هل للكتابة التاريخية ذاكرة؟

إن القول بالذاكرة المُسندة إلى كتابة التاريخ، أو المُراد تطبيقها عليها يُثير عديدا من المشاكل، على الرغم من وجاهة التفكير في حيثياته. وربما كان عَد إسناد الذاكرة إلى التاريخ من باب المجاز قابلا للتفهم، أما النظر إليه من زاوية الحقيقة فأمر من الصعب أخذه على محمل الجد.
وهناك من يحسم – في هذا الجانب- نافيا أن تكون المُماثلة بينهما مُمْكِنة وذات نفع. ويرد في مقدمة من يذهب هذا المذهب بول ريكور الذي يتخذ من الفصل بين الذاكرة والمعرفة التاريخية دليلا أساسا لمُناقشته العلاقة بينهما. وحتى يتيسر تبرير هذا الحكم فلا بأس من التشديد على تمييز يتصل بمفهوم الذاكرة، وبمدى إمكان توسيع ما صدقها على غيرها من أنشطة الإنسان الفكرية وغيرها؛ فهي فردية وشخصية قبل انطباقها على الجماعة، وشديدة الصلة بالكائن الحي في تنوع أجناسه، وتُعَد مزيجا من التكوين العصبي البيولوجي، ومن الذهنية المعرفية، ومن طبيعة نفسية.
هذا فضلاً عن كونها ترتبط بالمُعايشة المُباشرة للأحداث التي تسجلها، بما يفترضه هذا الأمر من مُعايشة ممزوجة بالمشاعر والعواطف والإحساسات. وإذا كان الأمر كذلك فإن سؤالا مهما يُطرح هنا: هل يمكن أن تتعدى الذاكرة طابعها الفردي لتصير تاريخا يخص جماعة ما أو مُجتمعا ما؛ حيث يحق لنا أن نُعمم ما هو فاعلية بيولوجية- نفسية تخص حفظ التجربة الفردية الوجودية ليشمل مجالا يختص بتسجيل أحداث تتعلق بحياة الجماعات ومصيرها؟ ولا إجابة ممكنة هنا غير الإصرار التام على أن مجال الذاكرة الفردية يتعين في السيرالذاتي، والحياة الشخصية التي هي مُنتَجَة وفق إقامة حدود مائزة بين العام والخاص، بما تقتضيه هذه الحدود من ضرورة التمييز بين ما يُباح أن يكُون مُستذكَرا علنيا، وما ينبغي أن يظل في طي الكتمان قابعا في الذاكرة في هيئة سر. ويُعَد كل تقاطع بين ما هو فرداني شخصي والتاريخ في حقبة مُعينة من الزمان تقاطعا بين الذاكرة الشخصية والمزاج العام الذي يغلب على هذه الحقبة، بما يفترضه هذا التقاطع من مُعايشة الفرد زمانَه بوصفه علاقات اجتماعية وسياسية واقتصادية، وما يعتري هذا الزمان من تقلبات، ومن أحداث طبيعية ومعارك وصراعات.
وقد يضمر الشخصي في هذه الحالة لصالح العام بوصفه تجربة جيل أو جماعة دون أن يتقلص إليهما. لكن ما لا يُمْكِن قبوله على الإطلاق هو أن يكون التاريخ شبيها بالذاكرة، ومُماثلا لطابعها البيولوجي- النفسي في تسجيل أحداثه. وببساطة السذج: لا تُوجد للتاريخ بنية عصبية مسؤولة عن تسجيل ما يقع من أحداث، بل يفتقر إلى قصورها النفسي. ومما يُثار في هذا الجانب أيضا التزامن التام بين فعل الذاكرة وحدوث ما ينسجل فيها. وهذا ما يُعاني منه فعل الكتابة التاريخية بالضبط؛ فهو تالٍ على ما يقع، وغير مُوازٍ له زمانا. كما أن من ميزات الذاكرة الشخصية- إلى جانب مُلازِمتها ما يقع- كونها لا تحتاج إلى أمرٍ أو قصد لكي تُسجل ما يقع؛ فهي غير إرادية في عملها، بل إنها لا تُمارس الانتقاء في صدد ما تُسجله من أحداث، بينما تُعَد كتابة التاريخ- بوصفها مُمارسة معنية بحفظ الأحداث ونقلها – فعلا إراديا وانتقائيا (ما يُفضل نقله وحفظه وما ليس كذلك)، وتتضمن القصد، لا في مُستوى الخطاب بوصفه مرحلة أخيرة من مراحل الكتابة التاريخية فحسب، بل أيضا في عملية تسجيلها الأحداث؛ إذ الإرادة تتبدى في اختيار الكتابة حول هذا الحدث أو ذاك. وكل كتابة تاريخية لا تُعد تسجيلا للموقف والرؤية فحسب، بل أيضا تحديدا للعالم الذي هو موضوعها. ومن المُفيد مُناقشة بول ريكور في مسألة قصد التسجيل التي يجعل منه مظهرا مُشتركا بين المعرفة التاريخية والذاكرة، خاصة في مجال ما يُسميه بالكتابة الأقرب (المحفوظات).
وما سيقال- هنا- ينعكس على علاقة الصورة بالذاكرة عند أفلاطون (وكذلك على قضية الشمع والبصمة)، التي ناقشها في مُستهل القسم الأول من كتابه «الذاكرة، التاريخ، النسيان»، وأعاد استغلالها في القسم الثاني منه، وبالضبط في سياق المسألة التي أتيْنا على ذكرها. فأي تجربة لأي شخص في علاقته بما تحتفظ به ذاكرته تجعله على يقين من أن ما يدخل إليها لا يدَ له فيها، ولا يعي كيف يحدث ذلك؛ فلا قصد سابقا على فعل الذاكرة الذي لا يأتمر بغير أمرها، كما لا يسبق فعلها النية التي يُمْكِن أن تتم صياغتها في المثال المُصطنع الآتي على هذا النحو: «أريد أن أحتفظ بهذا الحدث أو هذا الشيء في ذاكرتي». وإذا ما أدخلنا فعل التصوير (سواء أكان بوساطة آلة التصوير أم بوساطة الريشة، الأمر هو هو) يتبين الفرق الشاسع في هذا الصدد؛ فالقصد (النية) هو سابق – هنا- على فعل التصوير، فلا بد لي من تحديد ما ينبغي أن يُصور؛ إذ يكُون القصد مُضاعفا بالانتقاء؛ مما يسمح بالقول الآتي: «إنني أرغب في تصوير هذا الشيء بعينه، وفي هذه اللحظة بعينها». ولا تخرج الكتابة التاريخية عن مثل هذا القصد في تسجيل ما يقع. أما الذاكرة الحقة فهي لا تُسجِل، بل ينسجل فيها ما يقع، وهي تتكفل بحفظه، وينبغي أخذ الفرق في الصيغتين اللغويتيْن في هذه المسألة: صيغة التعدي وصيغة اللزوم، هذا فضلا عن الجهة التي يصدر عنها الفعل. وبهذا يكُون فعل التسجيل مُتعديا في الكتابة التاريخية، وصادرا من جهة الفاعل (المُؤرخ)، بينما يكُون فعل الانسجال لازما، وصادرا من جهة موضوع الذكرى. وإذا ما رُئِي إلى قصد التسجيل من زاوية اتصاله بالذاكرة الجماعية، لا الشخصية، على أساس أن «التاريخ وريثٌ شرعي لها»؛ فإنها تكُون غير مُماثلة للأرشيف (المحفوظات) الذي يكمن وراءه قصد المُؤسسة المُوجه نحو المُستقبل؛ فالذاكرة الجماعية في هذه الحالة ترتبط بالانسجال المشروط بالمُعايشة والمُزامنة؛ فلا خيارَ لها إلا أن تتلقى مُنصاعة ما يفرض نفسه عليها بوصفه حدثا مُؤثرا، وغير مُندرج في السير العادي للحياة الجماعية، وما تتلقاه ينسجل في لاوعيها الجمعي؛ فمجموع ذاكرات أفرادها هو ما ينفتح لتقبل ما يفْرِض انسجاله بالقوة. ولا تمتلك جماعة ما في أثناء جريان الحدث التاريخي إمكانَ رده أو قبوله، بل تقويمه فحسب، وحتى هذا التقويم هو تام بوساطة البعد الأخلاقي المُميز لها.

٭ أكاديمي وأديب مغربي

هل للكتابة التاريخية ذاكرة؟

عبد الرحيم جيران

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية