداية حياتك في السينما شريط أخبرنا أننا نتجه نحو الهاوية مع جيل الشباب الذي شاهدناه. كم هذا صحيح؟
• هل هذا ما رأيته في الفيلم؟ «ثم يتبصر في السؤال ويتابع».
لا أراه غامقاً إلى هذا الحد. الطموح والمستقبل في لبنان لا يظهر أمام الشباب بين عمر 17 و22 سنة. بالنسبة لي بات المستقبل واضحاً عندما سافرت إلى فرنسا. اعتدنا في لبنان قبول الحياة كما هي. فهكذا نرى البالغين حولنا. في حين أن الشباب من 17 إلى 22 يعيشون يومياتهم ولا يرون الحياة طويلة. ربما من هذه الزاوية أنت محقة، فمن صورهم الفيلم لم يكن المستقبل ضمن لغتهم، بل يعيشون اللحظة. عندما نبلغ الثلاثينيات نقرر برنامجاً يومياً وننفذه. المراهق يقرر إنجاز مهمة ما، لكنه إن صادف صديقاً في طريقه، يمكن للأخير تبديل مساره. في السيناريو هناك من يتابع الطريق دون هدف. أن نقدم هذا الفيلم فهذا لا يعني أن لبنان في وضع يرثى له، ولست أنا من يقرر هذا الحال بالطبع. ما أعرفه جيداً أن الناس يعيشون حزناً ممزوجاً بالنوستالجيا. وهذا ما أحب تصويره في الإنسان، وليس فيديوهات الحب والحياة المنتشرة دون حدود. ولا أحب تصوير الإعلان عن بيروت التي تعج بالنايت كلوبس، الموسيقى والديدجيز. أبحث لدى الشباب الذين يملؤون عالم الليل عن الإحباط، النوستالجيا والحزن. وهذا طبعاً لا يعني أن شباب لبنان في حال كارثي.
○ »يوم ببيروت» كم يمثل من حياتك في مرحلة المراهقة؟
• أكيد أنا موجود في مساحة معينة، وكذلك أصدقائي. هذا الفيلم يمثل جزءاً من محيطي. هؤلاء لم أرهم في الأفلام اللبنانية، كنت أرغب بذلك ففعلت. لست أملك الجواب إن كان الجميع في لبنان كما الشباب في الفيلم. رغبت في مشاهدة نفسي فكان «يوم ببيروت». يكفي ديكتاتورية في تقديم الناس من خلال ذاكرة الحرب، يجب تقديم ما نراه أمامنا. هذه البيئة موجودة في وطننا، وتلك المرحلة من العمر تستحق أن نذكرها في فيلم.
○ صورت الشباب وحدهم. أين الأهل؟ لماذا أخفيتهم خاصة عند مرافقة والدي «ياسمينا» لها إلى مركز التأهيل؟
• بصراحة تامة هناك حقيقتان. بدأت الكتابة والأهل من ضمن السيناريو والصورة. عمر الأهل يفترض أن يتراوح بين 45 و50 سنة. عندما فكرت فيممثلين لتلك الأدوار يؤدون طبيعياً لم أجد. الممثلون في لبنان يلعبون وفق متطلبات التلفزيون، وهم مجيدون في تجسيد الكارثة. من جهة أخرى رأيت في وجود الأهل تحويلا للفيلم نحو السوسيولوجي، كما من شأنه أن يفرض الاشارة إلى البيئة وربما الدين. لم أكن أرغب في هذا، بل أميل إلى تصوير الأنثروبولوجي لدى البشر. للأنثروبولوجيا أن تستخرج الأشياء من الداخل دون جهود في اظهارها سوسيولوجياً.
○ لماذا في رأيك افتقدنا البهجة خلال مشاهدة الفيلم؟
• ليس لي توجيه انطباعك عن الفيلم، خلصت بأنه «اكتئاب» فهذه مشاعرك. من جهتى أرى أن ما قدمته هو الحياة. أرغب في رؤية الأشخاص في حالات الإحباط والحزن. ففي هذه الحالات يصبح الأشخاص أكثر قرباً من قلوبنا. بعضهم كان ممتلئاً بالحب كما فؤاد الذي لم يمل كتابة رسائل الغرام. كما يحب السياسة والمظاهرات رغم «اكتئابه». مع تلك الحالات نعيش الـ»دبرسة» بكل قساوتها. فعندما يترك الحب شخصيات الفيلم، تبدأ الحياة بالنسبة لي.
○ أظهرت الشباب الذين يحبون الموسيقى متلازمين مع التفلت من أي ضوابط ومنجذبين للمخدرات. أليست صورة سلبية عن الموسيقى والموسيقيين؟
• ثمة حقيقة في السيناريو الذي كتبته. حين كنت في عمر 18 كان الزمن سنة 2000. ما أعرفه واقعاً عن جيلنا أنه كان يتجه إلى الحد الأقصى في سلوكه، وبتعبير أدق كان متطرفاً في اختياراته. نعم الضياع أخذ حدوده القصوى، وهذا ما قرأته مساراً إيجابياً كونه يساعد في اكتشاف الذات. بعكس من يلتزمون مسار الصف والإنتظام. أنا مع الحياة، أي مع التجربة.
○ قال ماركس «الذي لا يعرف تاريخه محكوم عليه تكراره». ما هو دور هذه الجملة الإعتراضية في الفيلم؟
• أحب هذه الجملة كثيراً. وضعتها لأني أطرح هذا السؤال ولا أملك جواباً. نردد في لبنان السؤال عن تاريخنا وعن ذاكرتنا وما من أحد يتناول الحياة اليومية. أفهم جيداً أن القصة يلزمها تاريخ. على سبيل المثال فرنسا تحب تاريخها لكنها تتعامل مع المسلمين تماماً كما كان التعامل مع اليهود في ثلاثينيات القرن الماضي. عندها سأطرح تساؤلاً عن فائدة التاريخ؟ صراحة لا أدري مدى أهمية معرفة التاريخ.
○ قزّمت دور الشباب الساعي للتغيير من خلال المظاهرات كما فؤاد. لماذا؟
• أهتم جداً بهذا الجانب في حياة الشباب. رداً على تحديد الـ»دوزاج» ففؤاد شخصية تعيش وظهوره مكثف في الفيلم في رأيي. المظاهرة لا تشغل الشباب بالمستوى عينه، فمنهم من يقصدها للقاء الأصدقاء.
○ لماذا حضر «داعش» من ضمن الفيلم؟ هل للقول أن هؤلاء الشباب لا يعرفون وطنهم؟
• نعم. هذا واقع جدي دون أن يتسبب لك في الحزن. جيد أنك شاهدت الفيلم فقد ساعدك في اكتشاف جديد عن وطنك. هذا النوع من التعاطي مع أمور الحياة أنظر إليه على أنه توثيق للحياة.
○ ممارسة الجنس لأول مرة شغل مايا، وانتهت باكتشافه مع شاب سوري يهرّب السلاح. جيد أنك قدمت النازح السوري الأنيق بعيداً عن العنصرية والتنميط.
• أعرف أن بعضهم سيسأل لماذا سوري؟ ميشو كاوبوي ويرتدي سترة جلد. النازح السوري ليس نمطياً، شاب «حليوى ومسيطر». أحب الـ»فانتاسما» كثيراً. أعرف حكايات غرام لفتيات لبنانيات مع شبان سوريين. ميشو ليس إرهابياً، يهرب السلاح بهدف تحرير سوريا من الديكاتورية. ميشو ثائر.
○ نشهد لك حسن اختيارك وإدارتك للممثلين من يمنى مروان إلى منال عيسى التي اتقنت صورة المراهقة. هل أتعبك الفريق الذي تعاملت معه؟
• أحب أبطال فيلمي. وجه معبر يكفيني لتصوير فيلم وجه. لا أحتاج مطلقاً لطائرات هليكوبتر. فيلمي بسيط جداً، فأنا مغرم بالصور. لهذا يمكنني إنجاز الكثير من الأفلام بالحد الممكن من المال، لأني أعشق تصوير الناس، وأن أكون بقربهم وأشعر بأنفاسهم. عملنا بكثافة لمدة شهرين قبل التصوير.
○ الحضور لمن هم فوق 18 عاما هل هذا ما أردته؟
• بالعكس. لم يرق لي هذا. كنت أرغب لو يشاهد هذا الفيلم شباب في عمر 15. حزين نسبياً لكنني رغبت أن لا يتعرض الفيلم للمقص.
○ ماذا عن جديدك مع أبوط بروداكشن؟
• نعمل على فيلمين جديدين أحدهما رعب، والثاني قصة حب بين غنية وفقير.

نديم ثابت: صورت شباباً لا ينتظمون في الصف بل يعيشون تجاربهم بحزن ونوستالجيا
«يوم ببيروت» يركز على الشباب في العمر الحرج فنعيش ضياعهم
زهرة مرعي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية