كشفت قضية الصحافي السعودي جمال خاشقجي، منذ مقتله في الثاني من الشهر الماضي في قنصلية بلده في إسطنبول، مفارقة إعلامية تاريخية حول تغطية وسائل الإعلام الغربية والعربية، بل والدولية للقضية. وأصبحت فريدة في حدّتها واتساعها واستمرارها.
فبفضل الاعلام – تلفزيونات وصحف وإذاعات ووسائل تواصل اجتماعي – لم تعد قضيّة خاشقجي تتعلّق به كشخص، بل باتت أكبر قضية دولية، وبعد شهر وعشرين يوما لم يخفت صداها بفضل الاعلام حصرا، ولم يشهد التاريخ أن يقود الاعلام السياسة وليس العكس، كما حصل في هذه القضية.
فقد أجبر هذا الاعلام الرؤساء والقادة في جميع دول العالم، وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي على متابعة هذه القضية وتغيير موقفه من القيادة السعودية مرتين خلال هذه الفترة، وكلما حاول إيجاد مخرج لولي العهد السعودي أجبره الإعلام على العودة الى تأكيد ضرورة معرفة وملاحقة الجناة ومعاقبتهم، أيّا كانت صفتهم.
يعود هذا النجاح الإعلامي المبهر إلى صحيفة “الواشنطن بوست”، التي تركت مساحة فارغة على صفحة الرأي بها ضمن الجزء الذي كان مخصصا لمقالات خاشقجي، و”نيويورك تايمز” وشبكتي “سي أن أن” و”سي أن بي سي” ووكالة “الأسوشيتد برس” الأمريكية وصحف بريطانيا الكبرى العريقة، إضافة الى الصحف الفرنسية والتلفزيونات الألمانية والاسبانية والإيطالية والكندية.
بينما تميزت تغطية قناة “الجزيرة” عربيا وصحف عربية ومواقع إعلامية على الإنترنت بمتابعة، لم تقل عن تغطية وسائل الاعلام الأمريكية، إن لم تتقدم عليها أحيانا.
وظهرت للمرة الأولى الصحف التركية على الخط دوليا في نشرها وعرضها للتسريبات واجرائها للمقابلات، مما أعطى الإعلام سلطته الحقيقية في أن يكون السلطة الأولى وليس الرابعة. وفي حين كانت وسائل الاعلام هذه تغطي سابقا الشأن السعودي باستحياء، نتيجة لنفوذ المملكة السياسي والإعلامي وشرائها للعديد من وسائل الاعلام دوليا، إلا أن حادثة مقتل خاشقجي فتحت لوسائل الإعلام الغربية الحبل على الغارب.
الفرز الأخلاقي في الاعلام العربي
منذ اليوم الأول لاختفاء خاشقجي دارت حرب إعلامية بين وسائل الإعلام السعودية ومعها الإمارات ومصر من جانب، ونظيرتها من جانب آخر.
رفاق وزملاء خاشقجي في الإعلام العربي صمتوا عن التغريد المباح، بعد أن كانوا ينشرون صوراً لهم ولهنّ معه عبر السنوات. زال خاشقجي من ذاكرة هؤلاء ولم يشعلوا الشموع في الساحات. ولم ينصفه أو يشفع له حتى الوليد بن طلال، الذي اعتمد عليه كليا في اطلاق خطه السياسي عبر محطة تلفزيون “العرب” المغدورة في مهدها.
ولم تستثر الإعلاميين في دول الخليج ومصر عمليّة اغتيال وتقطيع بالمنشار لزميل عمل معهم وفي صحفهم، وخلال لحظات انمسحت ذاكرة الكثير من الصحافيين الليبراليّين العرب، الذين انشغلوا بخلق مؤامرات وهمية يعلقون عليها هوائمهم.
كيف سيؤرخ سجل الإعلاميين العرب مفهوم الحرية والحريّات، عندما يتحدّث يوماً عن الحريّات الصحافيّة؟ ألن تكون هذه الحادثة وصمة تلاحق تاريخهم حينما يُسألون: أين كنتَم يوم مقتل وتقطيع زميلكم في المهنة، وأحياناً عمل الرجل مع بعضهم في وسائل الإعلام نفسها؟
لقد مرت الكثير من المياه تحت هذا الجسر، لكن يمكن اختزالها ببعض النماذج الإعلامية العربية: صحيفة “صوت الأمة” المصرية كتبت دفاعا تقول فيه إنه “منذ بداية الحملات الإخوانية والقطرية ضد السعودية بعد اختفاء خاشقجي، اتخذت وسائل الإعلام الأمريكية موقفاً مريباً، حيث انحاز معظمها للأكاذيب القطرية الإخوانية”.
أما الكاتب السعودي صالح الحمادي، فزعم أن خديجة جنكيز، خطيبة خاشقجي التركية ليست إلا وزيرة الشؤون القانونية والبرلمانية في عهد الرئيس المصري المعزول محمد مرسي.
ولم تشذ تغطية القنوات الإخبارية مثل “العربية” و”سكاي نيوز” العربية، وأيضا في برامج “التوك شو” على المحطات الخاصة المصرية عن هذا الانكار المريع لواقعة وقفت فيها وسائل الإعلام كلها الى جانب القتيل لا القاتل، وخلطت كثيرا بين الرأي والبحث عن الحقيقة الأخلاقية، التي دفعت دولا غربية للاستغناء عن صادرات تدر المليارات دفاعا عن الجانب الأخلاقي للقضية.
في المقابل، انتقد الكاتب محمد المري في صحيفة “الوطن” القطرية مواقف بعض الدول، التي “صمتت قنواتهم وتوقفت تصريحاتهم وتلخبطت تغريداتهم… فيما أجهزتهم “على الصامت” وبعضها “على الهزاز”، لأن من بينهم من يسره الصدام السعودي – التركي”.
في حين أن البعض يرى أن وسائل الإعلام الكبرى في الولايات المتحدة، دخلت معركة “تصفية حسابات” شخصية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فان بعض وسائل الاعلام العربية – على قلتها – دخلت في صراع لكشف زيف الاعلام العربي الخشبي، وإعلام “حكم الفرد”، الذي تواطأ مع كل هزائم العرب السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وأوصلنا الى منشار القنصلية!
أين أخطأت فضائية “تي آر تي” التركية
شكلت قضية خاشقجي معلما إعلاميا فريدا ومحطة فارقة بالنسبة لوسائل الاعلام، خاصة التلفزية منها، فقد حققت نسب مشاهدة مذهلة وعززت مكانتها، حسب طبيعة تغطياتها وقربها من الحدث، فتميزت “فرنسا 24″ و”بي بي سي” و”تلفزيون “العربي” والحوار” في تغطياتها ومتابعتها لهذا الحدث بالخبر والصورة والتحليل.
وفي الوقت الذي كانت فيه الفرصة ذهبية لانطلاق فضائية “تي آر تي” التركية الجديدة، نتيجة لضخامة الحدث، ووجودها في قلب الحدث أي إسطنبول، إلا أنها أجلت انطلاقها، لسبب غير معروف، ما حرمها من لحظة كان يمكن أن تضعها في مصاف القنوات العربية الكبيرة.
فلو اعتمدت هذه المحطة على التسريبات التركية المتلاحقة لحادثة خاشقجي، لكانت مصدرا لباقي القنوات ولحفرت موقعها باحترافية واستباقية، خاصة أن أحداثا كبيرة سابقة صنعت فضائيات كبيرة عربيا وغربيا، أما وقد تخلفت، فحظا أوفر وأحداثا جديدة في شرقنا المليء بصناعة الأخبار واختراعها والخلاف حولها.
كاتب من “أسرة “القدس العربي”