في واحدة من مقولاته المهمة يقول المهاتما غاندي «ان مبدأ العين بالعين يجعل العالم كله أعمى»، عمى يتداخل مع المسرحية المميزة «وجهة نظر» التي ألفها لينين الرملي وقام ببطولتها محمد صبحي عام 1989، حيث العمى عن الرؤية يختلف كليا عن العمى عن الإدراك. فالانسان يمكن أن يرى بدون أن يدرك المعنى، والعكس صحيح. وان كانت وجهة النظر المشار إليها في المسرحية تهدف في معناها المباشر الى التفكير والفهم، فإنها تستند أيضا إلى القلب والضمير على عكس النظر المجرد. جدل مهم في المسرحية ينتصر لأهمية البصيرة ووجهة النظر، وخطورة الاعتماد على النظر وحده أو أتباع رؤية الغير. الخطورة التي يمكن أن تقود إلى عالم من العميان، حيث لا أحد يبصر، وحيث يتم التعامل مع كل الأحداث على طريقة فيل العميان، فلا مجال للاتفاق على فكرة أو مبدأ مشترك وأساسي كالانسان.
تلك الرؤية التي تدفع البطل في لحظة إلى رفض الارتباط بمن أحب بعد أن عاد إليها البصر، واكتشف أنها دفعت البصيرة ثمنا له، تقترب بدورها من مقولة غاندي انه «ليس من الحكمة أن تثق بحكمة شخص، فمن الصواب أن تتذكر أن القوي قد يضعف والحكيم قد يخطئ». وهو ما يعنى أن تسليم زمام القيادة لشخص آخر بدون اختبار وبدون إعمال العقل والضمير وبدون المحاسبة عند الخطأ، يمكن أن يكون بوابة للجحيم الحاضر أو المؤجل. وبدلا من حديث الوطن الواحد والمصير المشترك يتحول الوطن إلى حديث الفصل بين شعب وشعب، و»عسكر» واخوان، كما يبدو في خطاب الأغاني وقصص ولعب الأطفال.. يتحول عالم الاخيار والأشرار إلى صور نمطية مجسدة، ويتحول خطاب الحفاظ على وحدة الوطن الى فجوة تتسع عبر الوقت.
إشكالية تتجاوز وضع رابعة في المشهد المصري وتتسع لمشهد العنف في المنطقة، الذي رغم قسوته يجد من يؤيده ويراه وسيلة للحق، رغم التناقض الواضح بين العنف والدم من جانب والحق والخير من جانب آخر. ويصبح السؤال المهم هل لدينا بصيرة انسانية قادرة على رؤية الانساني المشترك، أم أن الأوضاع غير العادية التي عاشتها المنطقة أفرزت سلوكا غير عادي وشروخا عميقة في ما هو انساني داخلنا، وكيف يمكن أن نعيد القيمة للمعنى المفتقد وسط خطاب وفعل العنف الدائر في المنطقة.
سياق يمكن أن نرى فيه أحداث رابعة وما تبعها في مصر بوصفها جزءا من وضع يعبر عن نفسه بصور متعددة. فهناك من يقبل القتل للمختلف، لأنه مختلف تحت عنوان أن الشر يطفئ الشر، والنار تطفئ النار، على الرغم من أن الأمان والحرية واحترام الدين والوطن قيم لا تتحقق بالدم والإهانة. كل تلك النقاط تكررت على هامش ذكرى رابعة، والجدل حول تقرير منظمة «هيومن رايتس ووتش» عن المذبحة، كما أطلقت المنظمة على عمليات القتل في ميدان رابعة العدوية وغيرها من الأماكن. لنجد أنفسنا مرة أخرى في مواجهة تساؤل البصر والبصيرة، حيث يتفق الجميع على وجود ضحايا، ولكن تتداخل كل الأشياء وتتنوع الآراء حول عدد من مات، والتبريرات المقدمة لضرورة الفض رغم الخسائر البشرية. الجدل حول ضرورة المحاسبة مقابل خطاب تبجيل المناسبة والدعوة لتحويلها إلى يوم للاحتفال في تحد لفكرة الوطن وقيمة الانسان.
وجهة النظر هنا لا تقتصر على تقرير المنظمة ولا على التعامل معه فقط، بقدر ما تتعلق بالتعامل مع الأحداث ككل، بداية من إقالة مرسي وصولا إلى رابعة وما بعدها، كما لا تقتصر على الدم فقط ولكنها تتسع لتشمل صورا كثيرة من الظلم الممارس على من يختلف عن تصور السلطة للمواطن الشريف. وإن كان البعض يتحدث عن أسلحة في رابعة بررت القتل بدون تقديم ما يثبت ما قيل من أرقام وأنواع مبالغ فيها، ورغم أن أغلب ما تردد من اتهامات تم في سياق الحديث العام والبرامج الحوارية والمصادر غير المعلنة، فلابد ألا يتم إغفال أنواع أخرى من الأسلحة القاتلة في المشهد وفي المنطقة.. حيث الكلمة والتحريض وجرح الانسان أسلحة لا يحاسب على استخدامها أحد، رغم ضررها البالغ الذي يتجاوز اللحظة بمراحل، ويهدد الحياة نفسها.
ما بين الأبيض والأسود يرى البعض أن الجميع مدان، وفي هذا جزء من الحقيقة.. ولكن لا يجب التجاوز عن الفروق بين الأطراف المختلفة من حيث الدور والمسؤولية، ولا أن نقبل بتجاوز ما هو انساني بذريعة تجاوز الآخر لها. سلطة الدولة تحتكر الحق في استخدام القوة، وهذا الحق ينبغي أن ينبع من مسؤولية وأن يرتبط بمحاسبة وشفافية. توجيه اللوم الى الضحية فقط أمر فيه ظلم كبير، والتغاضي عن القوة المستخدمة أمر فيه تجاوز لضرورة الحفاظ على الحياة، وتجاوز للحديث عن الاخطاء وكيفية التعامل معها. القضية في رابعة ليست في التوصيف القانوني فقط وهو مهم، ولا في المحاسبة وهي ضرورة لبناء دولة تحترم القانون والانسان وتحاسب على كل الاخطاء، ولكن الأكثر أهمية هو قيمة الانسان في مشهد الموت وما بعده.
وهنا، وعلى الطريقة نفسها في المسرحية، مع اختلاف المسمى تدخل الديمقراطية إلى المشهد لدعم وجهة نظر السلطة. في المسرحية يلجأ رئيس الجمعية الخيرية إلى التصويت مطالبا من يؤيد وجود مشكلات من الإدارة ومشكلات مع غيره إلى رفع الأيادي، لينتهي إلى اقناع الجميع بأن شخصا واحدا يؤيد وجود مشكلات من الإدارة، وأغلبية تؤيد وجود المشكلات مع الزملاء.. ما قاله كان مخالفا للحقيقة، وداعما لسلطته، فاعتبر كل فرد أنه المقصود، مصنفا نفسه وسط الأغلبية أو الأقلية، محملا المسؤولية لغيره. ففي غياب الشفافية والثقة فيمن يتولى مسؤولية البصيرة يتساوى الجميع في حالة العمى.
وفي السياق نفسه، وبالتوازي مع ذكرى رابعة خرج من تحدث عن استطلاع للرأي عن الأحداث. وتم وضع العناوين بصورة براقة عن الأغلبية التي تؤيد، والتي تشعر بالرضا عما حدث، والتي لا تهتم كثيرا بعدد من مات، وتحمل المسؤولية للمقتول. ربما لن يتوقف عدد كبير أمام عدد العينة التي تمت الإشارة إليها، أو المنهج المتبع، وكيفية إجراء الاستطلاع وقدرته على تمثيل المجتمع، ولكن بعد أن تقرأ أو ترى العناوين ستكون الرسالة قد تحققت، فالسلطة بحكم التفويض عبرت عن رغبة الجماهير.
تصبح رابعة قضية إشكالية لأنها تطرح على طريقة العملية المطلوبة للبطلة في المسرحية من أجل استرجاع النظر، التي كانت تحتاج إلى الاحتجاج والمساعدة المالية للضغط على الإدارة/السلطة. جدل آخر مهم حول اختلاف رؤى الجماهير، فهناك من يرى ان القضية لا تحتاج ثورة، وأن مساعدتهم لها فيها تضخيم للقضية وأن هناك أشياء أخرى مهمة لم يتحرك عندها أحد.. ولكن البطل اعتبر ان الانتصار في تلك القضية يمكن أن يحقق نجاحات أخرى. وهنا فإن تم النجاح في مواجهة رابعة أمام مرآة أنفسنا والإنسان والحرية والوطن سنكون على الطريق لبناء دولة مدنية قائمة على أسس يمكن الاحتكام اليها بعيدا عن الاهواء واللحظة.
الوطن لا يقوم على الاستهانة بدم أي انسان، من اتفق او اختلف في الرأي، وهو أمر يختلف كليا عن فكرة الدفاع عن النفس وأمن الوطن من أعداء الداخل والخارج، خاصة عندما لا تحدد معنى العدو ولا تتبع ما يسمح بمعرفته، ولا تتجنب الخسائر البشرية التي كنت تعلم بحدوثها مسبقا. كما أن فكرة الثورة نفسها تقوم على تحرير الانسان، على أن يرى ويبصر وليس على الاتباع.
قد يبدو للبعض أن العنف قد أنتج خيرا ما، ولكن هذا الخير، وكما قال غاندي، مؤقت، في حين أن الشر الذي ينتج عنه دائم، وتلك هي الخطورة الحقيقية في الاحتكام للبصر دون البصيرة. القبول بالظلم يتجاوز اللحظة ويترك أثره على القادم دوما. والوطن الذي يقبل القضاء على مخالفيه اليوم بدون اهتمام بمن يموت، من الممكن أن يقتل وأن يظلم غيره عندما تتغير علاقات القبول والرفض. والانسان الذي يقبل الاستمرار على حساب الدم يتناسى أن قمع السلطة ليس له حدود، إن تركت للعمل وسط سيل من التبريرات بدون محاسبة، في حين أن التصدى لها ينقذ الحاضر والمستقبل.
٭ كاتبة مصرية
عبير ياسين