حتى لا ننسى. فالبداية كانت عبر قناة «صدي البلد» المملوكة لرجل الأعمال المقرب من نظام مبارك «حمادة أبو العينين»، وعبر برنامج «على مسؤوليتي»، الذي يقدمه «مندوب وزارة الداخلية» في مؤسسة «الأهرام» سابقاً، و»كليم» عبد الفتاح السيسي حالياً!
من هذه القناة، ومن هذا البرنامج، كانت بداية قصة «سيدة المطار»، التي صفعت ضابطاً على خده الأيمن فكاد أن يعطي لها الأيسر، ثم قامت بفاصل من «الردح المبتذل»، تقبله رجال الأمن البواسل بحالة من الهوان، وقد وجدت الفيديوهات طريقها للنشر بعد ثمانية أيام من وقوع الحادث، والأصل فيها أنها من «أحراز» القضية، وعلى نحو كاشف بأن المصدر في هذا الموضوع هو الوزارة، التي يعمل مقدم البرنامج في خدمتها منذ أن كان في مرحلة «الجنين المستكين» صحفياً.
قانوناً، فإن العبث في «الأحراز»، يفقدها حجيتها، لكن ربما هناك نسخة أخرى هي التي جرى تسليمها لفضائية «حمادة»، ولعامله على البرنامج «إياه»، «أحمد موسى»، صاحب الولاء منقطع النظير للأجهزة الأمنية.
ومهما يكن، فإذا سلمنا بأن هناك نسخة أخرى، لوصلة الردح، التي تقبلها السادة الضباط البواسل بصدر رحب، بسبب نفوذ «صاحبة الوصلة»، وليس عن نبل، فإن الذي يملك هذه الفيديوهات، هو أمن المطار التابع لوزارة الداخلية، ومن هنا يمكننا معرفة المصدر، الذي شغل الرأي العام لأكثر من أسبوعين بهذا الفيلم الهابط، وحول الأمر إلى مسلسل، فهذه «الوصلة» تم تسريبها وبثها مقطعاً مقطعاً، لإحداث جو الإثارة المطلوب!
لا أعتمد على مواقع التواصل الاجتماعي كمصدر من مصادر المعلومات، لذا فقد تابعت عدداً من برامج «التوك شو»، على فضائيات الثورة المضادة، التي احتفت بالموضوع، وعليه وجدت أن العلم الغائب لدراسة ما حدث هو «علم الأنثروبولوجيا»، وهو علم دراسة الإنسان، وبالأدق دراسة المجتمعات الإنسانية، لمحاولة الوقوف على أبعاد الواقعة، ومن ثم معرفة دلالتها!
الراقصة والضابط
«اللباس» مما يخضع للدراسة الانثروبولوجية، وما ظهرت عليه «سيدة المطار»، دفع من شاهدوا الفيديو لأول مرة لأن يروجوا له على أساس أنها راقصة، قبل أن يتبين أنها ابنة رجل أعمال يعمل في مجال السياحة، وأن أمها هي زوجة الوزير السابق في زمن مبارك ممدوح البلتاجي. فالسيدة تنتمي لعلية القوم، وإن كان لباسها ينتمي لنسق آخر، ربما يفسره حالة الصعود الطبقي المفاجئ التي حدثت لكثيرين، فصعدوا بأجسادهم وبقيت ثقافاتهم تنتمي للمجتمعات التي نزحوا منها، ثم شكل هؤلاء النازحون، مجتمعاتهم التي وفدوا إليها، وصاروا هم عنوانها، مع حالة النزوح الجماعي التي بدأت في عصر الانفتاح الاقتصادي في عهد السادات، واستمرت إلى الآن، وهي مجتمعات مشوهة، لها سلوكها المتجاوز للطبقة التي كانت تنتمي لها، ولا علاقة له بالطبقة التي صعدت إليها!
وفي الواقع، أن عبد الناصر هو من غرس بذور هذه الطبقة الهجين والمستنسخة، التي شكلها العسكر، الذين لم يكونوا من الصفوة عندما وقعت حركة ضباط الجيش في سنة 1952، وفي كتاب مهم للراحل الدكتور إبراهيم الدسوقي أباظة روى كيف قام العهد الناصري بالقضاء على طبقة «الباشوات»، وأسس لطبقة «السوبر باشوات»، من سدنة حكمه، الذين تسبب الصعود الاجتماعي المفاجئ لهم، في إحداث لوثة عقلية، أفرزت ممارساتهم التي لا تنتمي للطبقة التي وفدوا منها أو تلك التي صعدوا إليها، فكانوا كالتي «رقصت على السلالم»، فلم يرها من في الطابق العلوي، أو من في الطابق السلفي.
كان الباشوات والاقطاعيون، يجلسون في نادي «الجزيرة» الراقي، ويسخرون من «الفلاح» عبد الناصر وزملاءه من الضباط الذين قاموا بالانقلاب، وفي مواجهة سخريتهم قرر ناصر أن يقتحم عليهم قلاعهم ففتح الأندية لضباط الجيش ليكونوا أعضاء فيها، فخلق نخبة جديدة، أسست لنسقها الأخلاقي وقيمها الخاصة والتي ليس لها علاقة بقيم الطبقة الارستقراطية التقليدية التي قامت الطبقة الجديدة على أنقاضها. وكان هذا الباب الذي تم منه ترسيم بعض المهن لتمثل الطبقة العليا، ومن بين هذه المهن مهنة القاضي، وجاء معظم القضاة من أبناء الطبقة المتوسطة، ومن أبناء الفلاحين والكادحين، ليغلقوا باب العمل في هذه المهنة الآن على أبناء الفلاحين والعمال.
وعندما جاء الرئيس محمد مرسي ليعلي من قيمة العلم، فيمنع التوريث في العمل القضائي، كان أول من تصدى له هو من استعان بهم من قضاة الاستقلال، إذ كان انحيازهم للقبيلة أقوى من أي مبادئ يؤمنون بها، وعندما تتعرض القبيلة لتهديد مصالحها، فلن يكون عجباً أن يتحالف القاضي أحمد مكي، الذي خرج على نظام مبارك، والمنتمي للثورة، مع أحمد الزند، الذي جاء لموقعه رئيساً لنادي القضاة على قاعدة الولاء لهذا النظام، والذي ينتمي للثورة المضادة.
مرسي ذلك الفلاح
الطبقة العليا في المجتمع المصري، تشكلت على قواعد العداء للعلم، فلم تقبل في عضويتها العلماء وأساتذة الجامعات، وإن قبلت نجوم الفن والإعلام، عندما تصبح النجومية بديلاً عن القيمة. هل أذيع سراً إذا قلت إن جزءاً من الرفض للرئيس محمد مرسي أنه «فلاح»، ولم يشفع له علمه، للصعود الاجتماعي لطبقة لم تعد هي طبقة النبلاء القديمة، وظلت النظرة إليه هي نظرة الإقطاعيين في «نادي الجزيرة» قبل غزوه من قبل الفلاح «جمال عبد الناصر»؟!
لقد رفع الرئيس مرسي رواتب أساتذة الجامعات بشكل غير مسبوق، لأنه ينتمي إليهم ويشعر بهم، لكنهم مع ذلك في غالبيتهم لم يتعاطفوا معه، فقد اعتادوا أن يكون الحاكم من الطبقة العليا، من ضباط الجيش، أما هم فلابد أن يظلوا محكومين، ينتظرون ما تجود به عليهم هذه الطبقة من منح وامتيازات مالية، ووظائف سياسية.
المذيعة «ريهام سعيد» استنكرت بث فيديوهات «سيدة المطار»، لأن فيها إساءة للأسرة العريقة التي تنتمي إليها هذه السيدة، ليكشف لنا منطقها عن خلل في مفهوم «الأسرة العريقة» على مستوى الدولة المصرية، وإن كانت الأمور أكثر استقراراً في الريف، وفي الصعيد على وجه التحديد، وهو معنى ليس مرتبطاً أبداً بحيازة الثروات، لأن معظم «الأسر العريقة» تاريخياً ربما هي الأفقر، لكن يظل السلوك العام لأفرادها هو من ملامح عراقتها! «العراقة»، تعنى القدم، ومفهوم «العراقة» يسقط عندما نعلم أن والد «سيدة المطار»، نزح منذ عقدين من الزمن من حي شبرا الشعبي، المنتمب للطبقة المتوسطة إلى الطبقة العليا، التي تأسست على أساس الوظيفة والمال.
اللافت أن الدراسات الأنثروبولوجية، لم تتطرق لثقافة «الردح»، لكن «الردح» ارتبط بالأوساط الموغلة في الشعبية، وليس من بينها حي شبرا على شعبيته، فضلاً عن أن الفاصل الذي نقل لنا في «الفيديوهات» المسلسلة، يؤكد أننا أمام عملية افتعال من جانب هذه السيدة، فما هكذا يمارس الردح؟! فالمشاهد سيقف بسهولة إلى أنه أمام نموذج مسخ في كل شيء، من أول الملابس التي ترتديها، إلى الردح، إلى الادعاء بالانتماء لـ»أسرة عريقة». فهل كانت في وعيها؟.., وهل هذا التجاوز سببه أنها صاحبة حصانة تمنع أحداً من تطبيق القانون عليها؟!
في السجن
لقد أذيع أنه صدر حكم بحبسها، قبل أن ينفي شقيقها ذلك ويعلن في مداخلة تلفزيونية أن شقيقته في «الجونة»، وهي تجمع سكني وترفيهي للأثرياء الجدد ويملكه أحد أشقاء نجيب ساويرس. وقيل أنه كانت في حوزتها «مخدرات»، ونفي الشقيق هذا!
لكن في برنامج «90 دقيقة»، على قناة «المحور» أكد مساعد وزير الداخلية لشؤون الإعلام، صحة واقعة المضبوطات، معلناً أنها في السجن بقرار من النيابة، لكن تصريحه قوبل بعاصفة من الاستنكار.
ولم يكن هناك بد من الاستعانة ببرنامج قناة «صدى البلد» للترويج لفيديو عن لحظة وجودها في السجن. والفيديو مهزوز وغير واضح، وكأن من يصوره يخشى من اكتشاف أمره، فمن يكون هذا المضطرب الخائف مع أنه يجلس في حجرة مسؤول في السجن وليس على مقهى مجاور للواقعة المصورة؟!
لا يحتاج الأمر لكثير من التركيز ليتأكد المشاهد أن من في الفيديو المروج له عبر قناة «حمادة أبو العينين»، ليست هي صاحبة واقعة المطار، وهو ما يؤكد أن الأمر كله مفتعل بما في ذلك تجاوز أصول الردح، على نحو فاق ما حدث من «عبلة كامل» في فيلم «خالتي فرنسا» الذي كان يخاطب به مؤلفه المهتم غربياً بنمط الأعمال الدرامية والأدبية التي تنقل واقع المجتمعات الأخرى لتعويض النقص الشديد في الدراسات الانثروبولوجية، فكان الإسراف في الردح لكان لم يصل لمستوى ما قامت به سيدة المطار.
هل كان هذا الفيلم الهندي كله، بهدف الرد على الهجوم الإعلامي على ممارسات ضباط الشرطة، بصورة الضابط وهو يجري الاعتداء عليه؟. إذا كان هذا هو المستهدف فإن الصمت لم يفسر على أنه سماحة، ولكنه جبن أمام تسلط واحدة تنتمي لأسرة «عريقة» بحسب مفهوم «ريهام سعيد» عن العراقة، فهم أسد علي الغلابة ونعامة مع غيرها؟!
أم أنه حلقة من حلقات مسلسل الإلهاء، التي لم يبدأ بالدعوة لمليونية خلع الحجاب، وفرقعات اسلام البحيري على قناة «القاهرة والناس» المملوكة لصهر السيسي، والتطاول على البخاري عبر قناة «اون تي في» المملوكة لنجيب ساويرس؟!
لا بأس، نحن في انتظار فيلم هابط آخر، للتغطية على فضيحة استقبال عبد الفتاح السيسي للأثيوبيين في المطار والإعلان عن أن الجيش المصري حررهم من «داعش»، قبل اكتشاف الفضيحة، بعد ساعات من وقوعها فالأثيوبيين كانوا لدى جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في ليبيا ومصر كانت ممراً روتينياً في طريق إعادتهم لأثيوبيا!
كل فضائح الانقلاب مؤخراً في المطار: الحمار المتسلل للمطار، والسيدة التي ضربت الضابط في المطار، والسيسي يصنع فيلمه الهابط عن الأثيوبيين الذين حررهم الجيش في المطار.
لقد ضيعوا سمعة المطارات.
صحافي من مصر
سليم عزوز