يقول دييجو مارادونا لاعب كرة القدم الشهير: «زرت الفاتيكان يوما ورأيت سقفا مصنوعا من الذهب، وسمعت البابا يتحدث عن قلقه على الأطفال الفقراء.. ثم ماذا؟ بيعوا السقف». تعليق في قلب التناقض الذي نشاهده كثيرا، خاصة عندما يكون المتحدث من أصحاب السلطة وبحكم منصبه قادر على اتخاذ القرارات التي تتعامل مع الفقر أو تخفف عن الفقراء.
تعليق يطرح نفسه أيضا في سياق حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي في مؤتمر الشباب، الذي عقد في محافظة أسوان عن فقر مصر، من دون أن ينظر لتناقض المقولة مع السياق، وحتى مع فكرة دورية انعقاد مؤتمر لم يقل أحد للمواطن ما هو مردوده الحقيقي على الدولة والشعب، وما هي أهميته لدولة بهذا الفقر الذي يشير إليه، ليعقد بشكل شهري مثله مثل الكثير من المشروعات التي يعلن عنها بوصفها مشروعات قومية. المؤتمر الذي عقد يومي 27ـ 28 يناير 2017، بوصفه المؤتمر الشهري الثاني، لابد أن يكون ضمن سؤال كبير عن أسباب فقر أو إفقار المحروسة.
مؤتمر يعقد بحضور 1300 مشارك ولا أحد يحاسب على ضرورته من عدمها أو تكلفته مقابل مردوده، وفي الوقت نفسه يقول الرئيس فيه إن الدولة فقيرة جدا، في كلمة قاطعة تطلق وكأنها حقيقة مطلقة، لا تميز بين ما تملكه مصر من موارد وإمكانيات غنيه وثرية وما تتعرض له من سياسات فقيرة ومفقرة عبر عقود. فقر تم التعامل معه بوصفه جزءا من حمولة العيوب التي يفترض أن تضيف لعظمة الحاكم، بدلا من أن تثير سؤالا عن مسؤولية كل نظام في استمرار الفقر بدلا من مواجهته، ووضع استراتيجيات حقيقية للتنمية. استهدف الحديث من يركز على السلبيات ويتناسى فقر مصر، حاملا رسالة تقول إن ما يقدمه الحاكم مهما كان هو إنجاز لأننا في دولة فقيرة جدا، حيث قال: «أنا جاي هنا عشان تفهموا أهل الشر مش عايزينكم تعيشوا.. بيقولك خلي بالك ده مش سائل فيك، خلي بالك دول مش واخدين بالهم منك، خلي بالك ده ما بيأكلكش، خلي بالك ده ما بيعلمكش، بس ما قالكش خلي بالك إن انت فقير قوي، ما حدش قالك إن انت فقير قوي، لا يا ريت حد يقولكم إن احنا فقرا قوي فقرا قوي». وعندما ظهر صوت من بين الحضور زاد السيسي من حدة حديثه وارتفاع صوته قائلا: «إسمع الكلام، إسمع الكلام أحنا بنقول لكم المرض». كانت حدة الخطاب واضحة، ومحافظته على الصوت الواحد الأكثر ارتفاعا والرافض للحديث مسيطرة، لأنه وحده يعرف المرض كما يرى. ولكن المرض ليس في أهل الشر فقط، والحل ليس في الصوت الواحد، كما أن المسؤول لا ينفق على الدولة المصرية والمواطن ليس عالة على المسؤول.
والسؤال، هل يصح أن نتكلم عن ضرورة التقشف والفقر، ثم نعقد مؤتمرات شهرية وسفريات ورحلات ووفود مصاحبة بتلك الصورة؟ وهل تخضع تلك المؤتمرات لدراسات جدوى؟ وهل قياس الناتج عنها مع التكاليف التي تحتاج إليها ينفي وجود آليات أخرى لتحقيق أهدافها؟ بالطبع يوجد ولكن هناك حاجة لوضع الزعامة في مواجهة الكاميرا، وتركيز الأضواء على حديث الإنجازات، وتكرار فرصة الظهور الشهري وتجديد خطاب الأرقام عن إنجازات لا يشعر بها المواطن بالضرورة على أرض الواقع، في ظل المعاناة التي تواجهه للحصول على خدمة صحية أو مواد غذائية أصبحت بعيدة عن متناوله، في ظل الانخفاض الحاد في قيمة الجنيه والارتفاع الحاد في الأسعار.
هل يصح أن نتكلم عن التقشف وضرورة الصبر على الأوضاع الاقتصادية وإلغاء بطاقات التموين، في وقت تقوم فيه الحكومة بطلب رفع رواتبها، ويسافر رئيس الوزراء الأسبق إبراهيم محلب مساعد رئيس الجمهورية للمشروعات القومية في طائرة خاصة، في حين أن العديد من الدول تلزم المسؤول باستخدام الدرجة الاقتصادية في الطائرات العادية. وإن كانت تلك حالة لمسؤول نعرف عنه عبر الأخبار، فلماذا لا توجد ضوابط معلنة تحدد حركة المسؤولين بما يتماشى مع ما تفرضه العديد من الدول لحماية أموال الشعب، وبما يحد من النفقات غير الضرورية ويضع ضوابط يمكن الاحتكام إليها لحماية المال العام؟ وفي السياق نفسه هل يصح أن نتكلم عن التقشف والفقر ويقوم مجلس النواب بشراء ثلاث سيارات ملاكي بقيمة 18 مليون جنيه يعلن عنها عبر سؤال وجهه عضو البرلمان النائب محمد أنور السادات لرئيس المجلس، عن شراء السيارات، رغم أنها لم تكن مدرجة بالأصل في مشروع موازنة المجلس قبل اعتماده، مؤكدا على أنها أضيفت بعد ذلك باعتماد تم تمويله من بنك الاستثمار القومي. ورغم نفي المجلس، أكدت البيانات الواردة عبر السادات وعبر الحساب الختامي لموازنة المجلس لعام 2015 ـ 2016 التي نشرها وجود اعتماد إضافي بمبلغ 22 مليون جنيه بند وسائل النقل، بعد أن كانت صفرا. في وقت يفترض أن يكون هناك ترشيد نفقات، فإن هذا الترشيد يفترض أن يبدأ في مؤسسات الدولة، وفي الأرقام الكبيرة، ولكن غياب الشفافية يؤدي إلى الكثير من الإهدار. بالطبع يحدث هذا لأن الشعب هو من يدفع ولا يفترض به أن يعرف، وإن عرف لا يفترض به أن يحاسب، وإن طرح أسئلة يمكن أن يرد عليه بالكلام المكرر عبر عقود، عن الواجهة وشكل العضو وما يمثله من مكانة للدولة والمؤسسة التي يمثلها، وكلها جزء من خطاب مستهلك يصب في استمرار حالة سوء الاستخدام، وإهدار أموال الدولة.
هل يصح أن نتكلم عن التقشف والأزمة الاقتصادية، وأن يزيد بناء السجون بتلك الصورة ليصبح السجن المركزي في منطقة الطور في جنوب سيناء، الذي صدر قرار إنشائه في يناير الحالي هو السجن رقم 21 خلال الست سنوات التي تلت ثورة 25 يناير. وهو أمر يطرح الكثير من التساؤلات حول أسباب تضاعف عدد السجون والحاجة إليها، إن كانت تعبيرا عن تضاعف عدد الجرائم فعليا، أم جزءا من وضع سياسي عام، خاصة أنها تمثل عامل ضغط آخر على موارد الدولة، وعلى قيم أخرى تم رفعها خلال ثورة يناير وما بعدها.
هل يصح أن نتكلم عن التقشف والفقر في وقت يتم الإعلان في كل لقاء تقريبا
عن مشروع قومي ما؟ وهل يفترض أن عقد مؤتمر شهري للشباب في المحافظات سيرتبط بطرح مشاريع قومية؟ وإن حدث الإعلان، كيف يتم التنفيذ ووفقا لأي خطط وموارد؟ وألا يتناقض كل هذا مع أحاديث سابقة للرئيس نفسه وهو يؤكد أنه لن يعلن عن أي مشروع قبل وجود دراسات واضحة له؟ وهل يمكن منطقيا لدولة في وضع طبيعي، وليس في وضع الأزمة الاقتصادية القائمة، أن تقوم بتنفيذ مشروعات قومية بالتوازي في كل المحافظات؟ ومتى تظهر نتائجها ومن يحاسب عليها ومن يستفيد منها حقا؟ كلها أسئلة لا تشغل النظام وهو متفرغ لملف الأرقام التي تؤكد على عدد المشاريع التي أعلنت والخطط التي وضعت، وكلها أمور لا تصل للمواطن فعليا، وتظل مساحة لإنفاق المزيد من الموارد، من دون مردود حقيقي مباشر يخفف من الأزمة الاقتصادية أو يقلل من الفقر.
وفي النهاية، هل لا يدرك السيسي التناقض بين خطاب «بكرة تشوفوا مصر» وخطاب «أشباه الدول» و»الوطن الضائع» والدولة «الفقيرة» جدا؟ أو التناقض بين حديث الإنجازات والقدرة على التقدم من دون أسانيد واضحة من حالة «أشباه الدول والفقر القوي»؟ طبعا يدرك ولكن الإدراك هنا يختلف عن فكرة التناقض، ويخدم فكرة التفرد والزعامة. إدراك السيسي مرتبط بقراءته لدوره في المشهد المصري، فهو فقط القادر على أن يحدد المشكلة، هو فقط الذي يعرف أهل الشر ويعرف أساليبهم، وهو وحده القادر على ضبط إيقاع «شبه الدولة الفقيرة جدا التي تفتقد للتعليم اللازم لحمايتها في مواجهة الأعداء»، وبالتالي هو وحده القادر على إدارة مصر إلى «بكره» الذي لا نعرف له تاريخا محددا، ولكنه موجود في مكان ما في تصوره. تصور لا يساعد وضع السجادة الحمراء أو أحاديث أهل الشر على إيضاحه أو ضمانه في ظل واقع تتم فيه الإضافة لجيوب الأغنياء والسحب من جيوب الفقراء، ويبدو أن الفقر فيه يزدهر في ظل إفقار مباشر وغير مباشر وسياسات لا تتسم بالشفافية ولا تحاسب أصحاب السلطة.
كاتبة مصرية
عبير ياسين