والثورة تصنع فسادها

حجم الخط
1

تتكرر علينا دوما مقولة الثائر الفرنسي جورج جاك دانتون التي قال فيها وهو أمام مقصلة الإعدام «إن الثورة تأكل أبناءها»، ولكن يتم التجاوز أحيانا عن حقيقة أخرى مصاحبة للثورات، وهي ان لكل ثورة – فاشلة بشكل خاص ـ فسادها الذي يولد من رحمها ويتغذى عليها وينمو في صعودها وعلى أكتاف سقوطها ويتصاعد في مرحلة توظيفها من أجل بناء وترسيخ واقع فاسد آخر.
بدوره يصب استبدال فساد قامت ضده ثورة بفساد ينتج من رحم الثورة يصب في تزايد الغضب وتراجع مكانة فعل التغيير الثوري على طريقة، الفساد الذي نعرفه أفضل من فساد جديد لا نعرفه، ولا نعرف آليات التعامل معه وكيفية المناورة والحياة في ظله. وفي الوقت نفسه تتراجع مكانه فكرة الثورة التي تختصر في بضـــعة أسماء أو مواقف تستخدم لتأكيد فساد الثورة الفاشلة وضررها وتتيح المجال لنظم أكثر بؤسا تتغذى بدورها على أنها نتاج ثورة على الثورة الفاشلة، أو المنقذ منها والمخلص من نتائجها. نتحول لصورة عبثية قمة الإبداع والإنجاز الشعبي فيها ركوب دراجة وسط حراس وأمن وكأنها دليل التقدم والتواضع والحرية، وتفرد الصفحات لهتافات الحب في تناس واضح، أن الفساد الموجود في الواقع لا تغيره تعبيرات عفوية او هتافات جماهيرية على طريقة توجيه التحية لشخصية معروفة عندما تنزل إلى أرض الواقع من أجل لقطات تجميلية لا تملك ان تغير واقع حياة تلك الجماهير التي هتفت أو التي شاهدت تسجيلات الهتاف.
وتتحول صور تجميلية عرفناها من فساد قديم، مثل لقاء الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك المتكرر بالفلاح المعلب في كوخه السعيد، للقطة من عالم قديم مقابل صور الدراجة وقصص الأحلام وتصورات هتافات الجماهير من الأتوبيس عندما يسير الرئيس السيسي بصورة عادية في شوارع المحروسة. ولكن في حين جاء الفساد القديم متسقا مع النظام الذي أنتجه وملامحه المحافظة ورغبته في الحفاظ على هيبة ما لرئيس الجمهورية بشكل يتناسب مع سنه وما يمكن أن يقوم به علنا، حتى إن كان معلبا ومعدا مسبقا وغير قابل للتصديق، يأتي التجميل الجديد منفصلا عن الواقع بدرجة كبيرة تساهم في زيادة السخرية وتعبر عن الفجوة بين راكب الدراجه والواقع.
تأتي قصص السير في شوارع الإسكندرية مع افتراض أن المواصلات تسير بصورة عادية والجماهير تهتف من داخلها، وصور الدراجات وسط الشارع المغلق لتوضح الانفصال بين تلك اللحظة التجميلية وممارسات النظام البعيدة عن الديمقراطية، وإحساسه بغياب الأمن والأمان، وانفصاله عن واقع معاناة تلك الجماهير نفسها التي تقدم لها أخبار انخفاض قيمة الجنية بكل ما يحمله من تأثيرات سلبية على الواقع بوصفها نتاجا لتراجع المواطنة وادخار المواطنين للعملة الأجنبية وتجار شركات الصرافة من دون أن تسأل عن دور النظام الذي يدير المشهد والسلطات المسؤولة عن إدارة الملف المالي والاقتصادي والمواطن الذي لا يملك مقابل المواطن الذي يدخر العملات الأجنبية.
كان نظام مبارك قادرا على ممارسة درجة ضبط داخلية في تنفيس القدر، أدى التراجع فيها وزيادة الفساد واستغلال النفوذ العلني بصورة ضخمة، وسط أسباب أخرى، لتراجع تلك القدرة ونشوب الثورة. كان مبارك قادرا على الاستمرار في ظل القدرة على الاتساق والحفاظ على الصورة المرسومة له بوصفه رئيسا محافظا اكتسب خبرة عبر سنوات طويلة في الحكم. وكانت آلياته قادرة على ضبط إيقاع الغضب لفترة ليست قصيرة، ولكنها ظهرت واضحة في طبيعة النكات التي تكررت عنه والصفات التي ألصقت به من محافظة ورغبة في الحفاظ على استقرار الأوضاع ورفض التغيير. وإن كان الكثير من ممارسات القمع والتمييز وآليات الفساد قد وجدت، فإن بعضها ظل خلف الأبواب المغلقة أو في مساحات يمكن الا تشاهدها ما دمت بعيدا عن دوائر السلطة، أو كما يقال في المثل الشعبي «ماشي جنب الحيط». لكن السنوات الأخيرة في حكم مبارك، وبحكم العديد من العوامل المرتبطة بالسلطة ومحاولة إعادة تشكيلها لصالح الأسرة، وممارسات النظام ككل في ظل اختيارات الوزراء والأسس التي تم الاحتكام اليها، إلى جانب الفساد واستغلال النفوذ الواضح من الجميع والقمع وإرهاب الداخلية للمواطنين باسم حفظ الامن والنظام.. كلها مع تزايد دور وسائل التواصل الاجتماعي وآليات الرصد والتسجيل للانتهاكات والنشر والقدرة على كسر فكرة الصندوق الأسود الذي تسيطر عليه السلطة عبر أذرعها الإعلامية والأمنية ساهمت في كسر أوهام التجميل وإبراز مساحات القبح الساكن في أركان النظام.
كانت ثورة يناير لحظة إعلان لسقوط آليات تجميل القبح القديمة، كما كانت تهدف إلى إسقاط الفساد والقمع والظلم في أثوابه القديمة أيضا ـ السابقة على يناير ـ. ولكن ما حدث هو الوصول إلى مرحلة تغيير آليات التجميل وتحديثها من دون تغيير آليات القمع والفساد وكأن علينا دوما الاكتفاء بالصور التجميلية للمحروسة والعيش في الواقع القبيح للأشياء.
في الغرب تتداول أحيانا صور رؤساء ورؤساء وزراء وحتى ملوك وهم يتحركون في المواصلات العامة أو يستخدمون الدراجات ويسيرون في الشوارع ويأكلون في المطاعم ومطاعم الوجبات السريعة.. ولكن في حين لا تروج تلك الصور في الغرب -عادة- بوصفها قمة التواضع والديمقراطية، ويتعامل معها المواطن بوصفها جزءا من حقه وتعبيرا عن طبيعة الأشياء وهي ان من يتولى المنصب مجرد موظف عام حتى إن كان يتـــولى أعلى منصب وظيفي في الدولة. هو مواطن بدرجة الوظيفة التي قد يتركها ويعود لصفوف الجماهير قبل ان يعود لوظيفة عامة أخرى اعلى أو أقل من التي سبقتها – رئيس وزراء ثم وزيرا او العكس- ولكن في واقعنا السلطة أعلى من الشعب، والمسؤول أعلى من المواطن، والأخطاء نتاج البشر أما السلطة فأنها تملك القدرة ولكنها لا تحاسب على الأخطاء.
يصبح من الطبيعي أن تكرر مذيعة علينا أن القمامة مشكلة المواطن الذي لا يقوم بدوره في التخلص منها، من دون ان تشير إلى ما يدفعه المواطن للدولة للتخلص من القمامة، وما تنفقه الدولة على الشركات والعقود والزيارات الخارجية التي تعقد ويدفع المواطن ثمنها بوصفه دافع الضرائب، من أجل دراسة أفضل طرق التخلص من القمامة. ولا تتوقف صيغة تحميل المواطن سبب الاخطاء عند تلك الحدود ولكن تمتد لتسريبات امتحانات الثانوية العامة التي أكدت التصريحات الرسمية للوزارة المعنية وغيرها من الاصوات المؤيدة لخطابها أنها مسؤولية المواطن، وأن تغيير الوزير لا يحل الأزمة تماما كما يكرر الخطاب الرسمي أن رأس الدولة لا يملك حل مشكلات الوطن لأنها مشكلة المواطن وقيمه وأخلاقياته. الجميع يصب في تحميل المواطن الاخطاء ومطالبته بالتفويض وإعلان الحب، أما المحاسبة والمكاشفة والأخطاء السياسية فكلها خارج القاموس السياسي للأشياء. تصبح مصر بعد ثورة وفشل ساحة لفساد ووجوه قديمة، ولاختبار وإنتاج فساد ووجوه جديدة، وفي الوسط تصاب بنتاج فساد مستتر لوجوه لم تكن فاسدة أو لم تكن فاسدة علنا، وساحة لممارسة كل انواع تفريغ القدر بعيدا عن السياسة والحقوق والحريات، وتشويش الصورة وتهميش أصل القضايا وصالح الوطن من أجل الهامش حتى تتفرغ السلطة لتشكيل المتن وإنتاج عاصمتها المعلبة وصور الديمقراطية والإصلاح المعلبة ايضا.
قد يتساءل البعض، لماذا تحدثت عن مبارك واللحظة دون ما بينهما ودون الإشارة لفترة الرئيس الأسبق محمد مرسي كما جرت عادة البعض. وبداية ما بين 25 يناير و30 يونيو كان التغير الفعلي بين مبارك والسيسي، وما بينهما هو لحظات الميلاد والسقوط التي ساهم فيها الجميع، ولم تكن خالية من فسادها أو محاولات تجميل ذاتها من بدلة المشير المدنية للجاكيت المفتوح لمرسي وسط الجماهير. قد يكون التركيز أكبر على فترة مرسي لعدة أسباب ولكنه أيضا أنتج أخطاء بصور مختلفة، ولكن الفارق أن حاله التحفز التي صاحبت عدد غير قليل ضده بسبب خلفيته وطبقته او الجماعة التي ينتمي لها مثلت فرصة للتنفس النسبي ولارتفاع أصوات المعارضة واستحداث صور النقد وتنفيس القدر لدرجة أدت إلى التوسع فيه عبر التلفيق أحيانا والتضخيم من خلال الإعلام أو أصوات نالت مصداقية خلال ثورة يناير قبل ان يتم استبعادها أحيانا، أو عبر أصوات تم استحداثها وتلميعها باسم معارضه مرسي وجماعته أحيانا أخرى.
المهم ان الأخطاء كانت قائمة ولكن درجة النقد كانت الأكثر ارتفاعا لفترة طويلة في المحروسة. في الوقت نفسه يمثل مرسي مرحلة لها وعليها، وتناولتها بالكتابة في وقتها، وسيظل من المهم قراءتها لأي تغير ديمقراطي حقيقي في مصر. ولكن التفاعلات الأكثر وضوحا بين عقود مبارك واللحظة لا يمكن تجاهلها لانها تعيد تشكيل مصر عبر فساد قديم وجديد ومستحدث مع آليات تجميل قديمة وجديدة تكتسب أحيانا مصداقيتها من بقايا يناير وما قبل يناير، ومن أصوات أسست وجودها في إطار المعارضة ورفض الفساد قبل ان تنضم لصفوف تقول ان الفساد لا يموت والمهم أن يكون أكثر حداثة أو يكون مستترا حتى لا تحدث ثورة جديدة.
في النهاية أخذنا بقشرة الحضارة وأصبح لدينا صور بالدراجة وقصص مع هتافات ركاب الأتوبيس وأحلام تتنبأ بحكم مصر ولكن كل ما يروج عن حداثة آليات التجميل لا يغير من حقيقة ان الروح جاهلية والفساد القديم والحديث يخصم من الوطن وحقوق مواطنيه، وان ما يتم الحديث عنه من إنجازات تحتاج إلى إعادة نظر لانها في النهاية تعبير عن إنجازات للواحد في المئة في حين يترك للمجموع الهتاف والتجمع الصاخب وتصور ان صور التجميل الحديثة تعني ان الحداثة مقبلة لهم في يوم قريب وليس لعاصمة جديدة من عالم خيالي- يوتوبي يسوق لهم العسل المقبل ويعد بأن الأسود مجرد بداية وان بعض السواد عسل.

٭ كاتبة مصرية

والثورة تصنع فسادها

عبير ياسين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية