بيروت ـ «القدس العربي»: جادة «رلى حمادة» ومجتهدة في تأكيد بصمتها في عالم التمثيل المسرحي والدرامي. تعمل لمراكمة أرشيفها المهني الذي يجعلها متجددة ومميزة. حاضرة على الدوام في الدراما اللبنانية والعربية المشتركة. الكتابة المسرحية خطوة مضافة إلى قيمتها الفنية، بدأت في الوصول إلى الجمهور وبنجاح لافت. «ولو.. داريت.. عنك..حبي» نص مسرحي من توقيعها تلعبه مع القديرة توال كامل على مسرح الجميزة منذ 19 تشرين الأول/اكتوبر وإلى 26 من الجاري، وهو الثاني بعد مسرحية «حبيبي مش قاسمين». لرلى مع المسرح صلة تقنية وروحية. معه تتجدد، وتستعيد لياقتها التعبيرية جسداً وصوتاً.
مع رلى حمادة كان هذا الحوار:
○ هل يشكل لك المسرح حاجة للتعبير أم هو استراحة بين مسلسلين؟
• بل يشكل فعل تأهيل للبدء في المسلسل التالي. في السنوات الأخيرة وجدت المسرح ضرورة لي لإعادة تأهيل أدواتي الفنية، وتجديد ذاتي. يختلف المسرح كمساحة تعبير عن التلفزيون. فالحرية المتاحة في الأول أوسع بكثير من المتاح في الثاني. كثير مما يقال في المسرح لا تسمح الرقابة بقوله على شاشة التلفزيون.
○ ما هو التأهيل الذي يتيحه لك المسرح؟
• التأهيل الجسدي الذي يشكل أداة عملنا، إضافة للصوت والإحساس. بمعزل عن عدد مرات العرض، فإن التمارين التي تسبق افتتاح المسرحية والتي تمتد لشهرين تقريباً، وتبلغ حدود 126 ساعة، تتم بهدف تحقيق عروض لا تتجاوز الـ29 ساعة. التمارين تجدد الجسد وحتى الإحساس. خلال التمارين نكتشف يومياً مكاناً جديداً تأخذنا إليه جملة معينة من النص. قد تصل الاكتشافات إلى خمسة أو ستة، وبالتالي نعتمد منها واحداً فقط نقدم فيها تلك الجملة. هذا غير متاح في التلفزيون الذي يعتمد المشهد على 3 «تيك» في أحسن الظروف.
○ هل يشعرك المسرح بمزيد من الثقة في الذات؟
• بل يعمل على إعادة اكتشاف الذات.
○ هل ترين في نصيك المسرحيين اللذين وصلا للجمهور هما اختمار تجربة في الحياة أو في المهنة؟
• ربما هما ثمرة اختمار مهني. المكان الذي وصلته في المهنة ناتج عن مجهود. فكرة تجسيد سيناريو على المسرح استدعتها الرغبة بقول أمر ما. أردت طرح قضية الوجود السوري في لبنان إلى جانب الخيانة الزوجية في مسرحية «حبيبي مش قاسمين».
○ جاء ذاك العرض في العام الماضي في مرحلة محقونة لبنانياً ضد اللجوء السوري. فما كان دوره في رأيك؟
• شكل «فشة خلق» للناس في مكان ما، وفي مكان آخر أظهرت للناس مدى انغماسنا في الأحكام المسبقة على الآخرين. موضوعياً يهمني لفت النظر لهذا السلوك الخاطئ، ومن جهة أخرى رغبت بموقف من سلوكنا كلبنانيين وأحكامنا على السوريين. وبالمناسبة نصفي سوري، أمي سورية. وفي العرض المسرحي تركت للشخصيتين اللبنانية والسورية قول قصتها والتعبير عن مكنوناتها. القصص التي قيلت في العرض المسرحي حقيقية ومن الحياة.
○ هل أدى هذا العرض في رأيك إلى زيادة منسوب الوعي أم الاحتقان؟
• من خلال تجربتي المسرحية أقول أني أضفت إلى تفكير من حضروا العرض وجهة نظر لم تكن سابقاً في اعتبارهم ولم يكن لديهم اعتقاد بوجودها في الأساس. هذا ما اعتبره انتصاراً حتى وإن كان محدوداً.
○ وُصِفت المسرحية أنها تهز غصون العلاقات بين المتزوجين؟
• لدى كل ثنائي متزوج ما لا يحكي عنه. هذا المضمر يجب أن يناقش.
○ دون تخطيط بدأ الحوار من قديمك المسرحي فماذا عن العرض الجديد «ولو داريت..» لماذا الدخول إلى مطارح لا تناقش عادة كما المثلية والتبني؟
• قمت بمقابلات كثيرة لعائلات تبنت أطفالاً للوقوف بدقة على موضوع أجهله كلياً. رغبت في طرح الموضوع بعد لفت نظر من قبل سيدة حضرت عرض «حبيبي مش قاسمين» ولديها طفل بالتبني. النموذج الذي شاهدناه في موضوع المثلية هو بصدد اكتشاف الذات والهوية الجنسية، ولم يكن أمره محسوماً. كان صادقاً مع خطيبته معلناً عدم قدرته على اتخاذ قرار الزواج. هو صادق مع نفسه، ويحترم خطيبته التي أحبها.
○ ماذا عن حجم حضور رلى الإنسانة في «ولو.. داريت..» خاصة العلاقة بين الأم وابنتها؟
• نعم موجودة. كثير من المشاهد مررنا بها جميعاً مع والدينا ومن جهة أخرى في منزلي مراهق، نعم هو ولد، إنما في مرحلة المراهقة الجميع ينطق بالخطاب نفسه مع الأهل. وعندما شاهد زمن «ابن رلى» العرض كان تعليقه «نص المسرحية عني». في العرض قصص لأصدقائي. كتلك التي ترغب في رمي نفسها من النافذة عندما يضيق نفسها. وهذا ما يحصل مع صديقة لي عندما تداهمها الأزمة. نستقي تفاصيل النصوص من حياتنا.
○ سألت ابنتك في العرض المسرحي «شو مفكرة الزواج أكلة بقلاوة؟». هل الوصف مطابق لرأيك الشخصي؟
• تضحك وتقول: هو رأيي بالتحديد. كافة المتزوجين تقريباً يرددون الجملة نفسها. في اعتقادي أن الزواج لن يكون فكرة مطروحة لو لم يكن الإنجاب بهدف الاستمرار هو الهدف.
○ انطلاقتك في المسرح بدأت مع اسمين مؤسسين، جلال خوري ويعقوب الشدراوي. ما هي تلك المسرحيات؟
• مثلت في مسرحية «زلمك يا ريس» مع جلال خوري، و«الطرطور» مع يعقوب الشدراوي. والمخرجان معاً كانا بالنسبة لي تجربة غنية.
○ عندما كتبت للمسرح جاءت نصوصك من صلب الحياة دون تعريب ولا إسقاطات. لماذا؟
• لنتمكن من جذب الناس إلى المسرح فهذا لن يكون من خلال المسرح الكلاسيكي والتقليدي الذي نتوق إليه كممثلين. يحضر الناس إلى المسرح عندما نقدم لهم قطعة من حياتهم وفي قالب كوميدي مريح. ومن خلال هذا القالب يمكننا تمرير ما نريده بواسطة جرعات ميلودرامية معتدلة. وهكذا يخرج المتفرج وهو يفكر براحة. إذ تكفيه البشاعة التي نعيشها، والتي ليس لها مثيل في التاريخ. لا أخفي مدى طموحي في لعب المسرح الذي يتيح طرح الكامن في دواخلنا كبشر. المسرح الذي يدخل إلى الزوايا المعتمة فينا والذي يغوص في النفس. في مرحلتنا هذه لا يمكننا الغوص في نصوص مماثلة، فلن يكون لها حضور. ليس للمتلقي أن يعاني طوال يومه، ومن ثم يدفع مالاً كي يبكي في المساء. لا يرحب المثقفون بنوع المسرح الذي أقدمه مع آخرين، لكن النتائج أثبتت قدرته على الوصول لأكبر شريحة من الناس. إنها الظروف تحتم تقديم مسرح قريب من الناس.
○ تعاونت في العرضين مع أستاذين قديرين جداً في المسرح؟
• هذا ضروري للغاية. الأستاذين موريس معلوف وغبريال يمين تمكنا من إضافات رائعة ناتجة من خبراتهما الجمة في التمثيل والتدريس.
○ الممثل يرتدي جلد الآخرين فبماذا يختلف عن الآخرين؟
• أنتمي للمدرسة التي تقول أن الممثل لا يتقمص الدور كلياً بل يضيف بعضاً منه. أغلب الشخصيات التي يلعبها الممثل لا تشبهه، لكنه يبحث في أعماقه عن أمور يرغب في تناسيها، ويخرجها في الوقت المناسب. ولهذا يختلف الممثل عن الإنسان العادي.
○ هل تمدك مهنتك بالفرح؟
• كثيراً. آخذ نفساً عميقاً عندما أنفصل عن الحياة الواقعية وأدخل في التمثيل. مفعول الفرح قصير الأمد وينتهي مع إنتهاء المشهد أو إسدال الستارة. سريعاً يعود أحدنا للإنغماس في الضغط اليومي. مؤخراً بدأت أكتشف أن الكتابة تساهم في تحقيق الراحة النفسية. كما أنها تحملني إلى أماكن أخرى لا صلة لها بالضغوط اليومية.
○ نعرف انك تحتفظين بعدد من النصوص المسرحية والتلفزيونية. هل هي خطوات أولى للتحول مستقبلاً إلى الكتابة؟
• لم لا. لن يكون تحولاً كاملاً، فأنا أولاً وأخيراً ممثلة. أنجزت دورة تدريب خلال الصيف في كتابة السيناريو مع تامر حبيب. حينها قال لي «في كافة المهن ينصحون بالبدء مبكراً سوى في الكتابة، فمع العمر تتراكم الخبرات». هو استنتاج صحيح في رأيي لأنه يساعد في نضج الشخصيات التي يصوغها الكاتب.
○ هل ستفرجين عن نص لمسلسل في يوم قريب؟
• قد يكون نعم أو لا.
○ ماذا تعدين لرمضان المقبل؟
• في يدي نص أنا في صدد قراءته.
○ ذكرت أن الأمومة روضتك. كيف حصل هذا؟
• مع لحظة الولادة ترى الأم الدنيا بعين مختلفة. مصير البشرية برمتها تراه بعين الأم. هذا ما حصل لي. منذ الأمومة أشعر أني معنية بأم كل إنسان. حتى لو قمنا بدور الأمومة على أكمل وجه، ففي أحيان يصل أبناؤنا إلى أماكن لا نرضى عنها. كيف لهؤلاء الأهل أن يتحملوا هبوطاً فجائياً لإنجاز حياتهم، أو أن يدمر نهائياً؟ كمثل وصول الأبناء إلى السجون، أو يتعاطون المخدرات. الأمومة فعل يتساوى فيه الفرح مع القلق.
○ كيف تصفين مسيرتك في الفن، شاقة، شيقة، مثمرة، مؤثرة أم غير ذلك؟
• جميلة وصعبة جداً. عندما أتابع الأفلام الوثائقية التي تحكي عن حياة الممثلين في الولايات المتحدة وأوروبا أكتشف أن حياتهم أيضاً صعبة جداً. إنها مهنة هموم، انتظار، قلق، عدم استقرار وأمان. فرح لساعات وزعل لباقي الساعات.
○ من يسندك في حالات الزعل؟
• منذ أن أصبحت أماً لم يعد الزعل يقيم طويلاً في حياتي.
○ عدم الأمان الإنساني الذي يعيشه الفنان في لبنان هل سيعيدك إلى كندا في مرحلة مقبلة؟
• السؤال المطروح عندي، ماذا سأفعل عندما يحين موعد إلتحاق ابني بالجامعة، وهل سأكون موزعة بين لبنان وكندا؟ لا جواب عندي حتى اللحظة. في رأيي تتساقط النظريات في مواجهة الواقع.
○ يشيد المتابعون لمواقع التواصل الاجتماعي بنشاطك والكوميديا المعتمدة منك تعبيراً من خلال تويتر. لماذا توتوتين؟
• أعلق على ما يوجعني بطريقة كوميدية لأني لا أحب أن يتوجع الناس. كتاباتي تشبه مسرحياتي تتضمن الكوميديا وفي الوقت عينه تتضمن موقفاً أريده.
○ ماذا كتبت عبر تويتر قبل حوارنا؟
• في هذا الصباح عبرت عن زعلي من شارل ازنافور ابن الـ93 سنة حين شبه خلال وجوده في الكيان المحتل الشعب الأرمني بالشعب اليهودي؟ كيف له أن يتناسى كلياً عذابات الشعب الفلسطيني وضحاياه منذ طرده الصهاينة من أرضه حتى اللحظة؟ المذبحة اليومية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني هي الأطول في التاريخ.
○ ماذا قلت لأزنافور بالتحديد؟
• ماذا يخسر أو يربح مغني في عمر الـ93 سنة؟ كيف اختار هذا الرجل الوقوف مع الجلاد بدل الضحية مقابل تكريم؟ أصلاً يستعصي علي تفكير بعض البشر.
○ وماذا تقولين في التطبيع الثقافي الذي يزداد مع المحتل؟
• أرفضه كلياً.