الشاعر البصري طالب عبد العزيز في “كتاب أبي الخصيب”: فصول شاعرية عن مدينة مترعة بالتاريخ

هاشم شفيق
حجم الخط
1

أيدرك المرء أنه سيأتي يوم على البصرة وتكون فيه ظمأى؟ أيصدق ابن الماء المولود بين الشواطئ المترعة بالجمال المتموج بين ضفافها، أن تكون المدينة التاريخية، تلك التي يلتقي فيها نهران ليشكلا شط العرب، أن يضرب السباخ والمحل والصدأ مصدر مياهها؟ أجل لقد حدث هذا في البصرة المصنوعة من الماء والضفاف والأعشاب والنخيل، بصرة العلم القديم، وعاصمة الشعر العربي، مدينة بشار بن برد والجاحظ واخوان الصفا والسياب، ومدينة اليسار بامتياز، يلفها الآن الظلام والعطش والجوع، ويُخيِّم عليها ليل المجرمين واللصوص وصُنَّاع الفتن المذهبية البارزون، والطاعنون في التفرقة والتشرذم والتمزق، والبارعون في تفكيك النسيج الاجتماعي العراقي، هؤلاء هم من يسيطرون الآن على مقاليد هذه المدينة الذهبية، مدينة النفط والماء والتمور. هذه المدينة الآن هي غير ما كانت عليه في أيام الخمسينيات والستينيات، وحتى مطلع السبعينيات من القرن المنصرم، يوم كانت البصرة مدينة يُسْر وغِوى وذات مقدرة على الجاذبية. كانت البصرة يومذاك مدينة حالمة، يخترقها الشعر والأضواء والسحر المتأتي من اليناع، من الخصوبة الربانية التي تمتعت بها هذه المدينة السمراء، المؤطرة بالشموس والشطآن والشعراء، فهي أيضاً مدينة حضرية، ذات مرح ودلال، يلعب الهوى فيها، ويزدهر العشق والحب والفن الظاهر في أدق تفصيل بصري. ومن هنا كان عشاقها كثيرين ومتعددين بتعدد نسيمها الهاب من القرنة والأهوار والسيبة، ولذا ألفها العرب القادمون من الجوار كمكان للرفاه والاستمتاع والتغني، مكان ومضطرب للمتعة والتأمل وقضاء بعض سويعات الهناء في مرابعها المغسولة بالطبيعة حيث الهواء الشفيف والمشهد البليغ، والحياة اليسيرة الموصولة بالنعمة الوفيرة .

حين نتحدث عن البصرة، فنحن نعني “أم البروم” و”ساحة سعد” و “سوق الهنود” و “نهر العشار” و “الكورنيش” وكذلك “الفاو” و “الزبير” و “أبي الخصيب”، والأخيرة هذه هي مَن يستحق تسمية “جنة البستان”، فيما إذا كانت هناك جنة قد تبقت في بصرة اليوم .

مناسبة حديثنا عن البصرة الآن، أولاً، الحراك المدني الناشط فيها، وهو حراك علماني ينادي بفصل الدين عن الدولة، ويطالب بإبعاد رجال الدين الذين نهبوا البلاد والعباد عن سدة الحكم، والهيمنة الحزبية الإسلامية، المذهبية على مقادير الحكم والسلطة، فهم في رأي الحراك المدني الشعبي، عصابة من اللصوص والقتلة والإمّعات والعقول المريضة، تلك التي تترسَّم ظلام الماضي والحنين إلى الفتن الدموية والاحتراب بين الأخوة، ولا يهمهم أمر العامة، حيث تسود البطالة والعنف ضد المرأة، ومطاردة الصوت النسائي الحر، ثم دحره وقتله علانية، وسط غياب تام للقانون والقضاء والأمن، لتسود شريعة الغاب، الممثلة بالميليشيا المسلحة المدفوعة بأوامر من ولاية الفقيه، حيث لا خدمات، لا تعيينات ولا تعليم يليق بالإنسانية الحديثة .

الأمر الثاني هو صدور “كتاب أبي الخصيب” للشاعر البصري طالب عبد العزيز، وهو كتاب يروي فيه المؤلف سيرة مدينة أبي الخصيب، وهو قضاء من أعمال محافظة البصرة العراقية .

ينطوي الكتاب على اثنين وثلاثين فصلا قصيراً، تتخلله لغة شاعرية رهيفة، وسرد حكائي مؤثر عن الماضي الذي ذهب ولن يعود، سرد هو عبارة عن مدوّنة طويلة، مشحونة بحوادث جلى، وشخصيات فلاحية شفافة، كتراب أبي الخصيب، ومنسابة على الأرض لتعمل بها كانسياب نهري دجلة والفرات اللذين يصنعان أماليدها وأشجارها وبساتينها المتنوعة والراسية على تربة رقيقة، مشبعة بالندى ومسيل السواقي وخرير الأنهار .

وبذا الكتاب يغترف من التدوين الرومانسي للمدينة، مستبطناً حياتها وحياة ناسها، مستعيناً تارة بالذكريات لتكون الرافد الرئيس للكتاب، وتارة يلجأ المؤلف إلى السيرة الذاتية للمدينة أولاً، ولسيرته هو وأصدقائه وأهله ومحبيها على أرضها، ومرات يستعين ببعض الوقائع الرمزية من مسيرتها الطويلة على الأرض. وفي بعض الحالات نرى المؤلف تستهويه الحكاية، والواقعة والاحدوثة الشعبية والشواهد العينية لأناس صاحبهم وزاملهم وعاش معهم، مقتسماً وإياهم لذيذ الزمان والمكان والحياة فوق ترابها، ونافذاً كما ينفذ الهواء في تضاعيفها، وتفاصيلها، وفي شرايينها العديدة التي ألفت هذا المكان وشيّدته من النبضات البشرية .

إلى ذلك، ينهل الكاتب من قاموس هذي المدينة المترعة بالتواريخ، والأقوام المهاجرة وبالبناة الأوائل، متتبعاً كل تفصيل ومشهد وذرة عبرت هذا المكان، متخذاً من الصاحب سنداً وبرهاناً وقرينة لحكايته الطويلة على هذه الأرض الخصبة المسماة بـ”أبي الخصيب” ذات المسحة الأسطورية، ليس لحلول الميثولوجيا فيها، بل أيضا لحلول المسحة الأنثروبولوجية، فالبصرة هي معارج تواريخ ومكان شبيه بالجنان، ففيها شجرة آدم، وفيها ما يشبه اليوتوبيات، ولكنها الآن أصبحت ديستوبيات، لتؤول إلى ما آلت إليه الآن، ابتداءً من الماضي القريب إبّان الثمانينيات، حروب عبثية، مغامرات بعثية، دمار أمريكي، تهريب لمواردها، تسفير لثرواتها إلى البلدان المحتلة والموالية لدمارها ، ومن ثمّ تغييب دورها كعامل مكاني بارز في الشرق الأوسط .

“كتاب أبي الخصيب” هو كتاب أوتوبيوغرافي، توثيقي، بالمعنى الشاعري والفولكلوري، تسجيلي ولكنه جوهري، يميل إلى الاستعارة، تلك التي تجنح باتجاه الفن والتموّج اللغوي، ويسعى إلى توكيد الماضي القريب، منغمساً في العادات والمباذل والمناسك البصرية، من أجل حفظ المفردات والمسميّات والكلمات البصراوية التي لها مدلولها اللغوي، ومعناها وأسرار جمالياتها في حالات النطق، والنبر، والإشارة لبعض مخارج ألفاظها البصرية، مثل كلمة “وايد” وطريقها إلى النسيان لعدم استخدامها واستبدالها بكلمة “هواية” البغدادية.

وفي هذا الصدد، يشير المؤلف إلى الأقوام المهاجرة إلى البصرة، من الناصرية والعمارة والديوانية لغرض التوطن فيها، فهم في مجيئهم وانتقالهم إلى مكان آخر سيحملون معهم بالطبع عاداتهم وتقاليدهم وإرث لهجتهم المحلية، وهنا ستختلط اللهجات والعادات وتضيع بعض التقاليد البصرية، طبعاً الهجرات تحدث، وهذا رأي كاتب هذه السطور، بسبب الحروب والمجاعات والنزاعات العشائرية، أو بسبب البحث عن الرزق وتحسين الأحوال المعيشية، أو لأسباب سياسية واقتصادية وديموغرافية، كما عمل البعث فيما مضى على تهجير الأكراد والتركمان من كركوك لأغراض اقتصادية تتعلق بالبترول من أجل تغيير الواقع الديموغرافي فيها، ومن ثم إحلال العوائل العربية الآتية من محافظات عراقية عدة، وتوطينها في كركوك المحافظة الغنية بالنفط والغاز والمعادن .

لنعد إلى البصرة، وحرب الخليج الأولى، تلك التي قلصت الطابع الإيكولوجي فيها، حيث دمرت الحرب البيئة، وأحرقت مساحات واسعة من بساتين النخيل، هذا ناهيك عن الروح البشري، ومآل ذاك الحصيد الهائل للبشر في تلك الحرب الملعونة .

يحاول المؤلف أن يعيد اللحمة إلى تلك الكلمات وإحياء نبرتها، فيأتي على ذكر كلمات ومفردات عديدة، باذلاً الجهد والصنيع في نبش ما اندثر منها، وإعادة الحياة اليها من جديد، لكي تظل ترفرف في سياق الحياة، محتفظة بلفظها ورونق تكاوين حروفها ورجْع صداها اللغوي واللفظي ومن ثَمّ التوكيد على جماليات معناها ونطقها الفريد باللسان البصري البليغ .

يأتنس المؤلف بخلق الشبيه، الصديق والصاحب والمُحب والمُخلص والمُشارك في مسعى الحياة، يأتنس بالصاحب الذي يُشْركه في عملية الروي، يروي إليه جزءاً من ماضيهما وهما يعملان في هذه الأرض، بين النخيل ورائحة الأقاح، ومطالع الورد، ونتء الغصون، وهي تبرعم وتتفتح كما تتفتح قرائحهم على الغناء، والتذكر والحكايات الأليفة المشتركة فيما بينهما، أحاديث تتشعّب وهما يسقيان الأرض، ويشقان السواقي ويبزلان الفروع المائية، فهو له الساند والداعم والمؤازر فوق تراب

تلك الأرض المشبعة بالنعيم، والشروق والدفء والخصب الإلهي الدائر على مدار السنة، مشاركاً الصاحب في العواصف والشتاءات والأيام الباردة التي تعبر أراضيهما، مشاركاً أيضاً الأصياف الجميلة، والحارّة التي تهزم الأرض أحياناً وتحرق شفاهها، ليدور الديالوغ العذب بينهما دائما، وهما يحرثان الحب والجمال فوق تراب الحياة:

” لا يؤنسني نخل من دونك والله، ولا يطيب لي عطر دون قارورة صبرك ووفائك ومروءتك، كل الظلال خالية، مُحرقة من دونك، أنتَ شقيقي في غابة النخل التي تتسع حولي ساعة إثر ساعة، أمس رحت تحدثهم عن الأيام التي قضيناها معاً، مسحاة لصق مسحاة، منجلاً مع منجل، فروونداً لآخر، تعدّد ما اشتركنا في حراثته، وغرسه، وسقيه، وجنيه، حتى أعيتك قافلة أسماء الأنهار والزوارق والشباك”.

لا يقدم طالب عبد العزيز مسحاً طوبوغرافياً في كتابه هذا، بل ما فاض على الروح من الذكريات في تلك الأرض الولادة للماء والنخل والطير، ينهل من المعنى الذي ترفل به المدينة، يستبطن الدواخل ويوغل في السريرة، صانعاً مدينته الحلمية من مواد الحياة البسيطة، طين وتراب وماء وأعشاب وريح، ليدخل في الحنايا، لكيما يروي ويحكي، وبفتح كتاب أبي الخصيب الخصب ليقرأ علينا النماء واليناع والجنى المضاء بموجة والمحمول على غيمة من أمل .

هذا دون أن ينسى المخيال الرومانتيكي، دون أن يشيح بوجهه عن الحب وتجليات العشق وتردّداته بين الضلوع، فثمة امرأة أيضاً تحوم فوق صفحات الكتاب، وتجترح المعنى الوضيء لروح وأعماق المؤلف، فيذكرها كما تذكر الصاحب، يتذكر الصاحبة، ليضيع بين يديها، ليتيه بين المدن، صانعاً عالمه وشرابه وقدحه المقدوح بشرارة الغرام ونار الحب المستعر في الدواخل .

ودون أن ينسى أيضاً فجائع الحروب والموت الذي لف المدينة حين وقعت وانتكست غير مرة، فغزاها الخراب، وعبرتها الذئاب الغريبة التي تتحيّن الفرص دائماً، بغية نهش جمالها الأخاذ، جمال البصرة الجميلة والجريحة في آن معاً.

طالب عبد العزيز: “كتاب أبي الخصيب”

دار المدى، بيروت 2017

175 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية