لم يدر بخلد احد ربما غير غوبلز، وزير الاعلام في عهد هتلر ومن ثم رجال الاعمال اليهود بعد ذلك، أن الاعلام سيصل في يوم من الايام الى ان يصنع عالما جديدا بمواصفاته الخاصة، وسيقولب الدول والافكار والزعماء، تماما كما يطمح ويريد، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وجنسيا.
بعض العرب – كما العادة – وصلوا ولو متأخرين- لقناعة مفادها أن لا مال ولا تاريخ يمكن أن يشفعا لهم، دون اعلام وفضائيات تقيهم غزوات الارض والفضاء وتحمي مضاربهم.
وفي الوقت الذي كانت دول المشرق العربي – لبنان وسورية ومن ثم مصر – رائدة الاعلام وسادت وفرضت افكارها وايديولوجياتها واحزابها عبر وسائطه المختلفة، مرورا بعراق صدام حسين، الذي اولى هذا الجانب اهتماما فريدا، بل اضاف اليه للمرة الاولى الاعلام المهاجر، وخاصة في العاصمة البريطانية، ادركت دول الخليج العربية، ومن ثم ايران ان سلاحا فتاكا جديدا في طور السيطرة، فلجأت الى اطلاق اقمار صناعية وشراء صحف واطلاق فضائيات تغطي مناحي الحياة كافة بدءا بالسياسة، مرورا بالدين وليس انتهاء بالترفيه والجنس.
صار من المستحيل تمرير اي سياسة او اتجاه دون قناة تلفزيونية يرفدها موقع الكتروني، واحيانا صحيفة، باعتبار ان تأثير الورق بدأ يتلاشى لصالح الوسائط الجديدة، فلم تستطع دول الخليج تسويغ هزيمة صدام، دون الاستحواذ على الاعلام الذي كان يملكه، ولم تفرض وجودها وتسحب البساط من تحت اعرق الدول العربية اعلاميا، وخاصة اعلام الريادة – كليشة الزميل سليم عزوز عن الاعلام المصري – لولا فضائيات ‘الجزيرة’ و’العربية’ و’ام بي سي’ و’ابوظبي’ و’دبي’.
لاحظوا ان الدول التي تمتلك اعلاما قويا الان تتحكم بكل شيء، السياسة والدين والثقافة والفن. وبات الملك او الرئيس او الزعيم ينشد رضا الاعلامي، بعد ان كان حلم الاعلامي ان يقابل احد هؤلاء!
لا يمكن ان يحيا اي حزب – مهما كانت مبادئه سامية – دون اعلام وفضائية، ولا يمكن ان تنجح اي قضية سياسية – مهما كانت عادلة دون اعلام – وحتى الدين بعظمته بات بحاجة ماسة للاعلام لنشره والمحافظة على مريديه، بل ان ذائقة الناس الفنية والاجتماعية، وحتى المأكل والملبس وطريقة التفكير واسلوب الحياة، باتت الفضائيات والاعلام المساعد تصنعه كما تصنع العجينة، فالفضائيات استطاعت ان تصنع من هيفاء وهبي مثلا اجمل مرأة عربية في عيون العالم، رغم وجود ملايين النسوة العرب العظيمات الاجمل وجها وجسدا ودينا وعلما واما.
واستطاعت بعض الفضائيات الفنية، وخاصة اللبنانية والخليجية، ان تشهر منحرفا جنسيا وتحقق نسب مشاهدة قياسية فيه اكثر من كل الحاصلين على جوائز نوبل، والذين قدموا اعظم ما يمكن للبشرية في الحقول العلمية والانسانسة كافة!
من الصراع العربي الاسرائيلي
الى الصراع العربي – الايراني!
ولعل الصراع السياسي بين الدول العربية صار اكثره اعلاميا، فتحول الصراع التاريخي العربي – الاسرائيلي مثلا الى صراع ما بين القنوات الخليجية وقنوات ايران العربية والانكليزية، ونزل هذا الصراع الى التحشيد الديني، وهو ما لا يوجد في اي صنف من اي اعلام دولي، باعتبار ذلك يعاقب عليه القانون ويجرمه، وتجاوزته شعوب العالم منذ الحرب العالمية الثانية.
وتحول الصراع بين دول الخليج ذاتها الى صراع بين فضائيات تحابي العسكر في مصر واخرى تناصر دولة الاخوان المقالة. لا بل تخندقت فضائيات هذه الدول بعضها وراء الافكار والسياسة مقابل فضائيات تعاقر الترفيه والجنس لجذب ابناء العرب المنقسمين بين هذه المحاور.
وباعتبارنا اكثر شعوب الارض ولعا بالجنس، و’العرب صارت تحب الإشيا البذيئة’ كما يقول الممثل اللبناني يوسف فخري، فما عليك، ان اردت ان تسوق اي شيء مهما كان تافها، الا ان تحمله اسقاطا جنسيا، ولعل كثيرا من المتدينين الاكثر اقبالا على ذلك، ومن مختلف الاديان والمذاهب، فالعرب صارت امة الدين والجنس وتركت ما عداهما لباقي الشعوب، ولم تفلح بالاثنين معا الا فضائيا.
مشاهد فاضحة في برنامج ‘big brother’
وما دمنا في مجال التأثير والجذب والصراع بين الفضائيات العربية على استمالة اكبر عدد من المشاهدين فان ما حصل في برنامج ‘الاخ الاكبر’ في نسخته البرازيلية ربما يكون دافعا لبعض القنوات اللبنانية او الخليجية لاعادة استنساخ هذا البرنامج، تماما كما استنسخت برامج ‘آرب غوت تالينت’ و’ذا فويس’ و’اكس فاكتور’ و ‘ارب ايدول’ وغيرها.
والسر في استيراد هذا البرنامج انه يكشف الكثير من الاهواء التي صارت تقولب تفكير المشاهد العربي، مثل فضيحة أول حالة اغتصاب على الهواء مباشرة، في النسخة البرازيلية، حيث يعرض البرنامج ‘الواقعي جدا’ على شاشة channel 5 ويعرض عددا من الفضائح الأخرى تتلخص في قبلات وأحضان ومشاهد ساخنة بين المتسابقين.
كما صورت الحلقة الأخيرة عددا من المتسابقين أثناء تواجدهم بحوض من المياه الساخنة، إضافة إلى لقطات حميمية جمعت بين المتسابق دابي وياسمين والتز، فيما حمل جزء من الحلقة متسابقين آخرين يقبلان بعضهم بحرارة شديدة على السرير وتضمن الحوار بينهم حديثا إباحيا. وانا اراهن هنا ان فضائية عربية ما ستستورده قريبا وبهدوء.
غاز مثير للضحك لتفريق التظاهرات
من المفارقات المبكية المضحكة التي تعرضها بعض التلفزات ومواقع التواصل الاجتماعي تلك المقارنات بين مواجهة الشرطة والجيوش العربية للمتظاهرين السلميين بارصاص الحي والغازات المسيلة للدموع والتي تسبب اختناقا يصير قاتلا في كثير الاحيان، وبين ما باتت الشرطة السويدية تعتمده، حيث فضت الأحد الماضي مظاهرة نسائية تطالب بتعديل بعض قوانين المساواة بين الجنسين، في إستوكهولم، بغازات مثيرة للضحك.
وفي الوقت الذي يتفنن خريجو الشرطة والجيوش العربية بابتكار اساليب للتعذيب واهانة انسانية المحتج ابتكر أحد ضباط قوات مكافحة الشغب هذه الطريقة الجديدة، لفضّ المظاهرات المخالفة أو التي تعطل المرور مع تفادي الخسائر المحتملة في مثل هذا العمليات.
ووقعت أول تجربة لغاز الضحك بمناسبة هذه المظاهرة النسائية وأثبتت فعاليتها، بعد أن فوجئ المشاركون بأن الغاز الجديد يفقدهم القدرة على تمالك انفسهم فانفجروا ضحكاً حتى غادروا المكان وانصرفوا’.
وتعتمد فكرة هذا السلاح الجديد على تكثيف غاز شبه طبيعي غير ضارّ بعنصر أكسيد النيتروسن ما يتسبب في نوبة من الضحك لمن يستنشقه، عاشت السويد، لكننا سنحتاج اجيالا حتى نستورد منتجها الانساني هذا.
الفنان حينما يصبح سياسيا!
بعد ان كسد سوق الغناء العربي نوعا ما، وتوقف الفنانون عن احياء المهرجانات والمناسبات والحفلات الكبيرة، التي كانوا يعتاشون عليها، اتجه قسم منهم قريب من مالكي التلفزات العربية الى المشاركة في البرامج السياسية، كما يحصل في مصر، وبعض الفضائيات الخليجية، والى تقديم بعض البرامج للخروج من الزنقة الفنية التي خلفتها احداث الربيع العربي في اهم العواصم الفنية.
لكن الاغرب من هذا هو كثرة المناسبات الاعلامية، التي لا رابط منطقيا بينها، والتي تكاثرت بشكل مرضي، وباتت تشكل خطرا ليس على المنتج الاعلامي فحسب، بل على المهنية والاعلام بشكل كبير، فكل شهر نسمع عن تكريم فلان باعتباره اهم مذيع عربي وفلانة باعتبارها افضل مغنية عربية واخر افضل مطرب، وهكذا دواليك!
وحينما تقرأ تلك الاسماء تتخيل ان اللجان، التي تختار او تفبرك او تصعّد هؤلاء تعيش في كواكب لم نألفها، بحيث صار الطالح الافضل والصالح الاسوأ، وكل دولة وكل فضائية تسبح بمن يعمل وفق شروطها، ولهذا صار كل عمل يصبغ بالعربية عامة مشكوك به، ولا يخضع لاي معيار قيمي حقيقي او اعلامي. وعلى مبدأ حين قالوا لفرعون من فرعنك؟ قال ‘ما لقيتش حد يحوشني’.. فحاشاكم الله وحاشانا من هذا الهراء؟!
أوجع واطرف اللقطات
– من اللقطات المؤلمة جدا والتي تستحق ان تطبع على جبين الانسانية كلها تلك اللقطة لروح طفل سوري معلقة بين السماء والارض قبل ان يغادر الى ربه بلحظات بعد ان وصله البارود في بيته بمدينة حلب حينما قال: ‘راح خبر الله على كل شي’! هل هناك تعليق او صورة ترتقي الى هذا الجلال؟!
– طلب الرئيس الأمريكي ‘باراك أوباما’ من مصور البيت الأبيض ‘ تشاك كينيدي’ أن يلتقط له صورة إلى جوار طفل نام خلال عشاء أقامه البيت الأبيض بمناسبة عيد الأب في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد تصدرت اللقطة مجموعة لقطات نشرتها صحيفة ‘ديلي ميل’ البريطانية تحت عنوان أطرف لقطات لـ’أوباما’ على مدار 2013.
* كاتب من اسرة ‘القدس العربي’