القاهرة ـ «القدس العربي»: أثار معدل هجرة الأطباء من مصر مخاوف من تأثير ذلك على المنظومة الصحية في البلاد. فحسب إحصائيات كشفت عنها نقابة الأطباء، فقد غادر ما يقرب من 110 آلاف طبيب خلال السنوات الثلاث الماضية.
الأزمة هذه، دفعت حازم الجندي، عضو مجلس الشيوخ، عن حزب “الوفد”، لتقديم طلب مناقشة عامة، أمس الأربعاء، إلى المستشار، عبد الوهاب عبد الرازق، رئيس مجلس الشيوخ، بشأن استيضاح سياسات الحكومة، بشأن ظاهرة هجرة الأطباء من القطاع الطبي المصري، للعمل في دول الخارج.
موجة غير مسبوقة
وقال إن “مصر شهدت خلال الآونة الأخيرة وتحديداً السنوات الثلاث الماضية موجة غير مسبوقة من هجرة الكوادر الطبية والأطباء إلى الخارج، الأمر الذي يطلق تحذيرات متوالية، ومخاوف من تأثيرات هذه الموجات من الهجرة على المنظومة الصحية المصرية، ومستوى الخدمات المقدمة للمرضى التي تعاني في الأساس نقصاً شديداً في الجودة كماً وكيفاً، وهو الأمر الذي أكد عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال حفل إفطار الأسرة المصرية الذي عُقد مؤخراً”.
وهذا الأمر، حسب النائب، “يمثل نزيفاً متواصلاً، وإهداراً للطاقات والكوادر البشرية الطبية، خاصة بعدما أصبحت بعض الدول مثل ألمانيا، وإنكلترا، وكندا، واستراليا، ونيوزيلندا، وسنغافورة، دولاً جاذبة للطبيب المصري، بعدما كانت دول الخليج العربي أكثر جذباً”.
ولفت إلى أن “نقابة الأطباء أطلقت صرخات متوالية، وتحذيرات متكررة، وطالبت الحكومة بضرورة اتخاذ خطوات عاجلة لوقف نزيف هجرة شباب الأطباء، في ظل وجود حالة من العجز الشديد في عدد الأطباء، وقلة أعداد الطلاب المقبولين في كليات الطب، ما يهدد مستقبل الرعاية الطبية في مصر”.
وكشف أن عدداً من الإحصائيات التي تثبت صحة هذه الظاهرة، أكدت أن هناك ما يقرب من هجرة 110 آلاف طبيب خلال الثلاث سنوات الماضية؛ ما يمثل نصف عدد الأطباء المقدرة أعدادهم بحوالي 215 ألف طبيب، وأن تلك الأرقام تشير إلى أن متوسط عدد الأطباء لكل مواطن في تناقص حيث أصبح 10 أطباء لكل 10 آلاف مواطن في مصر، بينما يبلغ المعدل العالمي 23 طبيبا لكل 10 آلاف مواطن.
أسباب الهجرة
وزاد: “السبب في هجرة الأطباء هو تدني الرواتب والأجور، ومن ثم يبحث عن التقدير المادي والأدبي، وضعف الإمكانات والمستلزمات الطبية داخل المستشفيات الحكومية، على الرغم من زيادة الموازنات المخصصة للقطاع الطبي والتطوير الملموس في القطاع، فضلاً عن البحث عن فرص أفضل للبحث العلمي، وعدم وجود حماية قانونية للأطباء أثناء ممارسة عملهم حيث يتعرض العديد منهم لبعض الاعتداءات اللفظية، بل وأحياناً الجسدي داخل المستشفيات من قبل أهالي المرضى وذويهم”.
واقترح التوسع في إنشاء كليات الطب، وإنشاء فروع للكليات لكي تتمكن من استيعاب أعداد أكبر من المقبولين، فضلاً عن أنه يكون الانضمام إلى التخصصات المختلفة بكليات الطب وفقاً لشروط، ولا يترك الأمر لرغبة الطالب، لمعالجة العجز في أقسام بعينها.
كما طالب بتوفير فرص تدريب مميزة ومتطورة للأطباء المصريين بعد التخرج، كما تتحمل وزارة الصحة تكاليف الأبحاث العلمية والدراسات العليا للأطباء، ويمكن أن يتم ذلك بمشاركة القطاع الخاص، بجانب تغليظ عقوبة الاعتداء على الأطباء والمنشآت الطبية، وتوفير بيئة عمل مناسبة وتحسين ظروف وساعات العمل الخاصة بالأطباء والعمل على تحسين الأوضاع المادية لهم.
تدني الرواتب
وتدني الرواتب، مثل السبب الرئيسي لهجرة الأطباء المصريين، حسب السيسي، الذي علّق، نهاية فبراير/شباط الماضي، على هجرة الكثير من الأطباء إلى الخارج.
وقال: “البعض يترك مصر من أجل فرصة عمل في بلاد أخرى، وضرب المثل بالأطباء قائلاً: “أنا لا أستطيع منح الطبيب راتباً مناسباً”.
وكانت نقابة الأطباء المصريين حذرت في تقرير من تزايد معدلات استقالة الأطباء من العمل الحكومة. وطالبت بتدخلات عاجلة لحل تلك الأزمة والحد من هجرة الأطباء المصريين خارج البلاد.
وحسب التقرير، في مارس/ آذار 2019، أصدرت وزارة التعليم العالي بالتعاون مع وزارة الصحة دراسة عن مدى احتياجات مصر للأطباء البشريين والمقارنة بالمعدلات العالمية. وذكرت بأن أعداد الأطباء البشريين الحاصلين المرخص لهم بمزاولة مهنة الطب حتى آخر عام 2018 بدون الأطباء على المعاش تقدر بـ 212 ألفاً و835 طبيباً، بينما من يعمل وقتها فعلياً في مصر بالجهات المختلفة التي تشمل وزارة الصحة والمستشفيات الجامعية الحكومية والخاصة وجامعة الأزهر والمستشفيات الشرطية 82 ألف طبيب فقط بنسبة 38% من القوة الأساسية المرخص لها مزاولة مهنة الطب.
معدل منخفض
وحسب الدراسة، طبقاً لهذا العدد يكون معدل الأطباء في مصر 86 طبيب لكل 10 آلاف مواطن، بينما المعدل العالمي 23 طبيباً لكل 10 آلاف مواطن.
ولفت تقرير نقابة الأطباء إلى أنه بعد مرور 3 سنوات على إصدار دراسة الاحتياجات من الأطباء البشريين التي قامت بها وزارتا التعليم العالي والصحة، وبعد تنفيذ بعض توصيات الدراسة بالفعل من زيادة أعداد المقبولين بكليات الطب وإنشاء كليات طب جديدة حكومية مثل العريش والوادي الجديد وخاصة مثل ميريت والنهضة، إلا أن الأرقام والإحصائيات تؤكد أن الوضع ما زال سيئاً وزيادة عزوف الأطباء عن العمل بالقطاع الحكومي وتزايد سعيهم للهجرة خارج مصر.
ولفت تقرير النقابة إلى أن السنوات السابقة لإعلان تلك الدراسة كشفت عدد الأطباء الذين تقدموا باستقالاتهم خلالها من العمل الحكومي المصري وحصلوا على شهادة طبيب حر من نقابة الأطباء.
ووفق التقرير، شهد عام 2016 استقالة 1044 طبيباً، وفي عام 2017 كان العدد 2549 طبيباً، وعام 2018 بلغ العدد 2612 طبيباً، وعام 2019 شهد استقالة 3507 أطباء، وفي عام 2020 استقال 2968 طبيباً، أما عام 2021 فكان العدد الأكبر من المستقيلين من العمل الحكومي وبلغ 4127 طبيباً.
وزاد: “أسفرت إحصائيات الشهور الأولى من عام 2022 حتى يوم 20 مارس/ آذار الماضي عن استقالة 934 طبيباً، بإجمالي 11 ألفاً و536 طبيباً استقالوا منذ أول عام 2019 حتى 20 مارس/ آذار الماضي”.
وأوضح أن في لقاء بعدد من أطباء الدفعة الحديثة من خريجي كليات الطب مع بعض أعضاء مجلس النقابة العامة للأطباء أواخر فبراير/ شباط الماضي، كانت تساؤلات العديد من الأطباء عن إتاحة وزارة الصحة والسكان لاستقالات الأطباء المكلفين.
وحسب التقرير، ازدادت نسبة الأطباء إلى المواطنين لـ 9,2% أطباء لكل 10 آلاف مواطن بدلاً من 8,6% في أول عام 2019 إلا أنها تظل بعيداً عن المعدل العالمي المقدر بـ 23 طبيباً لكل 10 آلاف مواطن.
معوقات
وتطرقت الدراسة إلى عدد من المشكلات التي تواجه الأطباء في مصر، ومنها العديد من المعوقات التي تضعها الجهات المختلفة أمام الأطباء المرخص لهم مزاولة مهنة الطب ويسعون لترخيص منشآت طبية بالطرق القانونية، ومنها اشتراط أن تكون المنشآت الطبية بترخيص إداري من الوحدة المحلية، هو حدث مستجد غير قانوني أصدرتها السلطات المحلية في المحافظة فقط لتعظيم مواردها دون سند قانوني.
كما تشمل الأسباب، حسب التقرير، التعسف الإداري مع العديد من الأطباء، وضعف الرواتب، حيث لفت التقرير إلى أن الطبيب المقيم في صربيا يتقاضى 600 يورو شهرياً ما يعادل 12 ألف جنيه مصري، أما الجراح في الصومال يتقاضى 5000 دولار شهرياً ما يعادل 91 ألف جنيه، ويتقاضى الطبيب الممارس في السويد شهرياً 1600 دولار ما يعادل 30 ألف جنيه، والحد الأدنى لراتب الطبيب الشهري في السعودية ما يعادل 22 ألف جنيه، بينما متوسط راتب الطبيب المقيم في مصر 3700 جنيه، ومتوسط معاش الطبيب بعد نحو 35 سنة عمل بالحكومة 2300 جنيه.