بيروت- “القدس العربي”: لا بوادر حلحلة حكومية قبل 48 ساعة من انتهاء المهلة الجديدة لولادة التشكيلة الوزارية برئاسة الرئيس المكلّف مصطفى أديب على الرغم من كل الوعود التي أطلقت أمام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتسهيل ولادة الحكومة. وإذا كان الثنائي الشيعي يتصدّر معرقلي تأليف الحكومة بإصراره على حقيبة المال للطائفة الشيعية وتسمية ممثلّيه الثلاثة في التشكيلة، فإن المشاورات التي أجراها رئيس الجمهورية ميشال عون طرحت علامات استفهام حول مغزاها، وهل هي لتوفير غطاء سياسي نيابي لتوقيعه على ولادة قيصرية للتشكيلة بما يرضي الجانب الفرنسي وينقذ ما تبقّى من العهد لكنه يغضب الثنائي الشيعي؟ أم تمثّل التفافاً على تصوّر أديب لحكومته المصغّرة من 14 وزيراً ومحاولة لفرض شروط جديدة من خلال تسمية القوى السياسية وزرائها بذاتها وليس عبر الإسقاط؟ الأمر الذي يعني ضياع فرصة المبادرة الفرنسية والتضحية بمصلحة لبنان لغايات حزبية وسياسية وطائفية.
لكن اللافت هو تغريدة للرئيس عون في “اليوم العالمي للديموقراطية” رفض فيها العناد والتصلّب من دون أن يُعرَف من المقصود بهذا الموقف، هل الثنائي الشيعي أم رؤساء الحكومات السابقة؟. وقال عون “فلنتذكّر جميعاً أن حلول المشاكل لا تكون إلا بالتفاهم وليس بالعناد والتصلّب، وما خلا ذلك الفشل الذريع والخسارة للجميع”.
في اليوم العالمي للديمقراطية فلنتذكّر جميعاً أن حلول المشاكل لا تكون الا بالتفاهم وليس بالعناد والتصلّب، وما خلا ذلك الفشل الذريع والخسارة للجميع.#DemocracyDay2020
— General Michel Aoun (@General_Aoun) September 15, 2020
وجاء موقف عون بعد بيان “تكتل لبنان القوي” الذي انعقد برئاسة النائب جبران باسيل أكد “تمسّكه بالمبادرة الفرنسية ودعمها وحرصه على نجاحها وإبعادها عن أي تجاذبات خارجية أو داخلية لمنع إفشالها وحماية للغاية التي وُضَعت من أجلها وهي تحقيق الإصلاحات الضرورية والعاجلة لتأمين خروج آمن ومتدرّج للبنان من الأزمة المالية والاقتصادية الضاغطة”. وثمّن التكتل “تحرك رئيس الجمهورية لتنشيط عملية تشكيل الحكومة بما يؤمّن الدعم السياسي والبرلماني الضروري ويؤمّن حصول الحكومة على الثقة المطلوبة من المجلس النيابي”، مجدداً رفضه “تكريس اي وزارة لأي طائفة او طرف سياسي، كما رفضه أي استقواء بالخارج على أي مكوّن داخلي بهدف تشكيل الحكومة بطريقة منافية للأعراف والأصول”.
وكان عون أنهى مشاوراته في القصر الجمهوري مع رؤساء الكتل النيابية للاستماع إلى وجهات نظرهم بالنسبة لتشكيل الحكومة بعد تريّث الرئيس المكلّف في عرض حكومته. وشملت المشاورات التي قاطعها نواب حزب القوات اللبنانية و”اللقاء الديموقراطي” كلاً من رئيس كتلة “الوسط المستقل” الرئيس نجيب ميقاتي، رئيس كتلة “َضمانة الجبل” النائب طلال ارسلان، ورئيس كتلة “نواب الأرمن” اغوب بقرادونيان،رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد، وممثلَي “كتلة التنمية والتحرير” النائبين علي حسن خليل ومحمد خواجه.
وأفيد بأن النائب خليل أبلغ رئيس الجمهورية التمسك بوزارة المال وتسمية الوزراء الشيعة بالتوافق والتشاور مع الرئيس المكلّف. كذلك أبلغ النائب رعد رئيس الجمهورية تمسّك الثنائي الشيعي بحقيبة المال للطائفة الشيعية وبتسمية وزرائهم في الحكومة. فيما أيد النائب بقرادونيان المداورة الشاملة ورفض استيراد الوزراء من الخارج، وربط الثقة بتسمية وزراء نعرفهم.
وبناء لعدم تراجع الثنائي الشيعي عن مطلبه، فإن التطورات تنذر برد فعل سلبي من الجانب الفرنسي الذي ذكّر من خلال وزارة الخارجية بأن جميع القوى السياسية اللبنانية تحتاج إلى الوفاء بتعهداتها بتشكيل حكومة قادرة على تطبيق الإصلاحات الأساسية على وجه السرعة. وإذا تمّ التوصل إلى صيغة وسطية من خلال الموافقة على اقتراح الرئيس بري عدداً من الأسماء الشيعية لاختيار واحد من بينها لحقيبة المال فقد تطالب قوى سياسية أخرى بينها التيار الوطني الحر بالاتفاق مع رئيس الجمهورية بالمعاملة بالمثل، ما ينزع عن الحكومة طابع الاستقلالية.
وتأكيداً لما ذكرته “القدس العربي” قبل أيام، نقلت “وكالة الأنباء المركزية” عن أوساط نيابية شاركت في اتفاق الطائف استغرابها اعتبار حقيبة المال عرفاً مسلّماً به للطائفة الشيعية. وقالت هذا الموضوع نوقش في اجتماعات الطائف، لكن من دون حسمه بسبب عدم الاتّفاق عليه. وكشفت أن مجرد مراجعة بسيطة لوزراء المال المتعاقبين منذ الطائف حتى اليوم مروراً باتفاق الدوحة تظهر أن من اصل 21 وزيراً، 6 فقط كانوا من الطائفة الشيعية، وحتى بعد الدوحة عام 2008، 4 من أصل 7 وزراء كانوا من الشيعة بمن فيهم الوزير في حكومة تصريف الأعمال غازي وزني.
في غضون ذلك، بدا لافتا موقف وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو انتقد فيه “امتناع فرنسا عن تصنيف ميليشيات حزب الله اللبنانية كمنظمة إرهابية، كما فعلت دول أوروبية أخرى”، وقال “بدلاً من ذلك، توهم فرنسا نفسها بأن هناك جناحين، سياسياً وعسكرياً لحزب الله”. وقال بومبيو في حديث إذاعي إن “الولايات المتحدة ستمنع ايران من تزويد حليفها حزب الله بالسلاح والحصول على اسلحة روسية وصينية ما قد يؤدي الى نسف جهود الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في لبنان”.
ويأتي موقف بومبيو بعد تمييز ماكرون بين الجناحين السياسي والعسكري لحزب الله وعدم التطرّق الى موضوع سلاح الحزب والاكتفاء بالحديث عن إصلاحات سياسية واقتصادية ربما لعدم إفشال المبادرة الفرنسية.